والأمني في أفريقيا، مستفيدة من تراجع النفوذ الغربي في عدد من دول القارة، ولا سيما في منطقة الساحل، وتصاعد الخلافات بين بعض الحكومات الأفريقية والقوى الغربية. وفي المقابل، تسعى العواصم الأفريقية إلى استثمار التنافس الدولي لتعزيز استقلالية قراراتها، وتنويع شركائها، والحصول على استثمارات ومساعدات عسكرية وغذائية تستجيب لأولوياتها الوطنية.
وفي هذا السياق، تكتسب القمة الروسية الأفريقية الثالثة - المنعقدة حاليا- في موسكو أهمية تتجاوز اللقاءات الدبلوماسية التقليدية، إذ تشكل محطة لاختبار قدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى اتفاقيات اقتصادية ومشروعات تنموية ملموسة، في ظل تنافس متزايد بين القوى الكبرى على الأسواق الأفريقية ومواردها ومواقعها الاستراتيجية.
وشهدت القمة مشاركة رؤساء ومسؤولين من أكثر من عشرين دولة أفريقية، وسط مساعٍ روسية لتعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والأمن الغذائي والتسليح. وتأتي هذه التحركات في وقت تعمل فيه موسكو على الحد من آثار عزلتها الغربية، وتوسيع شبكة علاقاتها الدولية خارج الفضاء الأوروبي والأمريكي.وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن التحول نحو عالم متعدد الأقطاب أصبح واقعاً يتسارع تشكله، فيما شدد مساعده يوري أوشاكوف على أن روسيا والدول الأفريقية حلفاء طبيعيون في بناء هذا النظام الدولي.
وقال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين إن موسكو تبذل جهودا كبيرة لمساعدة الدول الأفريقية على الحفاظ على استقرارها وأمنها الداخليين، فضلا عن تعزيز قدراتها الدفاعية.وأضاف بوتين "بصفتنا عضوا دائما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تسهم بلادنا بشكل كبير في تسوية النزاعات القائمة ومنع نشوب نزاعات جديدة في القارة الأفريقية"، بحسب ما ذكرته وكالة تاس الروسية للأنباء.وقال بوتين "نحن في ذلك نلتزم دائما بالمبدأ الأساسي الذي أعلنتموه أنتم أنفسكم: وهو أن المشكلات الأفريقية تتطلب حلولا أفريقية. وتبذل روسيا جهودا كبيرة لمساعدة الدول الأفريقية في الحفاظ على استقرارها وأمنها الداخليين، وتعزيز قدراتها الدفاعية".
وأضاف بوتين أن روسيا ترتبط باتفاقيات حكومية دولية في مجالي التعاون العسكري والتقني العسكري مع 45 دولة أفريقية.وأوضح بوتين أن "العسكريين وعناصر أجهزة إنفاذ القانون من الدول الأفريقية يتلقون التدريب في المؤسسات التعليمية الروسية".
وتعكس هذه التصريحات توجها روسيا لتقديم التعاون مع أفريقيا بوصفه جزءا من إعادة توزيع النفوذ العالمي، وليس مجرد علاقات تجارية أو اتفاقيات ثنائية. غير أن ترجمة هذا الخطاب إلى نتائج عملية ستظل مرتبطة بحجم الاستثمارات التي تستطيع موسكو ضخها، وقدرتها على توفير التمويل والتكنولوجيا، ومدى استجابتها للاحتياجات الاقتصادية والأمنية المتباينة لدول القارة.
الحضور الروسي في القارة
ويتخذ الحضور الروسي في أفريقيا أشكالا متعددة، تتراوح بين العلاقات العسكرية وصفقات السلاح والتعاون الأمني والاستثمارات في الموارد الطبيعية، وصولا إلى التنسيق الدبلوماسي في المحافل الدولية. وتختلف طبيعة هذا الحضور من منطقة إلى أخرى وفق المصالح الروسية والاحتياجات المحلية والظروف السياسية والأمنية.ف وسط كل التحديات التي تعانيها القارة السمراء من أزمات داخلية ومطامع خارجية، وفي وقت يعيش فيه العالم حروب زعامة سياسية وإقتصادية متسارعة وواقعا مُتغيرا مرتبطا بملفات إقليمية وأخرى دولية حارقة . يُجمع العالم اليوم على أنّ قارة إفريقيا ورغم تأثيرات الحروب الداخلية والتحديات الصعبة التي تواجهها، مازالت غنية بإمكانيات وثروات ضخمة تجعلها محطّ أنظار العالم وفي قلب حرب النفوذ الدائر بين مختلف الدول الرائدة.
وهذا العام تتزامن القمة الروسية الإفريقية الثالثة مع متغيّرات دراماتيكيّة يعيشها العالم على كافة الأصعدة سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، إذ تعاني الدول الإفريقية منذ عقود طويلة من تبعات حقبة استعمارية غربية استمرت سنوات طويلة ، ورغم استقلالها استمرت الدول الغربية في اتخاذ قارة إفريقيا كموطئ قدم لها تحت مسميات مختلفة سواء مكافحة الإرهاب أو بسط الأمن أو المشاركة في عمليّات عسكرية مشتركة لحفظ السلام وأيضا تحت مسمى مساعدة الديمقراطيّات الناشئة على مواكبة النكسات السياسية التي تمر بها أغلب دول إفريقيا. إذ تعاني دول إفريقيا من انقلابات وعدم استقرار سياسي وهو ما اتخذته الدول الغربية كذريعة لبسط نفوذها وتكريس وجودها في القارة السمراء الغنية بالثروات .
وفي هذا الوضع الدولي المتغير وبالرجوع إلى تأثيرات الحروب على اقتصاديات دول العالم ودول إفريقيا أيضا ، تجد القارة السمراء نفسها أيضا أمام أزمات أخرى ذات تأثير مدمر على الاقتصادات الإفريقية وهي تغير المناخ والصراعات التي لم تحل وأزمة الغذاء الحادة، فضلا عن التحديات التي تفرضها الأزمة الروسية الأوكرانية والحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على المنطقة والعالم.
تأثيرات وملفات
ويرى مراقبون أنّ المشهد الحالي في العالم والانقسام الغربي حول الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الإيرانية الأمريكية فرض على دول العالم البحث عن بدائل سواء في قطاع الطاقة أو الاقتصاد أو السياسة أيضا، ما جعل القارة السمراء محط أنظار القوى الكبرى نظرا لإمكانياتها الضخمة . ولطالما كانت قارة إفريقيا محلّ خلافات جادة بين الدول الغربية خاصة بين ايطاليا وفرنسا بسبب عدّة ملفات عالقة بين البلدين لعلّ أهمها أزمة الهجرة التي تؤرق القارة الأوروبية عامة وتؤثّر بشكل أكبر على كلّ من فرنسا وايطاليا . وأيضا الأدوار التي تلعبها كل من فرنسا وإيطاليا على ساحة الصراع في ليبيا سواء سياسيا أو اقتصاديا.
إذ أدى اندلاع الأزمة في ليبيا قبل سنوات وما تمخّض عنها من فوضى أمنية وسياسية إلى تفجّر أزمة هجرة غير مسبوقة انطلاقا من السواحل الليبية باتجاه القارة العجوز ، وعجزت أوروبا خلال السنوات المنقضية عن إرساء آلية أو إستراتيجية ناجعة ومشتركة لمواجهة ظاهرة الهجرة غير الشرعية بل على العكس فقد فاقمت هذه الظاهرة الخلافات بين الدول الأوروبية خاصة منها ايطاليا وفرنسا.
صراع النفوذ
وتتجه المنافسة الدولية في إفريقيا إلى مرحلة أكثر تعقيدا، مع إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها العسكرية، وتنامي الحضور الروسي والصيني، وتوسع التحركات الإسرائيلية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي عام 2026، لم يعد الصراع محصورا في القواعد العسكرية ومكافحة الإرهاب، بل امتد إلى الموانئ والممرات البحرية والموارد الإستراتيجية، في ظل تداعيات الحروب الإقليمية على أمن التجارة العالمية.
وتكشف مراجعة القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا عن توجه نحو تعزيز الشراكات الأمنية وتطوير قدرات القوات المحلية، بالتوازي مع التركيز على مواجهة التنظيمات المسلحة والحد من النفوذ الروسي والصيني. وفي شهادته أمام الكونغرس في ماي 2026، حذّر قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، من تصاعد التحديات الأمنية وتزايد المنافسة الاستراتيجية في القارة.
ولا يعني تقليص بعض القدرات العسكرية الأمريكية بالضرورة انسحاب واشنطن من إفريقيا، بل يعكس توجها نحو إدارة حضورها بأدوات أكثر مرونة، تشمل التعاون الاستخباراتي والتدريب والشراكات العسكرية والعمليات المحددة. وتظل هذه المقاربة مرتبطة بمصالح الولايات المتحدة في مكافحة الجماعات المسلحة، وتأمين طرق التجارة، ومنع منافسيها من توسيع نفوذهم في المناطق الحيوية.في المقابل، تستثمر روسيا في العلاقات الأمنية والعسكرية مع عدد من دول الساحل وإفريقيا الوسطى، بينما توسع الصين نفوذها عبر الاستثمارات والبنية التحتية والتجارة والمعادن الحيوية. ويمنح هذا التنافس الحكومات الإفريقية خيارات أوسع، لكنه يضعها أيضاً أمام مخاطر الارتهان لشراكات خارجية قد تعمّق الانقسامات الإقليمية.
كما برز التحرك الإسرائيلي في القرن الإفريقي بوصفه أحد أبرز المتغيرات الإستراتيجية خلال عام 2026، بعد اعتراف ''إسرائيل'' بأرض الصومال في ديسمبر 2025، ثم زيارة وزير خارجيتها جدعون ساعر إلى هرجيسا في جانفي 2026، وإعلانه التوجه نحو إقامة علاقات دبلوماسية أوسع. وأثار القرار رفض الحكومة الصومالية والاتحاد الإفريقي وعدد من الدول، وسط مخاوف من تداعياته على وحدة الأراضي الصومالية واستقرار المنطقة.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من الموقع الجغرافي لأرض الصومال، القريب مضيق باب المندب، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية في تأمين الملاحة والوصول إلى الموانئ والمواقع العسكرية. كما أن تأييد إسرائيل لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يضيف بعدا جديدا إلى التنافس في المنطقة، في ظل الخلافات المتعلقة بالسيادة الصومالية وتوازنات القرن الإفريقي. وتؤكد هذه التحركات الدبلوماسية والأمنية في القرن الإفريقي أنّ المنطقة باتت جزءا من حسابات إستراتيجية أوسع، تتداخل فيها المصالح مع تنافس القوى الإقليمية والدولية.