غدا إحياء الذكرى الـ63 لعيد الجلاء: بنزرت تستعد لاستحضار ملحمة استعادة السيادة الوطنية ..

تستعد تونس غدا الخميس 15 أكتوبر الجاري

لإحياء الذكرى الـ 63 لعيد الجلاء، إحدى أبرز المحطات التاريخية في مسيرة النضال الوطني من أجل استكمال السيادة الوطنية، وتخليد ذكرى إجلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي التونسية، وتحديدا عن ولاية بنزرت، يوم 15 أكتوبر 1963، بعد سنوات من المواجهة والتضحيات التي جسد خلالها التونسيون تمسكهم بالحرية والاستقلال.

وتكتسي هذه المناسبة الوطنية أهمية خاصة في ولاية بنزرت، التي ارتبط اسمها بآخر فصول الوجود العسكري الفرنسي في تونس، إذ تتحول المدينة، كما جرت العادة سنويا، إلى فضاء لاستحضار الذاكرة الوطنية وتكريم الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعا عن استقلال البلاد وسيادتها الكاملة على ترابها.

عفو رئاسي يشمل 2288 محكوما عليهم

تتواصل الاستعدادات لإحياء هذه الذكرى من خلال تهيئة الفضاءات العامة وتزيين الشوارع والساحات بالأعلام الوطنية، إلى جانب ضبط البرامج التنظيمية والميدانية اللازمة لإنجاح الاحتفالات الرسمية والشعبية، بما يعكس رمزية هذا الموعد التاريخي ومكانته في الوجدان التونسي. وبهذه المناسبة الوطنية، أعلنت رئاسة الجمهورية، وفق بلاغ صادر عنها أمس أن رئيس الجمهورية قيس سعيد أصدر عفوا رئاسيا شمل 2288 محكوما عليهم بالسجن، وهو ما أسفر عن الإفراج عن 1573 سجينا. كما أسدى رئيس الدولة تعليماته بتمتيع 424 سجينا بالسراح الشرطي، وفق ما ورد في البلاغ ذاته. ويأتي هذا القرار بالتزامن مع الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، التي تستحضر فيها تونس مسيرة طويلة من النضال الوطني وما رافقها من تضحيات في سبيل استعادة السيادة الوطنية، في مناسبة تتجدد خلالها الدعوات إلى ترسيخ قيم الحرية والكرامة والتضامن، واستحضار المعاني التاريخية التي يحملها هذا اليوم في ذاكرة التونسيين.

وتتجه الأنظار، غدا الخميس، إلى ولاية بنزرت، التي تستعد لإحياء هذه الذكرى التاريخية من خلال برنامج من الأنشطة والمراسيم الرسمية التي تبرز المكانة الخاصة للمدينة في تاريخ الحركة الوطنية التونسية. وقد انطلقت الاستعدادات على المستوى المحلي عبر تهيئة عدد من الشوارع والمداخل والساحات العامة، حيث تزيّنت مساحات مختلفة بالأعلام الوطنية التي ترفرف احتفاء بهذه المناسبة، في مشهد يستحضر رمزية يوم 15 أكتوبر وما يمثله من محطة مفصلية في استكمال استقلال تونس. كما تعمل المصالح البلدية والسلط المحلية والجهوية على ضبط مختلف الترتيبات التنظيمية والتدخلات الميدانية، بما يضمن حسن سير الأنشطة المبرمجة وتوفير الظروف الملائمة لإحياء الذكرى في أجواء تليق برمزيتها الوطنية. وتتجاوز هذه الاستعدادات مظاهر الاحتفال الخارجي لتؤكد أهمية المحافظة على الذاكرة التاريخية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، باعتبار أن عيد الجلاء ليس مجرد موعد سنوي في الروزنامة الوطنية، بل هو مناسبة لاستحضار كلفة الحرية والسيادة والتذكير بالدور الذي اضطلع به أبناء تونس في مقاومة الاستعمار.

مراسم رسمية لتكريم الشهداء واستحضار تضحياتهم

ومن المنتظر أن تشمل المراسم الرسمية لإحياء الذكرى، وفق التقاليد المعتمدة في الاحتفالات الوطنية السابقة، تحية العلم الوطني واستعراض تشكيلة شرفية من الجيوش الثلاثة، إلى جانب وضع إكليل من الزهور عند النصب التذكارية وقراءة الفاتحة ترحما على أرواح الشهداء. وتحتل روضة الشهداء والنصب التذكارية بمدينة بنزرت مكانة بارزة ضمن هذه المراسم، لما تحمله من دلالات تاريخية ورمزية مرتبطة بالتضحيات التي شهدتها المدينة خلال معركة الجلاء. ومن المحطات التي ارتبطت بإحياء هذه الذكرى في السنوات الماضية، معاينة النصب التذكاري للضابط الشهيد بالجيش الوطني الهادي والي، الواقع بمفترق شارع حسن النوري قرب حي الشرفاء ببنزرت المدينة، واستحضار دوره ضمن أبطال معركة الجلاء. كما شهدت احتفالات سابقة انتقال رئيس الجمهورية إلى وسط مدينة بنزرت للالتقاء بالمواطنين والاستماع إلى مشاغلهم وتطلعاتهم، في سياق يتجاوز الطابع الاحتفالي للمناسبة إلى التطرق إلى القضايا التنموية والاجتماعية التي تشغل أبناء الجهة. وفي انتظار استكمال البرنامج الرسمي الخاص بهذه السنة، تظل هذه المراسم من أبرز المظاهر التي تجسد ارتباط عيد الجلاء بذاكرة الشهداء وبالوفاء لمن ساهموا في استعادة السيادة الوطنية.

من معركة الجلاء إلى استكمال السيادة الوطنية

تعود جذور معركة الجلاء إلى سنوات ما بعد الاستقلال، حين لم يؤد اعتراف فرنسا باستقلال تونس في 20 مارس 1956 إلى إنهاء وجودها العسكري بصورة فورية، إذ تواصل الوجود الفرنسي في عدد من المواقع، وفي مقدمتها القاعدة البحرية ببنزرت، وهو ما جعل استكمال السيادة الوطنية أحد أبرز رهانات المرحلة. وقد تعمقت المواجهة مع تصاعد التوتر بين تونس وفرنسا، خاصة بعد العدوان الفرنسي على قرية ساقية سيدي يوسف الحدودية يوم 8 فيفري 1958، الذي أسفر عن سقوط عشرات الشهداء التونسيين والجزائريين، وأثار موجة من الغضب والاستنكار في تونس. وشكلت تلك الأحداث منعطفا مهما في مسار العلاقات التونسية الفرنسية، وعززت الإصرار على إنهاء الوجود العسكري الفرنسي على الأراضي التونسية، بما ينسجم مع مبدأ السيادة الوطنية الكاملة.

وفي جوان 1961، دخلت قضية بنزرت مرحلة أكثر حدة، مع تصاعد الخلاف حول استمرار الوجود الفرنسي في القاعدة البحرية، وتزايد المطالب التونسية بإخلائها. واندلعت المواجهات المسلحة في جويلية من السنة نفسها، في معركة غير متكافئة تكبد خلالها التونسيون خسائر بشرية جسيمة، وسقط عدد كبير من الشهداء من العسكريين والمدنيين، في واحدة من أكثر المحطات إيلاما في تاريخ النضال الوطني. ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في 23 جويلية 1961، فإن إنهاء الوجود العسكري الفرنسي في بنزرت استغرق أكثر من عامين إضافيين من الجهود السياسية والدبلوماسية. وفي 15 أكتوبر 1963، غادرت القوات الفرنسية مدينة بنزرت، معلنة نهاية الوجود العسكري الفرنسي الذي ظل قائما بعد استقلال تونس سنة 1956، لتستعيد البلاد بذلك سيادتها على كامل ترابها الوطني. وقد مثّل هذا التاريخ تتويجا لمسار طويل من المقاومة والتضحيات، وأصبح عيد الجلاء منذ ذلك الحين مناسبة وطنية سنوية تستحضر خلالها معاني الحرية والاستقلال والوفاء للشهداء.

تحقيق التنمية المنشودة

وبين المراسم الرسمية وتزيين الشوارع والساحات واستحضار تضحيات الشهداء، تستعد تونس لإحياء الذكرى الثالثة والستين لعيد الجلاء، في محطة وطنية تستعيد فيها البلاد جانبا مهما من تاريخها الحديث، وتؤكد من خلالها أن استكمال الاستقلال كان ثمرة نضال طويل لم يتوقف عند الاعتراف الرسمي بالسيادة سنة 1956. وتبقى بنزرت، بما تحمله من رمزية تاريخية، شاهدة على الفصل الأخير من هذا المسار، وعلى التضحيات التي مهدت لمغادرة آخر جندي فرنسي يوم 15 أكتوبر 1963. هذا وتتزامن الاحتفالات الوطنية مع استمرار النقاشات الاجتماعية والمطالب المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يضفي على ذكرى الجلاء بعدا إضافيا، باعتبارها مناسبة لاستحضار معنى السيادة الوطنية وربطه بقدرة البلاد على الاستجابة لتطلعات مواطنيها وتحقيق التنمية المنشودة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115