أحمد نجيب الشابي : زعيم خلف القضبان

الخير صادم ...

تعكر صحة أحمد نجيب الشابي ذي الاثنين والثمانين سنة بعد دخوله في إضراب عن الطعام ونقله إلى المستشفى دون تمكين عائلته من زيارته إلى حدّ كتابة هذه الأسطر..

الخير صادم في كل تفاصيله الظاهرة، أما الخبر الصادم الأكبر فهو وجود السياسي والمناضل أحمد نجيب الشابي بالسجن والحكم عليه بـ 12 عاما فيما عرف اعلاميا بقضية «التآمر 1» في محاكمة قيل عنها الكثير شكلا ومضمونا...

ذكرنا بسن أحمد نجيب الشابي ولكننا نعلم أنه لم يعبأ أبدا بمثل هذا الاعتبار، فالسنّ لا يضفي على صاحبه حكمة زائدة ولا علاقة له بتقييم الشخص.. فالمهم عند أحمد نجيب الشابي هو الرأي والموقف السياسي وقدرة الشخص - من عدمها -  على القيادة والتسيير.. السن مجرد رقم، هكذا يرى أحمد نجيب الشابي.. ولكن لا يمكنناغ نحن جميعا ألا نعير للسن وللوضع الصحي اهتماما في وضعية الحال ونحن نتحدث عن رجل قضى أكثر من ستين سنة وهو يناضل من أجل أفكاره ومواقفه وما يعتبره مصلحة البلاد ومواطنيها...

جلّ التونسيين عرفوا أحمد نجيب الشابي بعد الثورة إذ كان من أبرز الشخصيات السياسية حينها إن لم يكن أبرزها.. ولو تمّ اتباع منطق دستور 1959 لكان الشابي، ربما، أوّل رئيس جمهورية منتخب بعد الثورة ولكن «رفاق» دربه من كل الاتجاهات اجمعوا، تقريبا، على مسار هدفه المعلن التأسيس الجديد وهدفه المبطن كل شيء إلا أحمد نجيب الشابي!

ولعلّ الخطأ السياسي الأكبر لأحمد نجيب الشابي هو اعتقاده أن عامة التونسيين لديهم الاطلاع الكافي على مسيرته السياسية وأن تزعمه لمعارضة نظام بن علي ابان قوته وسيادة الخوف عند الغالبية الساحقة تشفع له عندهم وتنفي عنه، نهائيا، التهمة الكيدية بأنه يريد إحياء التجمع والمنظومة القديمة، فنجيب الشابي كان السياسي شبه الوحيد الذي عارض حلّ التجمع الدستوري الديمقراطي كما دافع - لوحده - على ضرورة اقحام جزء من رجالات بن علي في الانتقال الديمقراطي المنشود.. وهذا ما سمح لبعض من كان يتمسح على أعتاب أصحاب الصفوف الثواني في حزب بن علي باتهام أحمد نجيب الشابي بخيانة الثورة وبقيادة «الثورة المضادة» والحل أن كل المهتمين بالشأن العام - ولو عن بعد- يعلمون زيف هذه الاتهامات الباطلة..

لقد أراد أحمد نجيب الشابي الترفق بالثورة الغضة وهي في بداياتها وتخيل أن ماضيه النضالي يسمح له بتهدئة الأوضاع وبالبناء الرصين وبتجنيب البلاد ويلات الاقصاء والاقصاء المضاد وما يخلف ذلك من أحقاد وضغائن ومخاطر على الانتقال الديمقراطي ذاته..

ربما تكون الخطيئة الكبرى لأحمد نجيب الشابي أنه عندما يكون على صواب، يكون ذلك قبل وقت الجموع فيُستنكر موقفه حينها وعندما يقتنع به خصوم الأمس تكون عقارب الساعة قد تجاوزت الحدث وظروفه بالكامل..

أحمد نجيب الشابي بدأت حياته السياسية سنة 1965 حين كان طالبا بفرنسا، ولكنه نشأ في السياسة تماما كأوبيلكس (Obélix) منذ نعومة أظفاره ثم بدأ رحلته الشخصية بحزب البعث وعرف السجن منذ شبابه سنة 1968 إثر محاكمة ضخمة شملت شباب حركة «برسبيكتيف» والحزب الشيوعي وحزب البعث، ويروي أحمد نجيب الشابي في كتابه الصادر سنة 2022 عن منشورات جمعية «نشاز» «المسيرة والمسار، ما جرى وما أرى» مسيرته وهو كتاب هام للغاية لا يروي فقط المسيرة السياسية والفكرية لصاحبه بل جزءا هاما من تاريخ اليسار التونسي خاصة وتاريخ تونس السياسي والفكري عامة..

من «حزب البعث» إلى العامل التونسي» فتأسيس «التجمع الاشتراكي التقدمي» الذي تحوّل قبل الثورة إلى «الحزب الديمقراطي التقدمي» وقد خاض هذا الحزب معية أحزاب وشخصيات ديمقراطية المعارضة ضد نظام بن علي، وقد كانت معارضة قوية ومبدئية ساهمت بدرجة كبيرة في نزع الشرعية عن منظومة بن علي.

ما ينبغي أن يستحضره الشباب اليوم هو أن أحمد نجيب الشابي كان من بين الأوائل الذين تمردوا على منطق الايديولوجيا المغلق والاقصائي وسعى منذ عودته الثانية إلى تونس في مطلع ثمانينات القرن الماضي إلى تأسيس حركة يسارية ديمقراطية ومع مرور الزمن ازدادت الفكرة الديمقراطية عنده رسوخا وتجذرا مع سعي نادر عند رفاقه القدامى إلى المعرفة الفكرية والميدانية بعالم الاقتصاد باعتباره العمود الفقري للسياسة وللبدائل المستقبلية..

لم يكن أحمد نجيب شعبيا لدى جلّ رفاق دربه لأنهم يخشون مما يرونه حبا مبالغا فيه للزعامة وللطموح.. وكان الطموح أمر منبوذ في حدّ ذاته..

 لا نقول بأن كل الخلافات داخل العائلة اليسارية الكبيرة ناجمة عن هذا، ولكن دون هذا البعد قد لا نفهم عدة محطات مفصلية في تاريخ اليسار لا سيما بعد الثورة..

قلنا بأن أحمد نجيب الشابي كان ضدّ حلّ التجمع الدستوري الديمقراطي بعد الثورة رغم كونه قاد معارضة شرسة ضده عندما كان في الحكم.. ثم كان ضد الترويكا وضدّ هيمنة حركة النهضة رغم كونه تحالف حزئيا معها في حركة 18 أكتوبر 2005، وفي كتابه خص الشابي الاسلام السياسي بفصل كامل وكان رأيه نقديا بوضوح لحركة النهضة واعتبر أنها لم تخرج نهائيا من جبة «الجماعة» رغم التطور اللافت في أدائها ويختم الشابي هذا الفصل (الذي كتب قبل 25 جويلية 2021) قوله «لا تملك قوى الاصلاح والتحديث سوى مواصلة الضغط السياسي والفكري على الظاهرة الاسلامية لحملها على القطع مع جذورها السلفية والشمولية والتحوّل، جقا لا قولا، إلى حزب محافظ ذي مرجعية ديمقراطية ينبذ العنف ويتخلى عن كل نزعة هيمنية على الدولة والمجتمع».

وهذا ما يفسر لماذا اختار أحمد نجيب الشابي أن يتحاف من جديد مع الحركة الإسلامية بل وأن يترأس «جبهة الخلاص الوطني» وهذا يتطابق مع ما قاله قبل ذلك في كتابه «لقد خبر المجتمع الآثار المدمرة لسياسة الاستئصال وأدرك بالتجربة أن الديمقراطية جامعة، دامجة أو لا تكون».

لسنا هنا في مجال تقييم آراء ومواقف أحمد نجيب الشابي فهو كما يقول القدامى رجل يؤخذ منه ويُرد عليه وهو لم يختر في الأغلب الأعم الطرق السهلة ودافع عن تحالفات ومواقف كان التيار اليساري الواسع يعارضها ويستهجنها وهي لم تجعل منه أيضا مقبولا ومحبوبا في التيارات السياسية الأخرى، ولكن المنصفين هنا وهناك يدركون رجاحة عقل أحمد نجيب الشابي وحبه لبلاده وتمسكه المطلق بالديمقراطية والتعددية وأنه ليس فقط سياسي ومناضل بل زعيم باتم معنى الكلمة ورجل دولة، اذا فهمنا أن الدولة هي المعبر العقلاني عن مصالح المجموعة الوطنية..

الخبر الصادم هو أن يقدم أحمد نجيب الشابي بعد كل هذا العطاء للبلاد على إضراب جوع قد يهدد حياته..

والخبر «الأصدم» - إن جازت العبارة - هو أن يكون أحمد نجيب الشابي (وغيره كثير) في السجن اليوم..!

يقول نجيب الشابي في تقديم كتابه «لا أشعر بأن وقت الوداع قد حان بعد».

فعلا نجيب، وقت الوداع لم يحن بعد.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115