هل ينبغي أن نخشى نهاية التوافق بين «الشيخين» ؟

تعليقات عديدة اهتمت بتعليق التوافق (الوقتي أو النهائي لا ندري) بين «الشيخين»

الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي بين مبارك لها (الأوساط الندائية خاصة) ومتخوف منها (الأوساط النهضوية ) ومعتبرا إياها مسرحية سيئة الإخراج (بعض أوساط المعارضة ).
ولكن ما يهمنا نحن عموم التونسيين هل يعني نهاية هذا التوافق المحتمل استفحال أزمة البلاد والمؤسسات أم أننا أمام تحالف سياسي لا تأثير يذكر لبقائه أو انعدامه على حياة البلاد والعباد؟..

السياسة لا تصنع بالفرضيات ولا يمكن لأحد أن يجيبنا اليوم عن السؤال التالي : ماذا لو لم يتوافق النداء والنهضة لحكم البلاد منذ 2015 ؟
وهل يكون وضعنا أسوا أو احسن ممّا هو عليه الآن ؟ ولو لم يتحالف النداء مع النهضة هل كان سيعرف كل هذه الأزمات والانفجارات ؟يمكن أن نقدم بعض التخمينات ليس إلا ..

ولكن عدم قيام التحالف بين هذين الحزبين لا يعني «حربا» أهلية باردة أو استحالة تسيير مؤسسات الدولة ، فغياب التحالف لا يعني انعدام كل إمكانيات التعايش و«التوافق» حول جل القوانين التي مرت على مجلس نواب الشعب .
المسالة الواضحة الوحيدة هي أن قانونا كقانون المصالحة لم يكن بإمكانه المرور دون هذا «التوافق» وان تلوينة المشهد السياسي ستكون مختلفة بتزعم النهضة المعارضة فقد يدفع هذا الائتلاف الضيق للنداء مع الوطني الحر وآفاق إلى جدية أكبر ..
مسألة وحيدة واضحة في كل هذا : سواء شاركت النهضة في الحكم أو كانت في المعارضة فهي لا مصلحة لها للتصادم مع النداء ولكنّا أمام «وفاق» فعلي حتى لو غاب «الوفاق» الرسمي ..

المهم على كل حال أن تصرف أهم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين سيكون مختلفا لو كانت النهضة في نوع من المعارضة «البناءة» ولا شيء يفيد ،يقينا، بأن وضع البلاد العام سيكون أسوأ أو احسن مما هو عليه الآن ..ولكن هل كانت المنظومة الدستورية والقانونية التي وضعناها لأنفسنا تسمح بنداء في الحكم ونهضة في المعارضة ؟ لا نعتقد ..
فالتحالف «الطبيعي» بين النداء وآفاق والوطني الحر كان سيفرز أغلبية قصيرة جدا بـ 110 نواب فقط وقد يلتحق بهم بعض الأحزاب ضعيفة التمثيلية أو المستقلين ولكن أغلبية الحكم لن تتجاوز في كل حال 120 نائبا وهذا عدد غير كاف لا فقط لانتخاب أعضاء الهيئات الدستورية بل وأيضا لتمرير القوانين الأساسية التي تفترض أغلبية النواب( 109 نواب ) أو حتى العديد من القوانين العادية (أغلبية الحضور فقط على ألا تقل عن 73 نائبا ) نظرا لآفة الغياب التي يشهدها مجلس نواب الشعب ..

لقد وضعنا نظاما انتخابيا يمنع الحزب الأول من أغلبية واضحة للحكم والمفارقة أن العديدين من المنددين بالتوافق النهضوي الندائي لا يريدون تغيير النظام الانتخابي وذلك لأنه يعطي أفضلية ،لعلها الوحيدة في العالم ، للأحزاب الصغرى ويسمح لها بأن يكون وزنها البرلماني أقوى وأهم من وزنها الانتخابي فالاتحاد الوطني الحر يزن برلمانيا في بداية هذه العهدة بنوابه الستة عشر %7.4 من مجموع نواب المجلس ولكنه لم يحصل الا على %4.02 من الأصوات بينما نداء تونس الذي مثل برلمانيا %39.6 بنوابه الستة والثمانين قد حصل على %37.6 من الأصوات. وقد استفادت النهضة من هذا النظام أكثر من استفادة النداء إذ رغم حصولها على %27.8 من أصوات الناخبين فقد مثلت %31.8 من مجموع النواب ، أي بوعي أو دون وعي لقد وضعنا نظاما انتخابيا لا يسمح بأغلبية واضحة إلا للحزب الذي يحرز على نصف أصوات الناخبين وهذه فرضية شبه مستحيلة في تونس ما بعد الثورة ..

يعني ببساطة انه لو أردنا تجاوز «التوافق» كان علينا أن نعدل بصفة هامة في نظامنا الانتخابي حتى يتمكن غدا في 2019 أو 2024 الحزب الفائز بوضوح من حكم البلاد دون حاجة إلى تحالفات قد تبدو منافية لطبيعة الأشياء ..
ولكن هذا يفترض من الجميع قبول احتمال أغلبية نهضوية في الانتخابات القادمة أو التي تليها ..

فمن لا يريد للبلاد أن تحكم بالتوافق بين «الشيخين» وحزبيهما أو بين «شيخ وشاب» عليه أن يعمد إلى تغيير هام في موازين القوى الانتخابية على ارض الواقع لا أن يخلد لنوع من «الكسل» الانتخابي ويقنع بفتات من الاصوات متكئا على قانون سخي قادر، لوحده، على تحويل هذا الفتات إلى كتلة .. فللتمثيل الشعبي شروط وأولها استحقاقه عن جدارة لا بفعل «اكبر البقايا» ..

لاشك أن هنالك من يراهن داخل النهضة وداخل الأحزاب الوسطية ، على «توافق» دائم بين «الإسلاميين» و«العلمانيين» اعتقادا بأنه الشرط الضروري للسلم الأهلية ولإمكانية إصلاح البلاد ، ولكن الواضح أن هذا «التوافق» لم يسمح بالإقدام على الإصلاحات الضرورية كما أن غيابه لا يعني احترابا أهليا او نفيا لما يمكن ان يكون المشترك الوطني بين كل مكونات المشهد السياسي ولكن الاخفاق السياسي الأساسي في «التوافق» بين الشيخين والحزبين يكمن في تصورهما الغنائمي والزبوني للسلطة أي أن الحكم عندهما وعند غيرهما كذلك هو وضع الموالين في أهم مفاصل الدولة لا وضع السياسات الضرورية لتنمية البلاد ثم تكليف الأكفاء من سياسيين وتكنوقراط للانجاز والمتابعة
هذه هي البلية الكبرى في تونس : النظرة «الكعكوية» للحكم وقيام تحالفات سواء كان ذلك زمن الترويكا او زمن هذه الأغلبية على تقاسم المناصب لا على برنامج مشترك وعلى فريق حكومي كفء ، ومتضامن ولا ولاء له إلا للدولة لا لقياداته الحزبية ..
بالإمكان أن تفتح نهاية «التوافق» صفحة جديدة ولكن العبرة ليست بحسابات الربح والخسارة السياسيين بل باستخلاص العبر ، كل العبر ، من أخطاء تجربة الحكم هذه .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115