الجزء الأكبر من تمويل ميزانيتها لسنة 2027، إذ ينتظر أن تبلغ المداخيل المتأتية من الضرائب 49.6 مليار دينار بما يمثل 91.4% من إجمالي مداخيل الميزانية. ويعكس هذا المستوى من الاعتماد على الجباية أهمية النشاط الاقتصادي في توفير موارد الخزينة لكنه يطرح في المقابل مسألة التوازن بين حاجيات الدولة إلى التمويل وقدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالموارد الضرورية لتطوير نشاطها وتوسيع استثماراتها.
تأتي هذه التوجهات في سياق تتزايد فيه الضغوط على المالية العمومية مع بلوغ نفقات الدولة المبرمجة نحو 68.9 مليار دينار، مقابل موارد لا تتجاوز 54.3 مليار دينار، وهو ما يبرز استمرار الحاجة إلى تعبئة موارد إضافية لتغطية النفقات والالتزامات المالية. وتظل الجباية في هذا الإطار المورد الأساسي للدولة غير أن أهمية هذه الموارد لا تنفصل عن طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تتولد عنها.
وتكشف تركيبة المداخيل الجبائية عن اعتماد مهم على الأداءات غير المباشرة التي تمثل 58% من مجموع الموارد الجبائية مقابل 42% للأداءات المباشرة. ويبرز هذا التوزيع تعدد الأطراف التي تتحمل العبء الجبائي بين المؤسسات والأجراء والمستهلكين.
فالمؤسسات الاقتصادية لا تمثل فقط مصدرا للموارد الجبائية بل تشكل أيضا قاعدة الإنتاج وخلق الثروة ومواطن الشغل. وهي مطالبة بتوفير التمويلات اللازمة للاستثمار وتطوير وسائل الإنتاج وتحسين جودة منتجاتها وتوسيع أسواقها إلى جانب تحمل تكاليف الأجور والطاقة والمواد الأولية والتمويل.
وتطرح هذه التحديات مسألة الموارد المتاحة للمؤسسات بعد الوفاء بالتزاماتها المختلفة ومدى قدرتها على توجيه جزء منها إلى الاستثمار والتوسع. فكلما ضاقت هوامش التمويل الذاتي ازدادت حاجة المؤسسات إلى الاقتراض بما يضيف أعباء مالية جديدة قد تؤثر في قراراتها الاستثمارية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تواجه صعوبات في النفاذ إلى التمويل.
الاشكالية اليوم المطروحة امام الحكومة هي كيفية بناء منظومة جبائية تضمن موارد الدولة دون إضعاف قدرة المؤسسات على النمو. فارتفاع المداخيل الجبائية لا يمثل في حد ذاته مؤشرا كافيا على تحسن الوضع الاقتصادي ما لم يترافق مع توسع النشاط المنتج وارتفاع الاستثمار وتطور الإنتاجية. كما أن توسيع قاعدة المؤسسات الناشطة وتحسين مردوديتها يتيحان للدولة موارد إضافية على المدى الطويل.
وتبرز هذه المعادلة أيضا في علاقة الاستثمار الخاص بالاستثمار العمومي. فمحدودية الموارد المتاحة للدولة تجعل من الصعب التعويل على الإنفاق العمومي وحده لدفع النمو وهو ما يرفع أهمية المبادرة الخاصة في تطوير الطاقات الإنتاجية وخلق فرص العمل. غير أن توسع هذا الدور يظل مرتبطا بتوفير مناخ استثماري واضح ومستقر وبنية أساسية ملائمة وإجراءات إدارية وجبائية لا تعطل النشاط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق لا يكمن التحدي في زيادة الموارد الجبائية بمعزل عن بقية مكونات الاقتصاد بل في توسيع قاعدة الاستخلاص عبر إدماج الأنشطة غير المنظمة ومقاومة التهرب وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين المطالبين بالأداء. فتحميل المؤسسات المنظمة أعباء إضافية دون معالجة الاختلالات القائمة لا يضمن بالضرورة توسيع الموارد، بقدر ما قد يزيد من صعوبة نشاطها ومنافستها.
وبين متطلبات تمويل ميزانية الدولة وحاجيات المؤسسات إلى الاستثمار والإنتاج تظل المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة السياسة الجبائية على تحقيق التوازن بين تعبئة الموارد والحفاظ على شروط تكوين الثروة. فالدولة تحتاج إلى مؤسسات منتجة وقادرة على التوسع لتأمين مواردها بصورة مستدامة مثلما تحتاج المؤسسات إلى دولة توفر البنية الأساسية والخدمات والظروف التي تسمح لها بالنمو. ومن هنا تصبح تنمية النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الإنتاجية جزءا من معادلة تمويل المالية العمومية لا مسألة منفصلة عنها.