مطار تونس قرطاج، بدت الرحلة انتقالا جغرافيا اعتياديا لتلبية مهمة تربوية شيّقة ورهانا بيداغوجيا، أما جوهرها فهو تجربة وجودية خضتُ غمارها بكل حرص وثقة. كان يرافقني تلميذي البطل عمر الفادع، الفتى الاستثنائي الذي خاض معركته الحياتية ضد طيف التوحد، متخذا من القراءة سبيلا إلى الفاعلية وتجاوز العزلة. لم تكن مشاركتنا منافسة جهوية أو وطنية، بل كانت رهانا على قدرة الفعل القرائي وإعادة تشكيل الذات، واستعادة الثقة، والتموقع داخل الفضاء التواصلي العام. وقد ساندني في هذه الرحلة السيد حامد البعيلي، مدير معهد كركر، الذي أحاطني بجديته، وبثقته وتعاونه وإيمانه بنجاحنا. كنت أحمل قلق المربية الباحثة، ورؤية المثقفة المؤمنة بأن أبناء تونس طاقات كامنة تستحق أن تعانق الأفق البعيد، وأن المدرسة الوطنية قادرة، رغم التحديات، على إنجاب المبدعين.
بدأت الحكاية من المهدية، مدينتي الهادئة التي تتعانق فيها زرقة البحر وعراقة الأسوار، ومنها انطلقت الاستعدادات لخوض غمار تحدي القراءة العربي. وقد برزت المندوبية الجهوية للتربية بالمهدية في أداء أكثر من واجبها، موفّرة سندا لوجستيّا وإداريا عكس وعيا بأهمية المبادرة وضرورة تذليل الصعاب. غير أن هذا الدعم تجاوز المراسلات والإجراءات الرسمية إلى رعاية إنسانية دافئة قادتها السيدة منية الإمام، التي لم تكتف بتدبير الشأن الإداري من خلف المكاتب، بل رافقتنا خطوة بخطوة، تسهر على راحتنا وتتابع تفاصيل الرحلة بدقة وحنان أمومي رؤوم، على رأي غاستون باشلار. وظلت إلى جانبنا حتى أقصى نقطة يُسمح لها ببلوغها في مطار تونس قرطاج الدولي، ثم ودعتنا بابتسامة تفيض فخرا. وما زلت أذكر قلقها علينا حين رأت مخاوفي من مسار السفر واضطراب الأوضاع في الإقليم، فقلت لها متوجسة: "لكنها رحلة صعبة، وسنمرّ عليهم جميعا، تصوّري، حتى مضيق هرمز"، فأجابتني مطمئنة:"قلبي يقول لباس، تو تمشيو وتجيو لباس". كانت كلماتها البسيطة دفقة إنسانية خففت وطأة القلق ومنحتني الطمأنينة.
وبالتحاقنا بالوفد التونسي، تجلّى بُعد آخر من أبعاد النجاح التربوي في القيادة الرشيدة للسيدتين ريم المعروفي ونادية العياري، من الإطارات السامية بوزارة التربية والتعليم. فقد جسّدتا معنى "أنسنة الإدارة"، حين جمعتا بين الانضباط الإداري والقرب الإنساني، وحوّلتا أعباء المتابعة والمراقبة والتنظيم اللوجستي إلى رفقة طيبة وألفة صادقة. أدركتا أن وراء كل تلميذ طاقة ومشاعر وانشغالات تستوجب الاحتواء، فكان اللطف والحزم وحسن الخطاب والسؤال المستمر عن الأحوال عوامل أسهمت في طمأنة المشاركين وتوجيه طاقاتهم نحو الهدف المعرفي الأسمى.
ومنذ وصولنا إلى مطار دبي، استقبلتنا المدينة بتنظيم باذخ وترحيب عفوي وحفاوة استثنائية، وأقامت لنا في النزل ظروفا راقية تليق بسدنة الفكر وفرسان القراءة. غير أن دبي استوقفتني أيضا بوصفـي ناقدة وباحثة، فلم يكن مبعث الدهشة ارتفاع الأبراج وبهاء الطرقات فحسب، بل الرؤية المعرفية الكامنة وراء هذا التحول التاريخي. لقد استطاع الإنسان أن يستنطق المكان الصحراوي، وينقله من فضاء يلفحه الهجير إلى واحة كونية تشع علما وثقافة. فالأرض قد تصنع صورتها بذاتها، لكن من يشكّلها؟ خيال الإنسان وإرادته. ولا تكتسب المنشآت شرعيتها الحضارية الكاملة إلا حين يقترن بناؤها ببناء الإنسان. وقد تجلّى ذلك في جعل الكتاب محورا للاحتفاء وجسرا تلتقي فوقه عقول الناشئة من مختلف أنحاء العالم.
وفي قلب هذا العرس الدولي، لمع اسم تونس بتتويج المدرسة الابتدائية سيدي عامر بسليانة الجنوبية بجائزة المدرسة المتميزة على الصعيد العربي، بقيادة مديرها المتفاني الأستاذ رمزي البوراوي. ولم يكن هذا التتويج، الذي تحقق بعد منافسة شرسة مع مؤسسات تربوية كبرى، مجرد إنجاز مدرسي، بل حمل دلالة إبستمولوجية وسوسيولوجية عميقة، إذ بدّد أوهام المركزية والتفاضل الجغرافي، وأثبت أن المدارس الريفية البعيدة عن الأضواء قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة الأبطال. فشحّ الإمكانات المادية لا يهزم الإرادة حين تتوافر عقيدة تربوية راسخة تؤمن بالتلميذ وتمنحه الثقة ومفاتيح البحث. وهكذا غدت سيدي عامر نموذجا للتميز ودرسا في فلسفة التعليم التي تجعل جوهر العقل غايتها.
ولم يكن المشهد أقل إدهاشا على المستوى العالمي، فقد وقفت مذهولة أمام متسابقين قدموا من أقاصي الهند، يتحدثون لغة الضاد بفصاحة رصينة ومخارج حروف تستحضر مضارب العرب القدامى، إلى جانب مشاركين جاؤوا من ثلوج روسيا وأصقاع كندا. كما عشنا لحظات مؤثرة مع سجدة ابنة مصر الأبية وهي تركع تقبل الأرض ميار الشوربجي البطلة الأولى، وروان الشعبوني بطلة تونس من أصحاب الهمم، ومع ريان السعودي وفوزه المستحق، وابنة فلسطين التي شكّلت مفاجأة الحفل وغيرها. لقد كان المشهد شهادة حية على عالمية العربية وقدرتها على احتضان الآخر، مهما تنوعت أعراقه وقومياته، وعلى تجاوز الحدود الجغرافية لتأسيس موطن روحي جامع.
وفي خضم هذا التناغم الكوني والتنافس الأخلاقي الرفيع، استحضرتُ الكتاب بوصفه غيمة تظلّل الوجود، غيمة معرفية رطبة تكسر قيظ العالم وقسوته، وتعدّل مناخات النفس المضطربة. فالقراءة ليست ترفا وظيفيا ولا ممارسة ميكانيكية محصورة في واجبات الفصول ومواقيت الامتحانات، بل هي هندسة للسكينة، ومساحة حرة لإنتاج السؤال والبحث عن الحقيقة. وقد يقع كتاب واحد بين يدي تلميذ فيعيد تشكيل وعيه، ويغيّر نظرته إلى ذاته ومجتمعه، ويفتح أمامه أفقا يتجاوز حدود بيئته المباشرة.
أعود اليوم إلى محراب التعليم أكثر يقينا بعظمة الرسالة، مؤمنة بأن وراء كل تلميذ إمكانية تستحق الرعاية، وأن الحرف قادر على فتح الأبواب التي تعجز الظروف عن فتحها. أعود كي أغرس في الأفق نجوما تضيء عتمة العالم، وترفع اسم تونس الخضراء عاليا في مدارات المجد والخلود.
بقلم: سوسن الطيب العجمي