إلى الطاقات المتجددة، إذ نجحت خلال العقدين الأخيرين في تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري وتحويل منظومتها الطاقية إلى نموذج يقوم على مصادر الطاقة النظيفة. وقد جاء هذا التحول استجابة لثلاثة تحديات رئيسية: ارتفاع فاتورة واردات الطاقة، والالتزام بمكافحة التغير المناخي، وتعزيز الأمن الطاقي. وبفضل رؤية استراتيجية طويلة المدى، واستثمارات مكثفة في البنية التحتية، وإصلاحات تنظيمية شاملة، أصبحت البرتغال اليوم من الدول الرائدة أوروبياً في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة.
في مطلع الألفية، كانت البرتغال تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز لتلبية احتياجاتها من الطاقة، وهو ما جعل اقتصادها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. لذلك تبنت الحكومة استراتيجية وطنية للتحول الطاقي تقوم على تنويع مصادر الإنتاج، وتشجيع الاستثمار الخاص، وتطوير شبكات الكهرباء، وتحفيز الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة. وقد دعمت هذه الاستراتيجية أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بخفض الانبعاثات وتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.
واعتمدت البرتغال على استغلال مواردها الطبيعية، وخاصة الرياح والمياه والطاقة الشمسية. فقد شهدت البلاد توسعاً كبيراً في إنشاء مزارع الرياح، التي أصبحت تمثل أحد أهم مصادر إنتاج الكهرباء، إلى جانب محطات الطاقة الكهرومائية. كما استثمرت خلال السنوات الأخيرة في مشاريع الطاقة الشمسية واسعة النطاق، مستفيدة من معدلات الإشعاع الشمسي المرتفعة في جنوب البلاد. وأسهم هذا التنوع في مصادر الطاقة المتجددة في تعزيز مرونة النظام الكهربائي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.
وقد انعكست هذه السياسات في نتائج ملموسة. ففي عام 2024، أنتجت البرتغال نحو 87% من كهربائها من مصادر متجددة، شملت الطاقة الكهرومائية، والرياح، والطاقة الشمسية، والكتلة الحيوية، بينما تجاوزت مساهمة الطاقة الشمسية لأول مرة 10% من إجمالي إنتاج الكهرباء. وخلال بعض الفترات من السنة، تمكنت البلاد من تلبية كامل احتياجاتها من الكهرباء اعتماداً على المصادر المتجددة لعدة أيام متتالية، وهو إنجاز يعكس نضج البنية التحتية وكفاءة إدارة الشبكة الكهربائية.
ولم يقتصر النجاح على زيادة الإنتاج، بل شمل أيضاً تحديث سوق الكهرباء. فقد أجرت البرتغال إصلاحات تنظيمية عززت المنافسة، وسهلت دخول المستثمرين إلى قطاع الطاقة، واعتمدت آليات شفافة لمنح تراخيص المشاريع المتجددة. كما استثمرت في تطوير الشبكات الذكية وأنظمة التخزين الكهربائي، بما يسمح باستيعاب الإنتاج المتغير للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ويضمن استقرار الإمدادات الكهربائية.
ومن الجوانب المبتكرة في التجربة البرتغالية التوجه نحو إنتاج الهيدروجين الأخضر، باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد منخفض الكربون. فقد أطلقت الحكومة استراتيجية وطنية تهدف إلى جعل البرتغال مركزاً أوروبياً لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر، مستفيدة من وفرة الطاقة الشمسية والرياح، ومن موقعها الجغرافي المطل على المحيط الأطلسي. كما تعمل الدولة على تطوير موانئها وبنيتها اللوجستية لتصدير الوقود النظيف إلى الأسواق الأوروبية، بما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والصناعة.
وأسهم التحول الطاقي في تحقيق فوائد اقتصادية وبيئية متعددة. فقد انخفضت واردات الوقود الأحفوري، وتحسنت مستويات الأمن الطاقي، وارتفعت الاستثمارات في الصناعات الخضراء، كما ساعدت مشاريع الطاقة المتجددة على خلق آلاف فرص العمل في مجالات الهندسة، والبناء، والصيانة، والبحث العلمي. وفي المقابل، تراجعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مما عزز التزام البرتغال بأهداف اتفاق باريس للمناخ.
ورغم هذه النجاحات، لا تزال البرتغال تواجه تحديات تتعلق بتطوير قدرات تخزين الكهرباء، وتعزيز الربط الكهربائي مع بقية أوروبا، وتسريع إجراءات الترخيص للمشروعات الجديدة. كما يتطلب ارتفاع حصة الطاقات المتجددة استثمارات مستمرة في الشبكات الذكية، والبطاريات، وإدارة الطلب على الكهرباء، لضمان استقرار المنظومة الكهربائية في ظل التوسع السريع للإنتاج المتجدد.
وتؤكد التجربة البرتغالية أن الانتقال إلى الطاقات المتجددة لا يعتمد فقط على توفر الموارد الطبيعية، بل يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، واستقراراً تشريعياً، وشراكة فعالة بين الدولة والقطاع الخاص، واستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والابتكار. وقد أثبتت البرتغال أن دولة محدودة الموارد التقليدية يمكنها، بفضل السياسات العمومية الرشيدة، أن تتحول إلى نموذج أوروبي في الطاقة النظيفة، وأن تجعل من التحول الطاقي رافعة للنمو الاقتصادي، وتعزيز الأمن الطاقي، وتحقيق التنمية المستدامة.
بقلم: أنيس الوهابي