خاص// الباروميتر السياسي – لشهر سبتمبر 2016: نوايا التصويت في البلدية والتشريعية والرئاسية

النداء والنهضة في الطليعة رغم تراجعهما الكبير
الثلاثي المستفيد : الجبهة الشعبية وحزب مهدي جمعة وحراك تونس الارادة
النهضة الحزب الأبعد عن قلوب التونسيين
رئاسية مفتوحة على كل الاحتمالات


قراءة وتحليل زياد كريشان

منذ انطلاقة الباروميتر السياسي الشهري في جانفي 2015 أي مباشرة بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية لخريف 2014 هذه هي المرة الأولى التي تسبر فيها آراء التونسيين حول نوايا تصويتهم في المحطات الانتخابية القادمة ونقصد بها بالخصوص البلدية والتشريعية والرئاسية.

والواضح أننا نسبر هنا نوايا عامة للتصويت قبل حوالي سنة كاملة من أول موعد انتخابي قادم (البلديات) أي أن هذه النوايا ستعرف تعديلات هامة عند اقتراب موعد اللقاء مع صندوق الاقتراع وعند تبيّن العرض السياسي لكل حزب والمرشحين الحاملين له كذلك...

أهمية سبر الآراء هذا تكمن في رصدها للحظة المناخ السياسي الآني عند المواطن الناخب وخاصة في مقارنتها بما سبقها وفي التحولات خلال ما يقارب السنتين بين الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2014 واتجاهات الرأي العام في أواخر أوت 2016...

وسوف يلاحظ القارئ الاختلاف النسبي لنوايا التصويت للأحزاب حسب المناسبة الانتخابية فالذي ينوي التصويت لحزب ما في البلدية لا ينوي ضرورة التصويت له في التشريعية والعكس بالعكس رغم أن نوايا التصويت هذه يعبر عنها في نفس الوقت بالنسبة للعينة المستجوبة وقد يعود هذا لتقييمات مختلفة للسياق المحلي مقارنة بالسياقات الوطنية الأعم..

والملاحظة الأخيرة التي نسوقها قبل تفصيل النظر في نتائج سبر الآراء هو بقاء نفس موازين القوى المتوارثة من انتخابات 2014 مع نزول قوي للحزبين الأولين (14 - بالنسبة للنداء و8 - بالنسبة للنهضة) وصعود مرموق للجبهة الشعبية (7 +) وبروز قوتين سياسيتين جديدتين: حراك تونس الإرادة (حزب المنصف المرزوقي) في المرتبة الرابعة وحزب مهدي جمعة في المرتبة الخامسة...

الانتخابات البلدية
لا شك أن هنالك خصوصية محلية قوية للانتخابات البلدية وفق العرض السياسي المقترح في كل دائرة انتخابية وسبر الآراء هذا لا يمكنه أن يأخذ هذا المعطى بعين الاعتبار..

الملاحظة هي أن حوالي 28 % من المستجوبين لا ينوون التصويت أو لا يعرفون لمن سيصوتون أو يرفضون الإجابة ونحن كالعادة لا نأخذ نسب التصويت على احتساب مجموع الناخبين بل باعتبار نوايا المصرح بها فقط.

النداء والنهضة يحافظان على الطليعة ولكن النداء يخسر مقارنة بتشريعية 2014، 12 نقطة (26 % مقابل 38 %) فيما تخسر حركة النهضة 7 نقاط (19,9 % مقابل 27 %) ولكن هذان الحزبان يبقيان إلى حد الآن في صدارة المشهد الانتخابي مع صعود ثلاثي يبتعد عن حركة النهضة بعشر نقاط فقط ونقصد به: الجبهة الشعبية التي ربحت حوالي ست نقاط (9,5 % بدل 3,7 %) فحزب المهدي جمعة (9,5 %) فحراك تونس الإرادة (9,0 %) بعد هذا الثالوث نجد آفاق (4,9 %) ثم الوطني الحر (3,0 %) حيث تقدم الأول وتأخر الثاني ثم جملة من الأحزاب تتراوح بين 1,2 % و2,9 % نجد فيها تيار المحبة وحركة مشروع تونس والتيار الديمقراطي وحزب المؤتمر (بأية قيادة؟) والتكتل والجمهوري والمسار...

والملاحظة الأساسية في هذا الترتيب بالإضافة إلى التقهقر الهام للحزبين الأولين هي البروز الواضح لحزب لم ير بعد النور وهو حزب المهدي جمعة أي أن رئيس الحكومة الأسبق موجود بالقوة لا فقط كشخصية تنافس على منصب رئاسة الجمهورية بل وكذلك كمشروع حزب له وجود في الأذهان قبل أن يولد في الأعيان...

أما نتيجة حراك تونس الإرادة فهي متوقعة إلى حد ما بالنظر إلى النتيجة التي حققها رئيس الجمهورية السابق المنصف المرزوقي في الدور الثاني للرئاسية (44 %)..

أما الجبهة الشعبية فهي تبرز كالحزب المستفيد من صعوبات الحزبين الكبيرين النداء والنهضة... وطموح الجبهة هو في حصولها على المرتبة الثالثة وفي تجاوز عتبة 10 % في نفس الوقت... وبالنظر إلى النتائج الحالية فإن هذا الطموح أضحى قريب المنال اليوم..

النداء يخسر ثلثي ناخبيه.. ويربح ثلثا جديدا..

من المعطيات الهامة في سبر الآراء هذا هو خسارة نداء تونس لثلثي ناخبيه (64 %) منهم 22 % لا ينوون التصويت لأحد و38 % سيصوتون لأحزاب أخرى...

ولكن في المقابل ربح النداء ثلثا جديدا لم يصوت له في أكتوبر 2014 وفي المحصلة يكون الحزب الأول قد خسر حوالي ثلث قاعدته الانتخابية مع محافظته على المرتبة الأولى.

في المقابل حافظت النهضة على حوالي ثلثي ناخبيها (62 %) فيما خسرت 38 % منهم جلهم سيصوت لأحزاب أخرى (26 %) بينما لا ينوي 9 % منهم التصويت لأحد... وقد يستفيد حراك تونس الإرادة من هذا الغضب للقاعدة الانتخابية النهضوية...

ولكن على عكس نداء تونس لم تتمكن النهضة إلا من جلب 10 % من ناخبين جدد فيما يعني بأن القاعدة الانتخابية الصلبة للحركة الإسلامية قد تكون في حدود 15 %.. وهذه القاعدة وإن تخول لها المحافظة على المرتبة الثانية إلا أنها لو بقيت لوحدها فستضعف القدرة التفاوضية لحركة النهضة خاصة وأنها أضحت ملاحقة من قبل ثلاثي حزبي قد يحلم كله بالتفوق عليها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

عندما ننظر إلى التوزيع الجندري والجهوي والاجتماعي والعمري لنوايا التصويت نلاحظ أن نداء تونس يحقق نسبا متقاربة جندريا وكذلك عمريا مع تخلف طفيف لشباب الكهول (31 - 40 سنة) نفس الملاحظة على التوزيع الجهوي فالفرق بين أرفع نسبة (الوسط الشرقي: سوسة والمنستير والمهدية) مع أدنى نسبة (الجنوب الغربي: قفصة وتوزر وقبلي) هو دون العشر نقاط على عكس ما كان حال الحزب في انتخابات 2014.

كما أن النداء ليس هو حزب الطبقة المرفهة (النهضة تتغلب عليه في هذه الفئة) بل نجده يحقق أرفع نتائجه في الطبقة الوسطى السفلى وفي الطبقة الشعبية...

على عكس النداء تبقى القاعدة الانتخابية للنهضة رجالية في أغلبها وهي ضعيفة نسبيا في أوساط الشباب (18 - 30 سنة) وتحقق أرفع أرقامها عند الكهول النشيطين (41 - 59 سنة) والنهضة قوية في ثلاث جهات الشمال الغربي بحكم التراجع الكبير لنداء تونس وتحافظ على مواقعها التقليدية في كل ولايات الجنوب شرقيها وغربيها ولكنها ضعيفة جدا في الوسط الشرقي (سوسة والمنستير والمهدية) ونتائجها متواضعة في تونس الكبرى (تونس الأولى والثانية وبن عروس وأريانة ومنوبة) والنهضة تحقق أفضل نتائجها في الطبقة المرفهة والطبقة الشعبية كذلك أما أدنى نتائجها فهي في الطبقة الوسطى بشريحتيها العليا والسفلى...

الطريف إلى حد ما هو أن أفضل نتائج الجبهة الشعبية نجدها عند الشيوخ (فوق ستين سنة) وأضعفها في صغار الكهول (31 - 40 سنة) بينما يحقق في نفس هذه الشريحة حزب مهدي جمعة أفضل نتائجه في حين أن التصويت الأساسي لحراك تونس الإرادة هو تصويت شبابي...

والنساء هن الأغلبية النسبية عند الجبهة وحزب جمعة ولكن الأمر مختلف تماما عند الحراك.

الجبهة قوية إلى حد ما في كل الولايات الغربية من الشمال إلى الوسط إلى الجنوب وهي قليلة التواجد نسبيا بصفاقس وولايات الساحل أما حزب مهدي جمعة فنقطة قوته الأساسية هي جهة الساحل (سوسة والمنستير والمهدية) ونقطة ضعفه الكبرى تبقى في الجنوب الشرقي (قابس ومدنين وتطاوين) حيث لا يكاد يسجل شيئا.

أما الحراك فوجوده لافت بكل ولايات الجنوب ولا يكاد يذكر في الشمال الغربي والوسط الشرقي...

ورغم التموقع اليساري الواضح للجبهة الشعبية إلا أن أفضل نتائجها تتحقق في الطبقة الوسطى العليا وفي الطبقة المرفهة على عكس حزب جمعة الموجود بصفة لافتة في الطبقة الوسطى السفلى وفي الطبقة الشعبية والحراك رغم شعبوية خطابه يضرب بقوة في الطبقة المرفهة وهو ضعيف إلى حد ما في الطبقات الوسطى.

وهذه النتائج تؤكد بصفة واضحة بأن التمايز في تونس ليس فقط اقتصاديا اجتماعيا بل وكذلك ثقافيا إيديولوجيا وأن هذين المستويين من التمايز لا يتوازيان دوما بل يتضاربان في أحيان كثيرة..
النهضة هي الحزب الأبعد عن قلوب التونسيين

عندما نسأل التونسيين: «ما هو الحزب أو القائمة التي لا تتصور نفسك تصوت لها بالمرة في الانتخابات البلدية؟» نجد أن حركة النهضة تأتي في الطليعة بحوالي 40 % من نسبة الأصوات المصرح بها يليها نداء تونس بـحوالي الربع (25,6 %) فالجبهة الشعبية بـــ 13,7 %.

وأهمية هذا السؤال تكمن في التعرف على «القاعدة الصلبة المعادية» لكل حزب في البلاد أي الحدود القصوى لإمكان التمدد الانتخابي ونرى هنا مرة أخرى أن النهضة تبقى الحزب الأبعد عن قلوب التونسيين رغم كل محاولات الانفتاح التي عمدت إليها قيادتها الحالية منذ صائفة 2013 ولكن تبقى النهضة حركة استقطابية في الاتجاهين (المع والضد) ونسبة 40 % تبين أن جزءا هاما من التونسيين يرفضون الإسلام السياسي مهما كانت مسمياته.

والطريف أن نسبة الصد هذه أقوى عند حليف النهضة إذ يعتبر أكثر من نصف ناخبي النداء (52 %) أن النهضة هي الأبعد عن قلوبهم.. أما القاعدة النهضوية فهي توزع صدها بالتوازي بين النداء (34 %) والجبهة الشعبية (28 %).

الصدّ الأكبر ضد النهضة نجده عند النساء والشباب (18 - 30 سنة) والشيوخ (فوق 60 سنة وفي الوسط الشرقي والغربي كذلك (القيروان وسيدي بوزيد والقصرين) وفي الطبقة المرفهة بينما تتكون قوة الصد ضد النداء خاصة عند الرجال وصغار الكهول (31-40 سنة) وكل ولايات الجنوب وفي جل الفئات الاجتماعية باستثناء الطبقة المرفهة.

في الانتخابات التشريعية
نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية تتقارب كثيرا مع ما شاهدناه في الانتخابات البلدية ولكن الفرق الأساسي هو في نسبة الممسكين عن التصويت (لن أصوت – لا أعرف – يرفض الإجابة) التي تنزل من 27,9 % في البلدية إلى 16,7 % في التشريعية.. وهذا الفارق بأكثر من عشر نقاط يدل على أن الانتخابات البلدية لا تمثل، اليوم، نفس الرهان الذي قد تمثله التشريعية.. ونتيجة لذلك نجد تراجعا طفيفا لبعض الأحزاب فيما يخص الأصوات المصرح بها (النداء من 26 % إلى 23,9 % والنهضة من 19,9 % إلى 18,8 %) مقابل صعود ملحوظ للجبهة الشعبية من 9,5 % إلى 10,9 %.

فنحن نجد إذن نفس ثنائي الطليعة وبنفس الترتيب وكذلك نفس ثالوث الملاحقة ولكن بتأخر حزب جمعة إلى المرتبة الخامسة مقابل صعود الحراك إلى المرتبة الرابعة...

بعد هذا الثالوث نجد أربعة أحزاب تجاوزت عتبة 3 % وهي الاتحاد الوطني الحر (4,3 %) وحركة مشروع تونس (3,9 %) والتيار الديمقراطي (3,7 %) وآفاق (3,1 %).

ولو بقيت نفس هذه النسب يوم الاقتراع في التشريعية فالواضح أن الغالبية الساحقة من النواب ستكون من هذه الأحزاب التي ذكرنا وأن الحزب الأول (نداء تونس) قد ينزل في المجلس النيابي القادم تحت عتبة 60 نائبا مما قد يعسر من مهمة البحث عن تحالف حاكم مستقر قادر على حكم البلاد...

ويبقى التوزيع السوسيولوجي لنوايا التصويت في التشريعية متقاربا مع ما رأيناه في البلدية وكذلك الحال مع الأحزاب الأبعد عن قلوب التونسيين إذ تبقى النهضة في الطليعة بحوالي 40 % من نوايا التصويت...

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115