تخليدا لرحيل آخر جندي فرنسي عن الأراضي التونسية يوم 15 أكتوبر 1963، وانتهاء مرحلة من المواجهة التي خاضها التونسيون لاستكمال السيادة الوطنية بعد الاستقلال. وبهذه المناسبة، أشرف رئيس الجمهورية قيس سعيد على موكب رسمي بمدينة بنزرت، تضمن وضع إكليل من الزهور أمام نصب الشهداء وتلاوة فاتحة الكتاب ترحما على أرواح الذين ضحوا بحياتهم دفاعا عن حرية البلاد واستقلالها.
تكتسي ذكرى عيد الجلاء أهمية تاريخية باعتبارها محطة مفصلية في مسار استكمال الاستقلال، كما تمثل مناسبة لتجديد استحضار تضحيات المقاومين والشهداء الذين ساهموا في تحرير البلاد، والتأكيد على مسؤولية المؤسسات الوطنية في المحافظة على مكاسب الاستقلال وترسيخ مقومات الدولة المستقلة.
موكب إحياء الذكرى
أشرف رئيس الجمهورية أمس، على موكب إحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء بمدينة بنزرت، وذلك بحضور وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي وعدد من المسؤولين الجهويين والعسكريين والأمنيين، إلى جانب مجموعة من المقاومين الذين شاركوا في معركة الجلاء. واستهل رئيس الدولة الموكب بوضع إكليل من الزهور أمام نصب الشهداء ببنزرت، قبل تلاوة فاتحة الكتاب ترحما على أرواح شهداء الوطن الذين سقطوا خلال مسيرة النضال الوطني من أجل استرجاع السيادة وإنهاء الوجود العسكري الفرنسي. وحضر الموكب والي بنزرت سالم بن يعقوب، والكاتبة العامة المكلفة بتسيير بلدية بنزرت إيمان الزواوي إلى جانب عدد من الإطارات والقيادات العسكرية والأمنية، في مناسبة استحضرت فيها تونس إحدى أبرز المحطات في تاريخها الحديث، بما تحمله من دلالات مرتبطة بالتضحية والمقاومة واستكمال الاستقلال. وصافح رئيس الجمهورية، بالمناسبة، عددا من مناضلي ومقاومي الجهة الذين حضروا الموكب الرسمي، في تأكيد على حضور ذاكرة المقاومة الوطنية في الاحتفالات الرسمية بعيد الجلاء وعلى المكانة التي تحتلها تضحيات المشاركين في معارك التحرير ضمن الذاكرة الوطنية.
جولة في وسط بنزرت
وعقب مشاركته في الموكب الرسمي، تحول رئيس الجمهورية إلى وسط مدينة بنزرت، حيث زار النصب التذكاري لشهيدي الحركة التحريرية محمد البجاوي والهادي والي، مستحضرا بذلك أسماء من ارتبطت تضحياتهم بمسار الكفاح الوطني ومقاومة الاستعمار. وشملت الجولة كذلك مفترق الساعة بشارع الحبيب بورقيبة، حيث توقف رئيس الدولة وتواصل مباشرة مع عدد من المواطنين الذين طرحوا جملة من مشاغلهم ومطالبهم. واستمع رئيس الجمهورية، خلال هذه الجولة، إلى عدد من الأهالي، مؤكدا الحرص على التفاعل مع انتظاراتهم ومطالبهم.
عيد الجلاء واستحقاقات التشغيل
وفي سياق الزيارة التي أداها رئيس الجمهورية إلى بنزرت، برز أيضا موضوع التشغيل وانتظارات أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، إذ أفاد رئيس الدولة بأن العمل جار على تطبيق القانون عدد 18 المتعلق بانتداب هذه الفئة، وأن النصوص الترتيبية اللازمة لتفعيله لا تزال قيد الإعداد.وتأتي هذه التصريحات في وقت ينتظر فيه المعطلون عن العمل استكمال الإجراءات القانونية والترتيبية الضرورية للشروع في تنفيذ القانون، وتوضيح آليات الانتداب وشروطه ومراحله، إلى جانب الإعلان عن الدفعات الأولى للمستفيدين، غير أن التصريحات لا تتضمن جدولا زمنيا محددا للانتدابات أو تفاصيل نهائية بشأن عدد المستفيدين ومراحل التنفيذ، وهو ما يجعل استكمال النصوص الترتيبية والإعلان عن الإجراءات العملية من أبرز النقاط المنتظرة في المرحلة المقبلة.
عيد الجلاء محطة لاستحضار التضحيات وتجديد التمسك بالسيادة
هذا واصدر مجلس نواب الشعب بالمناسبة بيانا أكد فيه أن هذه المناسبة الوطنية تمثل محطة لاستحضار تضحيات الشعب التونسي في سبيل استكمال السيادة الوطنية واستعادة حرمة التراب الوطني، من خلال جلاء آخر جندي فرنسي عن تونس انطلاقا من مدينة بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963. واعتبر المجلس أن عيد الجلاء يجسد معاني الفداء والصمود والنضال الوطني، مستحضرا الملاحم التي خاضها التونسيون في مواجهة الاستعمار، وما شهدته مراحل الكفاح المختلفة من تضحيات ومقاومة من أجل تحرير البلاد وترسيخ استقلالها. وترحم البرلمان، في بيانه، على أرواح شهداء تونس وأبطال المقاومة الوطنية وقادتها الذين قدموا تضحيات جسيمة من أجل تحرير الوطن وإرساء دولة الاستقلال والسيادة. ودعا المجلس التونسيين والتونسيات إلى استلهام قيم الوفاء والتضحية من الإرث النضالي الوطني، وتعزيز الروح الوطنية وتوحيد الجهود من أجل دعم مناعة تونس وتحقيق ازدهارها.
كما شدد على أهمية اضطلاع نواب الشعب بمسؤولياتهم الوطنية، وترجمة قيم الاستقلال والسيادة إلى ممارسات ومواقف في مختلف أدوارهم، مع مواصلة العمل التشاركي مع مؤسسات الدولة وهياكلها بما يخدم المصلحة العليا للوطن. كما أكد البيان أن التمسك بثوابت السيادة الوطنية وتعزيز الثقة في المستقبل يمثلان ركيزتين أساسيتين لمواصلة مسيرة البناء وتحقيق تطلعات الشعب التونسي إلى الرخاء، والذود عن استقلال البلاد ورفع رايتها.
وتبرز مضامين بيان مجلس نواب الشعب ارتباط الاحتفاء بذكرى الجلاء بمسؤولية المؤسسات التشريعية في مواصلة العمل من أجل تحقيق تطلعات المواطنين، باعتبار أن استكمال الاستقلال التاريخي يظل مرتبطا، في الخطاب المؤسساتي، بقدرة الدولة على حماية مصالحها الوطنية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
حماية الدولة وصون استقرارها مسؤولية وطنية جامعة
من جهته، أكد المجلس الوطني للجهات والأقاليم، في بيان أصدره أمس بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، أن حماية الدولة ومؤسساتها وصون أمنها واستقرارها تمثل مسؤولية وطنية جامعة، تستوجب اليقظة في مواجهة كل ما من شأنه المساس بمصالح الوطن العليا أو النيل من تماسكه. وجدد المجلس رفضه لما وصفه بأشكال العمالة والارتهان والتبعية، ولكل محاولة تستهدف إخضاع الإرادة التونسية أو فرض الوصاية على القرار الوطني أو إعادة إنتاج النفوذ الاستعماري بأشكال جديدة. وأكد حق تونس في اختيار مسارها ورسم خياراتها وفقا لإرادة شعبها ومصالحه العليا، مع صون استقلال قرارها من كل إملاء أو تدخل. وتعكس هذه المضامين تركيز المجلس على البعد السياسي والسيادي لذكرى الجلاء، من خلال الربط بين استعادة السيادة الترابية في الماضي وضرورة المحافظة على استقلال القرار الوطني في الحاضر، بما يضمن قدرة البلاد على تحديد أولوياتها بعيدا عن الضغوط الخارجية. ولم يقتصر بيان المجلس على الجوانب السياسية والأمنية، بل تناول أيضا الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي يعتبرها من مقومات الاستقلال الفعلي، مشددا على أن صون مكاسب الاستقلال يقتضي تعزيز القوة الوطنية وحماية الثروات والمقدرات ودعم الإنتاج الوطني. كما أكد أهمية تثمين الكفاءات والطاقات التونسية وتطوير قدرة الاقتصاد على الصمود، بما يعزز استقلالية الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ويوجه إمكانات البلاد نحو خدمة الشعب وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
بنزرت.. ذاكرة التحرير ورمز استكمال الاستقلال
تحتل مدينة بنزرت مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية التونسية، ليس فقط لأنها شهدت المواجهات الدامية في جويلية 1961، بل لأنها احتضنت الحدث الذي ارتبط بإعلان استكمال السيادة الترابية، مع مغادرة آخر جندي فرنسي يوم 15 أكتوبر 1963. وتجدد المراسم الرسمية التي تنتظم في المدينة سنويا الصلة بين الأجيال الحالية وتاريخ النضال الوطني، من خلال زيارة النصب التذكارية ووضع أكاليل الزهور والترحم على أرواح الشهداء، إلى جانب مشاركة المقاومين والمسؤولين وممثلي المؤسسات الوطنية. كما تمثل هذه المناسبة فرصة لاستحضار الدور الذي أدته مختلف مكونات المجتمع التونسي في معركة التحرير، وما تطلبه استكمال الاستقلال من تضحيات بشرية وسياسية ودبلوماسية.
تبقى ذكرى 15 أكتوبر 1963، بما تحمله من دلالات تاريخية، محطة لتكريم الشهداء والمقاومين واستحضار مسار التحرير، كما تفتح المجال أمام تجديد النقاش بشأن متطلبات المحافظة على مكاسب الاستقلال وتعزيز مقومات القوة الوطنيةوتحقيق تطلعات التونسيين إلى مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.