من أراضيها (15 أكتوبر 1963) بعد أكثر من سنتين على حرب بنزرت الطاحنة وغير المتكافئة والتي استشهد فيها حوالي 700 تونسي وتونسية من عسكريين ومدنيين اضافة إلى آلاف الجرحى..
لقد اندرج جلاء القوات الأجنبية في مروية وطنية كانت طاغية آنذاك: مقاومة الاستعمار منذ انتصابها سنة 1881 ثم تطور الحركة الوطنية في بداية القرن العشرين إلى أن أخذ المشعل الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه في الحزب الدستوري الجديد، وبعد كفاح دام أكثر من عقدين تم فيه قتل واعتقال ونفي العديد من القادة..
حصلت تونس على استقلالها الداخلي في 3 جوان 1955 ثم استقلالها التام في 20مارس 1956 وتونسة الأمن الوطني في 18 أفريل من نفس السنة فإعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 وتدعم استقلال البلاد بانشاء البنك المركزي في سبتمبر 1958 ثم بداية التداول بالدينار التونسي بعد أسابيع قليلة فجلاء آخر جندي في 15 أكتوبر 1963 واستكملت تونس كل عناصر سيادتها بالجلاء الزراعي في 12 ماي 1964، واختيار هذا التاريخ لم يكن اعتباطيا بل أريد منه أن يكون الرد الوطني النهائي على «معاهدة باردو» في 12 ماي 1881 والتي بموجبها تم ارساء نظام الحماية، تلك التسمية المُجمِلة للاحتلال والاستعمار..
صحيح أنه حصل انشقاق داخل الحزب الدستوري بين من يعتبر الاستقلال الداخلي خطوة إلى الأمام (بورقيبة ورفاقه) ومن يراه خيانة وخطوة إلى الوراء (صالح بن يوسف ورفاقه) وقد أريقت دماء وطنية كثيرة في ما سمي بالفتنة اليوسفية والتي انتهت باغتيال الزعيم الوطني صالح بن يوسف في 12 أوت 1961.
ذكرنا بكل هذه المحطات لأنها كانت تمثل الرواية الوطنية الرسمية لدولة الاستقلال مع اعطاء دور استثنائي لبورقيبة على حساب بقية الزعماء الذين قادوا حركة التحرر من الاستعمار..
لقد لاقت هذه الرواية اعتراضا شديدا من حركات المعارضة لا سيما منها العروبية واليسارية والإسلامية والتي اعتبرت كلها - بنسب متفاوتة - أن نقد هذه الرواية هو المدخل الأساسي لنزع الشرعية عن حكم بورقيبة.
وهنا استرجعت هذه المعارضات (أساسا التيارات القومية وبعض التيارات اليسارية) الصراع البورقيبي اليوسفي لتضفي عليه بعدا ايديولوجيا لاحقا ليصبح صراعا بين مواصلة التبعية لفرنسا (بورقيبة) والتحرر الوطني الفعلي والحقيقي في إطار الأمة العربية (صالح بن يوسف) وهكذا أصبح النظام البورقيبي ليس فقط نظاما تابعا بل نظاما عميلا وكان الشعار الأساسي لكل هذه التنظيمات في سبعينات القرن الماضي في رحاب الجامعة التونسية «النظام الدستوري العميل اللاوطني واللاديمقراطي واللاشعبي»..
ولقد عمقت ثورة 2011 هذا الشرخ إذ رأى فيها بعضهم إعلان النهاية للنظام البورقيبي ولمرويته المركزية وأنه قد حان الأوان للنضال من أجل الاستقلال الفعلي للبلاد ثقافيا واقتصاديا وديبلوماسيا ومع التطور اللافت للأفكار الديكولونيالية منذ أواسط العشرية الماضية أضحت المروية المضادة للبورقيبية ولدعاة الدولة الوطنية تقوم على مفهوم «الاستعمارية» (La colonialité) أي أن تصرف «الدولة الوطنية» مع أبناء الجهات الداخلية هو مواصلة لتصرف «الجادارمي» الفرنسي (Le gendarme) مع التونسيين زمن الاستعمار.. وأن المنوال الاقتصادي الذي أرساه نظام بورقيبة هو منوال استخراجي استعماري أي تحويل خيرات المناطق الداخلية لجزء من السواحل كما كان يصنع الاستعمار الكلاسيكي بتحويل خيرات البلاد المُستعمَرة إلى البلاد المُستعمِرة، فالاستعمارية هي في جوهرها «استعمار داخلي» استعمار الطبقات المهيمنة للمناطق الداخلية أساسا..
وهذا المناخ الفكري الذي وصفنا بعض جوانبه هو الذي يفسر المواقف الكبرى من 25 جويلية 2021 بين من رأى فيه عودة الروح للدولة الوطنية واستئناف جديد للبورقيبية وانتقام من خصومها الذين سادوا وأفسدوا بعد 2011 ومن رأى فيه استئناف ثورة الدواخل التي انطلقت في 17 ديسمبر 2010 والتي أجهضتها النخب «الكولونيالية» في 14 جانفي 2011.. هذا في صنف المؤيدين لـ 25 جويلية أما المعارضين فقد رأوا فيه انقلابا على الدستور وعلى الديمقراطية التي بشر بها الانتقال الديمقراطي.
نحن هنا أمام اللحظتين الأساسيتين في تاريخ تونس المعاصر: الاستقلال وثورة 2011 والانقسامات الحدية تجاه كل لحظة على حدة خلقت أربعة مواقف كبرى:
1 - مؤمن بالاستقلال وكافر بالثورة
2 - مؤمن بالاستقلال وبالثورة معا
3 - كافر بالاستقلال ومؤمن بالثورة
4 - كافر بالاستقلال وبالثورة معا
كل فريق يقدم ترسانة من الحجج والأدلة والبراهين ويعتبر موقفه قائما على حقائق ثابتة لا تقبل الدحض, لذلك استعملنا مصطلحي « مؤمن» و»كافر» اذ كأننا في صراعات عقائدية دينية لا في نقاشي فكري الحقيقة فيه متقاسمة بنسب ولا يوجد فيه يقين مطلق بل ترجيح واجتهاد..
ولكن يبقي السؤال دوما: كيف نبني الوطن؟
كيف تؤسس لمروية جامعة , ولا تقول واحدة؟
كيف نعزز مشاعر الافتخار بالانتماء لهذه البلاد عوض جلد الذات المستمر والمزمن؟
هنالك طريقان لا ثالث لهما:
- «حرب الكل ضد الكل» إلى الانتهاء بغلبة فريق واحد يفرض مروينة بالحديد والنار..
- التقارب الوطني وتنسيب أخطاء الخصوم والتفكير في مستقبل الأجيال القادمة عوضا عن تأبيد خصومات الأجيال السابقة وتحويلها إلى ملل ونحل يستحيل الجمع بينهم..
هنالك في تقدرينا استحالتان اثنتان فقط:
- استحالة نفي نضال وتضحيات واجتهادات الأجيال التي قاومت الاستعمار وأرست الدعائم الأولى للدولة الوطنية.
- استحالة وأد الحلم الديمقراطي بأية شعلة من الشعلات , والديمقراطية أن هي إلا التعبيرة المنظومية المثل عن الشوق للحرية والكرامة معا..
هاتان الاستحالتان لا تلبسان أحدا عصمة ما ولا تنزعان من أحد حق الاجتهاد والاختلاف بل ترسمان معا طريقا نبنيه ونسلكه معا للتأسيس لعيش مشترك منفتح..
بورقيبة وصالح بن يوسف والمئات بل والآلاف من سابقيهم ) عبد العزيز الثعالبي والبشير صفر وعلي باش حانبة ومحمد علي..( ومعاصريهم واللاحقين بهما, كلهم وطنيون عملوا على تحرير البلاد واجتهدوا في ذلك وفق المتاح.. والأكيد أنهم قد أخاطوا في مواقف وتقديرات قد تكون هامة وقد اختلفوا كذلك إلى حد التنازع والاقتتال..
ولكن يحق لنا اليوم , نحن أحفادهم وأحفاد أحفادهم أن نفخر بهم جميعا دون أن نقدس أحدا منهم وأن نسعى لمواصلة البناء والجهد والاجتهاد لا أن نهدم السقف على ساكنيه..
كل هؤلاء المناضلين والمناضلات كانوا يطوقون للحرية والانعتاق , الحرية من ربقة الاستعمار والانعتاق من مكبلات النهوض والتقدم.. فالحرية هدف هذا الجهد الجماعي الذي انطلق من حوالي القرنين, جهد ساهم فيه حكام ومثقفون وحركات سياسية ونقابية وجمعياتية.. نساء ورجال من أجيال متعاقبة اختلفوا وتصارعوا، أحيانا وتقاربوا أحيانا أخرى فيهم التحديثيون والمحافظون فيهم من كان ايمانه بتونس قويا للغاية وفيهم من أحب تونس كجزء من عالم أوسع عربي أو إسلامي أو متوسطي.. ولكن كلهم وكلهن جزء من تاريخنا وأغلبهم وأغلبهن مصدر لافتخارنا واعتزازنا..
لا نرى وجاهة لمن لا يحتفي بالاستقلال وبالجلاء العسكري والزراعي وبالعملة التونسية وبالدينار التونسي حتى لو كان موقفه نقديا بشدة لبورقيبة وللبورقيبية، ونرى أن هنالك عدمية مطلقة في وصف الدولة الوطنية من 1956 إلى اليوم بالاستعمارية رغم نقدنا الشديد للتفاوت الجهوي وللسياسات العمومية غير الموفقة ولكن إنكار البجهد التنموي الاقتصادي والاجتماعي والبشري باطلاق عدمية تهدم ولا تبني.
كما لا نرى وجاهة لمن يبتهج بوأد الديمقراطية حتى لو كان من أشد خصوم أبرز الفاعلين في عشرية الانتقال الديمقراطي...
الأمة القوية الناهضة تبنى بالتراكم والتجاوز لا بالنقض والهدم.