بالإمكان تحديد ما يفصل بينهما، ولا متى يبدأ أحدهما أو ينتهي امتداده في مجال الآخر.
المشهد الأول. أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ونقاش محتدم داخل القاعة حول المخاطر التي تهدد الصحفيين وحرية التعبير، في وقت يقبع فيه أربعة صحفيين في السجن. نقاش حمّل السلطة مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الصحافة في البلاد، وما تواجهه من تضييقات ومخاطر لم تتوقف عند الملاحقات القضائية والأحكام السالبة للحرية.
المشهد الثاني. تدوينة نشرها مواطن تونسي على حسابه الخاص في فيسبوك، في شكل نص مرفق بصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي. يعلن النص أن رئيس الجمهورية دشّن خط القطار السريع تونس ـ مدنين، فيما تنقل الصورة المفتعلة هذا الحدث على أنه واقع قابل للتصديق. وقد تفاعل آلاف التونسيين مع التدوينة التي شهدت موجة من النشر وإعادة النشر والتعليقات، فتحولت صورة مولّدة إلى خبر زائف يتعامل معه مستخدمون باعتباره حدثاً وقع بالفعل، ويمنحونه، بتفاعلهم معه، قدراً من المصداقية.
بين المشهدين مسافة ومساحة تكشفان عن تناقض تعيشه البلاد. صحفيون يخوضون معارك من أجل حق التونسيين في إعلام حر ومهني، وفي المعلومة ومساءلة السلطة، ويكابدون في سبيل ذلك مخاطر جمّة. وجزء من الجمهور الذي يطالب الصحافة بالنزاهة والمهنية ينشر في الوقت نفسه صورة لحدث لم يقع، ويسوّقها باعتبارها إنجازاً تتعمد وسائل الإعلام، في نظره، التعتيم عليه.
مسافة بين قاعة مؤتمر يناقش فيها الصحفيون حرية الصحافة ومستقبلها، وفضاء افتراضي يشكو فيه التونسيون إعلامهم وصحافتهم، ويساهمون، بأشكال مختلفة، في إضعاف موقعهما. إذ مثلما تحتاج الصحافة إلى الحرية، تحتاج إلى جمهور يتابعها ويدافع عن حقه فيها، باعتباره المستفيد الأول مما تنتجه من أخبار ومقالات رأي وتحاليل تساعده على تكوين موقفه من قضايا تمس حياته ومستقبله.
هذا الجمهور الذي انفضّ جزء منه عن وسائل الإعلام، وبات يكتفي بما يصله منها عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يخفِ ضيقه من الصحافة ولا شكوكه في مصداقيتها. لكنه هو نفسه الذي قد يمنح محتوى مجهول المصدر ثقته واهتمامه، من دون أن يسأل أو يبحث عن دليل وإثبات.
والأمر لا يتعلق بتدوينة تدشين خط قطار سريع فقط، بل إن الأمثلة كثيرة. خبر مثير، أو صورة مقنعة، أو ادعاء يوافق موقفاً مسبقاً، ثم موجة من التفاعل. قد يكون الموقف المسبق من السلطة أحد أسباب انتشار مثل هذه المنشورات. فهناك من يراها مادة للسخرية، ومن يتعامل معها بوصفها دليلاً على أداء السلطة، ومن يشاركها لأنه يريد أن يصدقها، أو لأسباب أخرى. لكن اختلاف الدوافع لا يغيّر من حقيقة أن إعادة النشر توسّع قاعدة الجمهور، وهو ما يمنح الخبر الزائف حياة أطول ويقنع جزءاً من التونسيين بأنه حقيقة.
هذا السلوك، الذي يتبعه طيف واسع من الجمهور الرافض للثقة في صحافته وإعلامه، لا يقتصر على التشكيك فيهما والمطالبة بمحاسبتهما، بل يمتد إلى الترويج لمحتوى زائف، واتخاذ المنصات مصدراً للأخبار والمعلومات. وقد يحتج جزء من الجمهور بأن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية ما آلت إليه العلاقة معها، بسبب أخطائها المهنية أو انحيازاتها أو تبعيتها السياسية. وهذا أمر قابل للنقاش، فالصحافة ليست فوق النقد، ومن حق الجمهور أن يسأل ويحاسب ويطالب بمراجعة الأداء والتعديل الذاتي.
لكن نقد الصحافة لا يقتضي التخلي عنها، ولا يجعل البديل عنها أكثر صدقية. فالجمهور الذي يشكك في مؤسساته الإعلامية عليه أن يطبق المعيار نفسه على منشور يتداوله أصدقاؤه، أو على حساب يتابعه منذ سنوات، أو على صورة توافق ما يريد تصديقه. وإذا كانت أخطاء الصحافة وانحيازاتها تستوجب المساءلة، فإن المحتوى المتداول على المنصات أولى بالمساءلة والحذر، خاصة أن خطر التلاعب يشتد حين تتعرض الصحافة للتضييق، ويُحرم المواطن من صحافة مستقلة تستطيع مساءلة السلطة باسمه.
هذا ليس دعوة إلى استبدال مسؤولية الإعلام والصحافة بمسؤولية المواطن، لكن حين تتعرض الصحافة لضغط السلطة، فإن الجمهور، على اختلاف دوافع أفراده ومواقعهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية، ليس خارج المشهد. فهو يختار، وباختياراته المتكررة يساهم في تحديد بيئة عمل الصحافة؛ بيئة قد تغذي التشكيك واصطياد أخطائها، مقابل إعفاء السلطة والجمهور من مسؤوليتهما.
وتلك هي المسافة بين القاعة، حيث كان الصحفيون يناقشون ما يهدد حق التونسيين في إعلام حر، والمنصات التي تنقل خبراً زائفاً أو مضللاً وتروّج لحملات ضد الصحفيين ووسائل الإعلام. والجمهور، بقصد أو من دونه، قد يصبح طرفاً في التضييق على الصحافة وضربها، وهي الصحافة التي يطالبها بأن تحميه.