بعد الجدل الطويل حول التحوير الوزاري ومستقبل حكومة الشاهد: متى نلتفت جميعا لمعالجة أوضاع البلاد ؟ !

تعيش بلادنا منذ ما يزيد عن سبعة أشهر على وقع أزمة سياسية ومؤسساتية خانقة ولا يعتقد أن تنتهي

بمجرد منح الثقة للوزراء الجدد في حكومة الشاهد بل لعل الفرقاء السياسيين يبتكرون أشكالا جديدة لاستفحال الأزمة على امتداد كامل هذه السنة الانتخابية ..

ولكن في الأثناء ورغم مواقف المصطفين يمينا وشمالا هنالك أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة بل تتفاقم صعوبتها ولا نرى لحد الآن بداية معالجة جدية لها..

اليوم لا يجادل احد في أن غلاء المعيشة قد بلغ مستويات لم تعد تطاق لا فقط بالنسبة للفئات الشعبية ولكن كذلك لكل مكونات الطبقة الوسطى ، والتضخم مدعو، كما يبين ذلك البنك المركزي ، إلى مزيد الارتفاع في نهايات هذه السنة .. ومن نتائج هذا التضخم الارتفاع المتواصل لنسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي بما اثر على اقتراض الاسر والمؤسسات الاقتصادية في ذات الوقت ويضاف إليه تواصل انحدار الدينار الذي فقد في 10 أشهر في 2018 أكثر من %16 بالنسبة للدولار و %11.5 بالنسبة لليورو ولا يتوقع أن يتوقف هذا التراجع قبل النصف الثاني من سنة 2019.

ولكن الكارثة كل الكارثة تكمن في العجز التاريخي للميزان التجاري والذي ناهز خلال 10 أشهر فقط 16 مليار دينار (15.99 تدقيقا ).. عجز قد يلامس في نهاية هذه السنة عتبة 20 مليار دينار ..

عجز الميزان التجاري هو آفة الآفات منذ سنة 2012 ولكنه اخذ منعرجا خطيرا منذ السنة الفارطة إذ بلغ حوالي 15.5 مليار دينار وها هو يواصل ارتفاعه الجنوني خلال هذه السنة ولا شيء يدل، إلى حد الآن ، أننا وجدنا الطريقة المثلى للتحكم فيه ..
وغني عن القول انه دون الحد من هذه الكارثة لا يمكن لاقتصادنا ولموازناتنا المالية الاستقرار والنمو..

نحن أمام مؤشر يلخص لوحده كل أمراضنا الاقتصادية والاجتماعية اقتصاد طفيلي مضاربي وغياب مطلق للوطنية الاقتصادية وعادات استهلاكية لا تنخر الجيوب فقط بل تحطم مواطن الشغل في الاقتصاد الإنتاجي في تونس مقابل إسهامها في تنمية ثروات الصين وتركيا على سبيل الذكر لا الحصر..

ماذا فعلت الحكومة على امتداد هاتين السنتين للحد من هذه الآفة التي تأتي على الأخضر واليابس ؟

لا شيء أو يكاد .. بعض الإجراءات المتناثرة هنا وهناك وسعي لتشجيع التصدير واستبشار ببعض الأرقام الجزئية ولكننا لم نلمس إلى حد الآن الوعي الكافي بكارثية الوضعية بل عادة ما يغلب التفسير والتبرير والإقرار بالعجز وكأننا أمام قضاء لا يرد..

لاشك أن هذا العجز التاريخي لميزاننا التجاري لا يعود فقط للحكومة بل وكذلك لكامل منظومتنا الاقتصادية إنتاجا وترويجا واستيرادا الخ .. ولكن المطلوب من الحكومة هو ان تكون لها قدرة الاستباق وبالتالي وضع السياسات العمومية الملائمة للتحكم في العجز والتقليص منه قدر الإمكان .

ولكن في تونس غاب الاستباق وواجهت الحكومة كارثة العجز التجاري بعد حصولها بما يعسّر اليوم من طرق مواجهتها .. فالقرار السياسي الحازم يؤتي بعض أكله بعد أشهر ولذا كانت الأهمية الإستراتيجية للاستباق ..

ولكن هنالك مسؤوليات أخرى لابد من الإشارة إليها وهي تشكل اقتصاد طفيلي في البلاد .. اقتصاد داخل المنظومة القانونية ولكنه قائم فقط على الاستيراد وترويج البضاعة الموردة فقط لا غير دون خلق اية قيمة مضافة فالاستثمار هنا ينحصر فقط في الاستيراد ثم التخزين فالتوزيع وهذا الاقتصاد لا يكتفي فقط بهذا بل يضارب بذكاء على تراجع قيمة الدينار فيستورد كميات ضخمة من المواد الأولية او نصف الأولية او الاستهلاكية غير القابلة للتلف فوق حاجيات السوق التونسية بقصد ربح هامش إضافي نتيجة تراجع قيمة الدينار، وهذا الاقتصاد الطفيلي ينضاف للاقتصاد الموازي ليأخذ اقتصادنا المنتج بين فكي كماشة وليضعف من قدرتنا على النمو الفعلي وعلى إنتاج القيمة المضافة وهذه ليست فقط مسؤولية هذه الحكومة او التي سبقتها او التي ستليها انها مسؤولية متداخلة ولحلها لابد من رؤية شاملة تقحم جل التونسيين من مهنيين ومستهلكين ورأي عام حول شروط وضع حد لكل هذه المظاهر المؤدية إلى تخريب اقتصاد البلاد..

معالجة أوضاع البلاد تقتضي يقظة جماعية بدءا بالحكومة والقطاع المخصوص فيها ثم بكل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين اما عندما نقضي جل الوقت في التناحر المتبادل فستضيع حتما قضايا البلاد والعباد ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115