أكدتها نتائج البكالوريا: الأزمة التي تخفيها الأرقام
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 22/06/2026
- 23 عدد المشاهدات
نشرت وزارة التربية أولى المعطيات الإحصائية الخاصة بالدورة
الرئيسية لبكالوريا 2026، والتي اقتصرت على نسب النجاح وترتيب الشعب وقائمة الأوائل الوطنيين. وهي معطيات، وإن كانت قليلة ولا تسمح برؤية المشهد التربوي في البلاد، فإنها تقدم على الأقل قاعدة يمكن الوقوف عليها لرؤية حقيقة منظومتنا التعليمية والتفكك الذي باتت عليه.
فهذه المؤشرات الأولية، إن وضعت جنبًا إلى جنب مع مثيلتها التي صدرت عن وزارة التربية في الدورات السابقة (2023/2024/2025)، يمكنها أن تقدم صورة تقريبية لما باتت عليه المنظومة التعليمية/التربوية التونسية، وأن تبين لنا سلامة الخيارات التي اتخذتها الدولة ليس فقط خلال هذه السنوات بل منذ 2000.
في السنوات الثلاث الأخيرة، بالإضافة إلى نتائج الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026، تبرز معطيات أساسية قد تبدو منفصلة، ولكنها في الحقيقة تتقاطع في المصدر والنتيجة. المعطى الأول هو استمرار شعبة الرياضيات في تصدر نسب النجاح بنسبة بلغت 79.41% هذه السنة، كما كان عليه الأمر في الدورات الثلاث الفارطة. فمنذ دورة 2023 باتت نسب النجاح في شعبة الرياضيات فوق الـ71%، والمعطى الثاني هو هيمنة شعبة الاقتصاد والتصرف على عدد المترشحين، إذ باتت النسبة منذ سنوات تقترب من ثلث المترشحين، والمعطى الثالث قائمة المتفوقين وطنيًا.
معطيات عند النظر إليها جنبًا إلى جنب، يتكون مؤشر واضح على أزمة هيكلية للمنظومة التربوية في تونس، فما تقوله نسبة النجاح المرتفعة في شعبة الرياضيات سنويًا ليس أن منظومتنا التربوية سليمة وناجحة تقوم على سياسات عمومية تنتج كفاءات، بل إنها تخبرنا الكثير عن طبيعة الدارسين في هذه الشعبة ومسارهم الذي قاد للنجاح اليوم في شعبة لا تستوعب إلا الجزء القليل من المترشحين. فمن أصل 100 تلميذ يجتاز البكالوريا، 5 منهم يدرسون في شعبة الرياضيات، في حين تخبرنا الأرقام أن حوالي خمس المترشحين في بداية الألفية كان من شعبة الرياضيات.
هنا نحن أمام تراجع نسبة المرشحين للبكالوريا من شعبة الرياضيات من 20% من مجموع المرشحين في 2000 إلى متوسط أقل من 6% خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، مقابل تضخم نسبة المرشحين عن شعبة اقتصاد وتصرف التي كانت في حدود 13 % في 2005 لكنها اليوم أكبر شعبة في التعليم الثانوي، تقدم حوالي ثلث المترشحين للبكالوريا. وهذا التحول يعكس خللًا داخل المنظومة التعليمية تكشفه خريطة التوجيه المدرسي ونتائج البكالوريا التي تبين أن منظومتنا لا تنتج بالقدر الكافي الموارد البشرية والكفاءات العلمية التي تحتاجها البلاد لمجارات التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمراهنة على المستقبل، وما ينتج اليوم من موارد وكفاءات علمية ليس نتيجة سياسات عمومية وجهد جماعي، بل هو جهد فردي يحظى بدعم الأسر بالأساس.
فنحن لسنا أمام سياسات عمومية تهدف إلى إنتاج عدد محدود من الكفاءات العلمية، تسلك من أجل ذلك مسارًا من الفرز والانتقاء والاختبار بهدف تشكيل قاعدة صغيرة من الكفاءات المتميزة في الرياضيات والعلوم، يقع الانتقاء منها لاحقًا لتكوين قاعدة أكثر انتقاءً من المهندسين والباحثين في مجالات علمية وتقنية والرياضيات، بل نحن بعيدون كليًا عن هذا. فالخطاب الرسمي يسوق لفكرة الاندماج التكنولوجي والاقتصادي والانتقال الرقمي وغيرها من الخيارات الاقتصادية التي تستوجب أن يكون لنا قاعدة واسعة من خريجي الشعب العلمية والتقنية والرياضيات، أي أن السياسات العمومية تعلن أن البلاد تراهن على إنتاج قاعدة واسعة من المهندسين والباحثين والرياضيين، لكن ممارسة خياراتنا التربوية أفضت إلى ضيق في هذه القاعدة نفسها، مقابل توسع مطرد لقاعدة المتصرفين والمحاسبين والمختصين في الإدارة والتصرف.
مما يجعل من الصعب القول إن سياساتنا التعليمية في شعبة الرياضيات هي نتيجة خيار سياسي واعٍ يهدف إلى فرز وانتقاء المتميزين، فمثل هذه السياسات أولًا لا تفرز مثل هذا العدد الصغير جدًا، ولا تقوم على انتقاء وفرز في الأمتار الأخيرة، بل على سياسات ترافق الأطفال منذ بداية مسار التعليم، تتضمن برامج خاصة ومسابقات وطنية وسياسة اتصالية وغيرها من العناصر التي لا تقود إلى تمدد لشعبية الرياضيات أو تملك كل التلاميذ للمهارات المطلوبة، ولكنها تؤدي على الأقل إلى أن يكون 1 من كل 5 إلى 7 مترشحين للبكالوريا منتسبًا لشعبة الرياضيات.
وليس كما هو الحال عليه اليوم، حيث إن الفرز الظاهر في الحقيقة ليس فرز مهارات التلاميذ وقدراتهم بقدر ما هو فرز اجتماعي، إذ إن الخلفيات الأسرية والبيئة الاجتماعية هي المحدد الأول في عملية الفرز التي تتم عبر عملية التوجيه في التعليم الثانوي، وهو ما يتأكد بوضوح عند النظر إلى هوية المتفوقين القادمين من ولايات ومدن خارج المراكز التقليدية الكبرى.
متفوقون تلقوا تعليمهم في مؤسسات عمومية في جهات تعاني من ضعف الاستثمار ومن محدودية البنية التحتية التعليمية، قادرة على إنتاج متفوقين، مما يكشف أن التفوق أصبح ثمرة مجهود فردي أسري أكثر منه نتيجة سياسة عمومية توفر الشروط نفسها للجميع. وهذا أحد أخطر أوجه الأزمة، فالمدرسة التونسية، وإن لا تزال قادرة على إنتاج المتفوقين، لكنها لم تعد قادرة على إنتاج شروط التفوق. فهي لا تملك سياسة واضحة لتوسيع قاعدة التميز والكفاءات.
خطر يستوجب أن يتجه النقاش إلى كيفية إصلاح المنظومة التعليمية التونسية دون أن تخدعنا الأرقام الإيجابية.