الشاعر والروائي المغربي عبد الحميد شوقي لـ "المغرب":2-2 أنا مدين للفلسفة التي أخرجتني من "انغلاق" الحقل الأدبي نحو "انفتاح" الحقل الفلسفي الكوني

عند الكتابة، لا تبدو الفلسفة عنده موعظة

ولا الشعر زينة للعبارة. فالفلسفة تمنح الحبر العمق، والشعر يهبه الأجنحة، أما الرواية فتجعله ينطق بلسان الإنسان في كل مكان وزمان. في مؤلفاته، لا شيء نقيّا تماما، ولا أحد بريئا تماما، وللحقيقة دائما نصفها لآخر.

في الجزء الأول من هذا الحوار (نشر في عدد الأمس)، عدنا مع المبدع المغربي عبد الحميد شوقي إلى البدايات: إلى الأم التي كانت تغزل العالم بالحكايات، والطفل الذي التقط من صوتها بذور الشعر، وإلى سنوات التكوين التي صنعت لاحقا شاعرا وروائيا وفيلسوفا. وتوقفنا عند تجربته السردية، وعلاقته بالرواية التونسية والمغاربية، وتحولات الكتابة في زمن هيمنة وسائل الاجتماعي.

في هذا الجزء الثاني، نقترب أكثر من عوالمه الإبداعية لنتحدث عن الكتابة بوصفها قلقا جماليا وعن التراجيديا بوصفها قدرا إنسانيا... من هنا يستأنف الحوار رحلته، من ذاكرة الحكاية إلى قلق السؤال، ومن طفولة الكاتب إلى امتحان الكتابة نفسها. ولعل أجمل ما في كلام وكلمات عبد الحميد شوقي أنّه لا يقدم أجوبة جاهزة أو بديهية، إنما يُشرع الأبواب على مصراعيها في توليد أسئلة يصعب أن نخرج منها كما دخلنا.

* في كتاباتك نزعة تشريحية واضحة للذات والكون كما في "أصوات في ممرات النزيف". هل الكتابة بالنسبة لك فعل تطهير ومصالحة مع العالم، أم أنها إصرار على البقاء في منطقة السؤال والتجريب؟

عندما نتحدث عن فعل التطهير، فأنا يلتبس علي المعنى والاتفاق حول دلالة واحدة لفكرة التطهير. تطهير مماذا، ومن أجل ماذا؟ لا أعتقد أن الكتابة، بالنسبة لي على الأقل، هي فعل تطهير من العالم، لأنني أنا جزء من العالم، وعندما أقول التطهير، فذلك يعني أنني أومن بعالم خالص، نقي وملائكي، وغير مدنس بالهيولى الإنسانية والانتماء الاجتماعي، بكل ما يعني ذلك من ثنائيات قيمية لا تستقيم إحداها دون الأخرى: خير/شر.. مسالمة/عدوانية.. صحة/مرض.. حياة/موت.. تعاطف/ حقد.. فضيلة/رذيلة.. حرب/سلم... كذلك يسقط الشق الثاني من سؤالك وهو المصالحة مع العالم، أنا متصالح مع العالم، لأنني لا أتطهر منه، بل أقبله كما هو، وأنغمس فيه كما هو، وأريد من خلال كتاباتي أن أنقل تعارضاته وصراعاته وتلاطماته، كما هي في بطانتها الموضوعية، لا كما أراها من خلال موقف أخلاقي أو ديني أو قومي مسبق. لو كان الأمر كذلك، لكان الأدب مجرد وصايا عقدية أو مواعظ دينية يصدح بها داعية على متن دابة عجفاء، وهو يتنطع لإدخال الناس في معتقده وغائيته هو، أما رجل الأدب فهو ينطلق من أسئلة مزعجة تؤسس الشرط الإنساني في مأساويته، وهي الأسئلة التي عبر عنها دوستويفسكي في كاتدرائياته الروائية المرعبة: كيف نفسر أن أسوأ المذابح، وأفظع المجازر، تتم باسم أفضل المشاعر؟ وأن الأفكار الأكثر إيثارية altuistes تنتج أجمل المقابر الجماعية؟ ربما هذا قد يدفعنا إلى طرح سؤال أكثر فداحة: كيف يمكن للأدب أن يعبر عن هذه المأساوية بلغة شاعرية جميلة؟ لقد حاولت في "أصوات في ممرات النزيف" أن أتعامل مع الوقائع كما هي، كما لو انفلتت من علبة بنادورا. هناك مال قذر تم جمعه من خلال القمار والمؤامرات، وهو فعل مذموم، وتوظيفه لبناء دار ضيافة تلم بنات تقطعت بهن السبل، وهو فعل محمود، هناك جريمة قتل صديق بريء، وهو فعل شرير، بدافع الغيرة على عرض أخت، وهو فعل لا يمكن إدانته اجتماعيا، وهناك طبيب نفسي يستغل سلطته العلمية، وهو فعل مذموم، للنزول إلى صالة القمار لمعرفة نفسية المرضى المقامرين عن قرب، وهو فعل محمود... وهكذا تتعقد التعارضات التي لم أخلقها أنا كروائي، وإنما صعدت بها من قبو الظلام إلى ضوء النهار، وحاولت من خلالها أن أقدم سردا جماليا بتقنيات لا تنتمي إلى عالم الواقع الموضوعي بقدر ما تنتمي إلى ذات المؤلف ورؤية السارد.

* في أعمالك الروائية والقصصية مثل "سدوم" و"ليل العائدين"... هناك تعرية واضحة لآليات السلطة والقمع المجتمعي والسياسي. هل ترى أن الرواية العربية اليوم هي الملاذ الأخير لقول ما عجزت عنه الأحزاب السياسية والخطابات الفكرية المباشرة؟

لا يمكن أن أزعم أن الرواية العربية اليوم هي الملاذ الأخير لقول ما عجزت عنه الأحزاب السياسية والخطابات الفكرية المباشرة، لسبب بسيط، وهو أن الرواية لا تخاطب "الحيوان السياسي" في الإنسان بشكل مباشر، بل تخاطب " الكائن الجمالي" الوحيد من بين الكائنات، وهو الإنسان، كما قال كانط. تصوري معي رواية تتحدث عن هموم الفرد والجماعة والوطن بشكل مباشر وجاهز وخالية من كل متعة جمالية وعمق فكري، أي خالية من الشرط الوحيد الذي يؤسس القول الأدبي، وهو "الشغف". هنا تنتهي الرواية كعمل أدبي، لأن القارئ سيتوجه مباشرة إلى الساحة العامة، إلى الحزب السياسي، إلى النقابة، لأنها كلها تتحدث عن مطالبه المادية: الخبز، الأجور، التعويضات، ساعات العمل، التغطية الصحية، التقاعد، المكاسب الاجتماعية... إنها مطالب مشروعة بلا شك، ولكنها مشروطة بالحقل الذي تندرج فيه، لأننا لا نعتقد أن مواطنا اسكندنافيا سيتحدث عن هذه المطالب، لكن مأساة الإنسان واغترابه الوجودي وصراعه ضد القدر والموت، وشقاءه بين صوت الخضوع للقيصر والدين، وصوت التمرد على المشيئة الإلهية والسلطة الدنيوية، كما نجد ذلك في روايات دوستويفسكي، ستظل دائما تخترقنا وتؤرقنا، مرة نرفضها، ومرة نجبر على الإذعان لها، ولكننا لن ننكر أبدا أن "الجريمة والعقاب" أو"الإخوة كرامازوف"، ستظل أعمالا شاهقة في الخلود، لأن خلودها الجمالي وتعقيدها الفكري والسردي، هو في قدرتها على التغلغل في أعماق النفس الإنسانية بكل ظلامها وتعقيدها. لذلك نجد أن كثيرا من الكتابات التي أنجزت في العهد الكولونيالي بأوطاننا، كانت في معظمها كتابات سياسية مباشرة، رهنت نفسها للشرط التاريخي الراهن، وهو الاستعمار الفرنسي، وبمجرد ما انتفي هذا الشرط بحصول الاستقلال، انتهت هذه الكتابات المباشرة، إلا القليل منها مثل "نجمة" لكاتب ياسين، و"أهديها غزالة" لمالك حداد.

* يسقط الكثير من الروائيين في فخ "المنشور السياسي" أو المباشرة الفجة عندما يقتربون من الشأن العام. كيف نجحت كفيلسوف وشاعر في الحفاظ على شعرية النص وجاذبيته الجمالية دون أن تتحول روايتك إلى مناشير عامة؟

لا أعرف إن كنت قد نجحت في تجنب السقوط في فخ "المنشور السياسي"، أو المباشرة الفجة، ولا أعرف إن كان الفيلسوف والشاعر في داخلي، قد أسعفاني بإنتاج أثر أدبي حقيقي، وليس مجرد منشور عام. هذا أمر متروك للقارئ والناقد. نعم، أنا مدين كثيرا لثقافتي الفلسفية التي أخرجتني من "انغلاق" الحقل الأدبي العربي بلغته وتاريخه و"نظامه المعرفي"، نحو "انفتاح" الحقل الفلسفي الكوني، بلغاته المتعددة، وتواريخه المتعاقبة، و"نظمه المعرفية" المغايرة، من اليوناني إلى الروماني إلى الفارسي إلى الإسلامي إلى الآسيوي. كما أنني مدين كثيرا لحساسيتي الشعرية التي ابتدأت مبكرا وأنا في الخامسة عشرة من عمري. وكما أشرت سابقا، فإن تكويني الفلسفي جعلني أنظر إلى الثيمات التي أتناولها بشكل يتجاوز مجرد التمثلات والحدوس المباشرة، نحو القبض على "اللامقول" الذي لا يمكن أن تعبر عن انسيابه الوجودي لغة جافة مثل لغة الفلاسفة، بل يلزمه لغة ملائمة له، وهو ما يستدعي الجملة الشاعرية. لذلك كثيرا ما كنت أتفاجأ بملاحظات بعض القراء الذين لا يستسيغون طريقة كتابتي، ويطرحون علي سؤالا يبدو بريئا، ولكنه ينم عن سوء فهم لخصوصية السرد الروائي: لمن تكتب؟ وكأنهم يقولون لي: لماذا لا تكتب بطريقة عادية في متناول الحس العادي؟ أتذكر أنني أجبت أحد أساتذة البيولوجيا الذي قرأ "أصوات في ممرات النزيف" و"سدوم"، حيث رسمت له على الورقة عينا وقلت له: ما هذه؟ أجاب: عين.. قلت له: هل هي نفس العين التي تدرسها لطلبتك، أين الخلايا والسيالات والشبكة ورقائق العروق المتشابكة التي تربط العين بالدماغ؟ إذن ما أكتبه لا يشبه العين التي يتعرف عليها الإنسان العادي على الورق بشكل مباشر.. وكما قال بيكاسو لأحدهم: أنا لا أرسم للدجاج.

 * هناك خيط رفيع بين تصوير "السوداوية والخراب" كواقع، وبين السقوط في "العدمية"..  وكتاباتك تفيض بالقلق والنزيف. هل هو إعلان عن موت الأمل في التغيير، أم هو "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة" كما يقول "غرامشي"؟

هذا ما كان اليونان يسمونه "التراجيديا"، من حيث هي صراع الفرد العاقل ضد القدر الأعمى. عندما تنفتح البنادورا، لا يمكن إلا أن تلتفت إلى أشد الأشياء قتامة في الوجود الإنساني: الموت. فإذا كان الموت معطي أنطولوجيا إلى جانب المرض والشيخوخة، وكلها معطيات خاضعة للحتمية، فالتاريخ الإنساني، كتاريخ يصنعه الإنسان العاقل للانفلات من حتمية الموت، هو تاريخ ينتهي بالسقوط في السوداوية والخراب اللذين حاول الإنسان الهروب منهما، لكن هذه المرة سيكون الموت صنيعة الإنسان، من خلال الحروب والمذابح والمجازر والإبادات الجماعية، التي لا تدل على مجد الإنسان، بقدر ما تدل على أن قدر الإنسان أن يكون بهذا الشكل أينما مر، وعلينا أن نتأمل التاريخ، في ضوء هذه الحقيقة المأساوية كما هو، لا كما تصوره أمانينا ورغباتنا وإسقاطاتنا. وكل كتابة روائية تفيض بالأمل التفاؤل الضحل وإرادة الإنسان على قهر كل شيء من أجل فرض قيم الخير والفضيلة والعدالة، هي كتابات تشبه حكايات أطفال مسلية ومرحة، لأنها قائمة على إيمان ديني تؤسسه غائية تدعي أننا نسير نحو التقدم ونرتقي نحو سعادة وكمال الإنسان في نهاية التاريخ. ما أتحدث عنه ليس تشاؤما، بل هو محاولة لفهم الشرط الإنساني، كما قدمتها أعمال فرويد، ماركس، نيتشه، دوستويفسكي، كافكا، الماركيز دو ساد، وغابرييل غارسيا ماركيز. ألم تتأسس ماكوندو على إرادة خوسي أركاديو بوينديا ورفاقه لقهر الطبيعة وقساوة السلطة وبشاعة الحروب الأهلية والخروج من العزلة القاتلة التي دامت مئة عام؟ لكن ماذا تبقى في الأخير عندما توصل أوريليانو بابيلونيا إلى فك شفرة كتاب ملكيادس؟ لا شيء سوى الخراب واكتساح النمل لكل ماكوندو. إنها النهاية المأساوية التي تتحول إلى بداية جديدة، وهكذا في عود أبدي يكرر نفسه باستمرار.

*في زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج نص أدبي خلال ثوان، ماذا يبقى من ضرورة الكاتب؟ هل تخاف على الأدب من الخوارزميات، أم تخاف من أن يتعوّد القارئ على النص السهل والسريع؟ 

دعيني أقارب المسألة بالإحالة إلى لعبة الشطرنج. نعرف اليوم بفضل الذكاء الاصطناعي أن الشركات العالمية أنتجت حواسيب عملاقة تفوق قدرة عقل لاعب الشطرنج بملايين المرات، وهناك بطولات تقام بين الحواسيب تقدم مهارات خارقة، لكن من يشاهدها، من يتابعها، من يهتم بها؟ القليل القليل من بين العلماء ومهندسي البرمجيات الذين يعملون، دون كلل، على تطوير العقول الآلية المبرمجة. لكن عندما تقام بطولة عالمية يشارك فيها ماغنوس كارلسن ودينغ ليرين وغوكيش دوماراجو، فإنك ستجدين اهتماما عالميا ومشاهدات ضخمة ومتابعات بالملايين لأطوار البطولة. لماذا؟ لأننا ما زلنا إلى الآن نقدر المجهود الإنساني والعقل الإنساني والفعل الإنساني، في نبوغه ومحدوديته وتقلباته التي لا تخضع دائما لمنطق الحساب والتوقع الحتمي. هكذا أنظر، والكثير سيتفق معي، إلى مستقبل الأدب، لأننا نمتلك حساسية التمييز بين نص أنتجه الذكاء الاصطناعي، ويخلو من ارتباكات وانفعالات وتقلبات الذات الكاتبة، لأنه لا ينتمي إلى عالمها الداخلي بمشاعره وتقلباته واستغلاقه الروحي، على عكس النص الذي يبدعه العقل الإنساني العادي. هل تتصورين أن ذكاء اصطناعيا مبرمجا وفق خوارزميات محددة، بإمكانه أن يحدس صورة منفلتة مثل المشهد المرعب الذي افتتح به كافكا روايته "المسخ"، حيث يتحول غريغور سامسا إلى حشرة عملاقة؟ وهل تتصورين أن رواية اصطناعية بإمكانها أن تحدس في لحظة مارقة من لحظات الكتابة مشهد "المفتش الأكبر" في رواية "الإخوة كرامازوف"؟ نعم قد يخلق الذكاء الاصطناعي قارئا متعودا على النص السهل السريع، مثلما نجد في تدوينات السوشال ميديا، لكننا نمتلك من سلامة الحس ما يجعلنا نميز بين متطلبات التدوينات الرقمية القائمة على الاختزال والسرعة واستجداء "اللايكات"، وبين متطلبات النص الأدبي الحقيقي في ثقله وعمقه وطوله ورتابته وتطاوله على القارئ، لأن الكاتب الحقيقي لا يستجدي إعجابا سريعا وزائفا، بقدر ما يدعو قارئه إلى مشاركته في إعادة إنتاجه وفق ذكاء القارئ وخصوصية ذائقته وشروطه التاريخية والثقافية التي لا تنتهي. 

* هل يمكن للأدب أن يغيّر الإنسان فعلا أم أننا نحمّله أحيانا أكثر مما يحتمل؟

إذا كنا ننتظر أن يتم تغيير الإنسان وفق خطط تنموية واستراتيجيات اقتصادية ورهانات سياسية ومراحل زمنية محددة ومضبوطة، كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكما حدث في الصين التي حددت مدة خمسين سنة لكي تكون في مستوى أوروبا ثم تتفوق عليها بعد ذلك، فإن تطبيق ذلك على الأدب يبدو سوء فهم للتغيير وللأدب، لأن الأدب لا يقدم وصفات جاهزة وقابلة للأجرأة والتطبيق الفعلي والضبط الزمني، ويمكننا الالتزام بها من أجل التغيير، وإنما يقدم الأدب عالما موازيا للعالم المادي الذي نعيش فيه. أقصد بالعالم الموازي، عالمَ الإمكانات المتاحة والآفاق الشاسعة التي نطمح إليها، عالم الجمال الذي يميز الإنسان، عالم المتعة والدهشة، أي العالم الذي يدعو القارئ إلى السفر بأجنحة الخيال والابتكار من خلال ما يقدمه الكاتب، ومحاولة القبض من خلاله على "القدر" الذي يميز العصر، ولا يمكن للسياسة ولا الاقتصاد أن ينتبها إليه، وكما قال عبد الله العروي، وهو يصف إبداعات دوستوفسكي بعيدا عن تحليلات النقاد وإعجاب القراء، إن ما يميز روايات هذا الكاتب الروسي الفذ هو أنها وضعت يدها على "عقدة" العصر القيصري، ولم ينتبه إليها أحد، وتتمثل في ما سماه الأستاذ العروي بـ"الزمان المتثاقل". ففي الوقت الذي تتقدم فيه ألمانيا وفرنسا وإنكلترا بل وحتى اليابان، وتنجز أعمالا عظيمة في المجالات الحيوية، بحيث تفيد بلدنها وتفيد الإنسانية، رأى دوستويفسكي أن روسيا القيصرية ما تزال تعيش زمانا متثاقلا، هو زمان القنانة والتخلف الصناعي والزراعي والاستبداد القيصري والأبوية الأرثوذكسية. هذا هو التغيير الذي يمكن أن يحلم به الأدب، ويجعل النص الأدبي دائم الحضور في الوجدان الفردي والاجتماعي، مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة.

* بعد كل هذه الرحلة مع الكتابة والحياة.. لو أمامك صفحة بيضاء ماذا ستكتب فيها لمن سيقرأ هذا الحوار مع عبد الحميد شوقي؟

لو أتيح لي أن أحظى بشرف من سيقرأ حواري، فسأكتب في ورقة بيضاء، لا أعرف إن كانت ستمزق أو تبلل أو تطيّرها الرياح، جملة مأخوذة من كتاب "التأملات" للإمبراطور الفيلسوف الروماني الرواقي ماركوس أوريليانوس: "قلْ وافعلْ كل ما تقتضيه الطبيعة، واعلمْ أنه ملائمٌ لك أيضا، ولا يصرفْك عنه ملامٌ تتوقعه من الناس، أو من كلامهم." 

  هامش على المتن        

*هل تبحث عن الجملة الجميلة، أم عن تلك التي تترك حيرة وأسئلة؟

كما قال فولتير يوما، حتى اللص عندما يدخل المفتاح في الخزنة من أجل السرقة يقول باسم الله. يعني لا يوجد فكر يدعو إلى التساؤل والشك والحيرة والنقد من دون مبرر جمالي، وهنا يأتي دور الجملة الجميلة.

* لو لم تكن شاعرا وروائيا وفيلسوفا... أي مهنة كانت ستختارك أو ستختارها؟

ربما كنت حارسا ليليا يستهلك زمانه في صمت مطلق دون أن ينتبه إليه الآخرون.

*جملة كتبتها ولم تنسها .. ولن تنساها؟

في رواية "سدوم" يقول الراهب: "أيها العالَم.. نحن الذين ندمن النهار كأبدية لا ترحل.. اترك لأجسادنا أن تعيد حكاية سدوم التي لم يدمرها فسادها، بقدر ما دمرها عدم قدرتها على رفع شهواتها إلى مقام القوانين التي لا ترتفع.. لم تكن سدوم موغلة في درَك الرذائل في الأسفار التوراتية فقط، كانت سدوم راقصتنا التي نتلوّى تحت خصرها في الليل، ونرجمها ألف مرة في النهار..."

- الرواية لا تخاطب "الحيوان السياسي" في الإنسان بل " الكائن الجمالي"

- الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب... لكنه لا يمتلك ارتباك الإنسان

- الكاتب الحقيقي لا يستجدي "الإعجاب"... إنما يستدعي القارئ إلى المغامرة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115