الإمساك بجمرة الحقيقة والوقوف حافيا على حافة الهاوية، وحين يغامر الكاتب في نحت المعنى بحدس الشاعر و مشرط الروائي ومطرقة الفيلسوف. في ذاكرة الشاعر والروائي وأستاذ الفلسفة المغربي عبد الحميد شوقي يعيش طيف امرأة كانت تغزل العالم بالكلمات وبالأغنيات. هي أم كانت تروي الحكايات فيما يغفو الليل على أكتاف القرية، وطفلها يلتقط تلك الأصوات والخرافات ليحوّلها، بعد سنوات، إلى شعر وأسئلة وروايات...
قضى عبد الحميد شوقي عقودا وهو "يهيئ صمت الانتظار"، مترقبا نضج الفكرة، قبل أن يقودنا بجرأة في "متاهات برائحة الفجر" ليتحسس النور الكامن خلف العتمة.
لم ترهبه عواصف السرد، فلم يستسلم لـ "خراب الحلم"، ومضى يفتش عن نبض الحياة في أزمنة القسوة، مستمعا بشغف إلى "أصوات في ممرات النزيف" وهي تعزف سيمفونية الحرية. وفي كسر لعتبات الدروب المغلقة، فتح بوابات "سدوم" ليفكك قيود الجسد والتابوهات، ويمنح الروح تذكرة العبور في "رسائل المتحول"، مؤكدا أنّ المبدعين والشعراء هم وحدهم من يتقنون نظم "مرثية طائر المساء "والإنصات العميق والطويل إلى بوح "ليل العائدين".
في هذا الجزء الأول من الحوار الذي يليه جزء ثان غدا على صفحات "المغرب" ، يفتح عبد الحميد شوقي دفاتر طفولته الأولى، ويتحدث عن الرواية التونسية والمغاربية والجوائز الأدبية والكتابة في العصر الرقمي... لكنه يؤكد بأن أجمل نصوصه ما تزال هناك... في الجهة الأخرى من الانتظار.
* يقال إنّ "الطفل هو الكاتب الذي لم يفسده العقل بعد"، ما هي الصورة الأولى من طفولتك التي كلما أغمضت عينيك تشعر أنها هي التي صنعت الروائي عبد الحميد شوقي؟
أعتقد أنني سأظل طفلا يشاغب عالمه الداخلي، وأن هذا الشعور الطفولي هو جزء من خلاياي ومن حواسي، حين أفتح مغارة الكتابة لأقيم فيها. كلما أغلقت عيني، لا أرى إلا صورة متكررة تكاد تشبه انطفاء شمس في الغروب من أجل إشراقها في الفجر، أرى أمي في مطبخها البسيط تدندن بمواويل وأزجال موغلة في الشجن، وتعيد علي، أنا وإخوتي، حكايات قديمة عن باديتها، عن البلدة التي رحلت إليها لكي تتزوج وتنجبنا، عن "الوطنيين" الذين كانوا يخفون أسلحتهم تحت أغطية تجلس عليها نساء مسنات يغزلن الصوف، وعن الرحّل الذين وفدوا إلى تيفلت من مناطق الرحامنة والشياظمة وعبدة ودكالة والشاوية والجنوب الصحراوي، يدفعون عرباتهم المحملة بالبهارات لبيعها في الأسواق الشعبية، أو يحملون معاول وفؤوسا لحفر الآبار وكنس الأنهار، وتهيئة الحدائق و"جْنانات" الصبار والتين والتوت البري، مثلما كانت تحكي لنا عن الخوارق التي تجعل امرأة تخرج ليلا من المقابر بأقدام بغلة، وعن النساء من "الجن" اللواتي يرتبطن بعلاقات عشق جارفة مع رجال البلدة من "الإنس"، ولا يتم الانسلاخ عن هذا العشق "الشاذ" إلا عن طريق قربان تُقدَّم فيه ذبائح من صغار الدجاجات السوداء غير المنقطة بالبياض، وعن "الشيخ" ذي الوجه الشيطاني المرعب الذي يخرج من فحمات الكوانين والمجامر. أنا مدين لأمي التي رحلت عن عالمنا قبل ثمانية أشهر، لأن حكاياتها خلدت إحساس الطفل في داخلي، وأبعدتني قليلا عن تجهم الرجل الذي سيلحقني بعد سنوات. كل إخوتي سمعوا نفس الحكايات ونفس المواويل ونفس الأزجال، ولكن الحظ وحده فقط جعلني أتمتع بشغف الذاكرة، لكي أنقل كل ما سمعته إلى صورة أخرى هي صورة الطفل الذي سيصبح مبدعا.
* اليوم روايتك "بحيرة رومانو" في القائمة القصيرة لجائزة الإبداع الروائي.. ماذا تعني لك الألقاب والتتويجات؟
دعيني أكون صادقا معك، لا أعتقد أن كاتبا يزعم أنه يرفض تماما التتويج بجائزة أدبية ما. يجب أن تكون فلتة علمية مثل عالم الرياضيات الروسي غريغوري بيرلمان الذي رفض جائزة فيلدز المقدرة بمليون دولار عندما تمكن من حل حدسية بوانكري، واعتبر أن عالمه هو الرياضيات وليس المال. لكن نحن في العالم العربي، لا نملك وسيلة للتعريف بنا سوى نيل جائزة أدبية ما، إن كان مصدرها غير مشبوه: كتارا، البوكر، جائزة الدولة، لأن الجائزة هي بمثابة طابع يوضع على السلعة التي ننتجها وهي الكتاب، وعلى السلعة أن تروّج وتقتني وتنتشر، وأن تغري عقل وجيب المستهلك، وهو القارئ. لكن هذا الجانب هو جانب مادي دعائي ترويجي فقط، أما الجانب الجوهري، فهو قيمة المنتوج الذي يقدمه الكاتب، والذي لا يمكن أن يقدر بسعر، أو أنه لا يستحق أي سعر. من هنا أرفض الإذعان للكتابة التي تتم وقف الطلب، لكي تلائم ما يعتقد بعض الكتّاب أنه "النموذج" الذي يمكن أن تلتفت إليه لجان الجوائز. إذن فالكاتب يجد نفسه بين حقيقة ما ينتجه ويكرس حياته له، وواقع الاعتراف بما يكتبه كسلعة تحدد وفق معايير خارج إرادته.
* إلى الجائزة ذاتها ترشحت تونس برواية "عندما تذوب البيتزا في الصحراء" لصاحبها العجمي بن بوبكر. هل تقرأ الأدب التونسي، ولمن؟ هل يمكن الحديث عن ملامح رواية مغاربية جامعة نتيجة لتشابه السياقات الثقافية والتاريخية؟
دائما كانت تونس أقرب إلى وجداننا نحن المغاربة، من خلال شاعرها العظيم أبي القاسم الشابي، من خلال مفكريها العظام مثل خير الدين التونسي، الطاهر الحداد، هشام جعيط، وحتى من خلال مطربيها الكبار، علي الرياحي، أحمد حمزة، علية، ومن خلال السينما التونسية التي كانت موجة متمردة على المد المصري الطاغي، من خلال أفلام مفيدة التلاتلي، فريد بوغدير، نوري بوزيد... وقبل ظهور الأنترنت، كنت أعرف الرواية التونسية من خلال أعمال محمود المسعدي، البشير خريف، نتيلة التباينية، والآن في زمن العولمة والأنترنت، تعرفت أكثر على الأدب التونسي المعاصر: شكري المبخوت، وأعجبت كثيرا برواية أميرة غنيم "نازلة دار الأكابر"، كما قرأت الحبيب السالمي وحسونة المصباحي.. وما زلت إلى الآن ألوم الإعلام المغاربي الذي لم يخرج من عنق التأثير المشرقي الذي يكاد لا يعترف إلا بما يأتي من القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، أما ما ينشر خارج هذه المراكز فينظر إليه كمجرد "طفح مرضي" على جسد الإبداع الرسمي، أي الإبداع المشرقي. وأنا أجد أن الرواية المغاربية، بفضل "الرقمي"، فتحت شرفات مغايرة للشرفات التي ظل المشرقي ينظر من خلالها إلى ذاته وإلى الآخرين، وأجد أن أميرة غنيم قد قدمت لنا وثيقة إبداعية وتاريخية عن فترة من فترات التاريخ التونسي المعاصر، ولكن بلمسة مدهشة. قد ألوم الروائية على لغتها العربية القديمة وأسلوبها التراثي، لكنني أقف احتراما لها على التقنيات والأساليب الروائية التي قدمت من خلالها فترة من تاريخ تونس الحديث. لكن، لا يمكنني الجزم بوجود ملامح رواية مغاربية جامعة لتشابه السياقات الثقافية والتاريخية، لأن ما أبحث عنه ليس ما هو "جامع" بل ما هو "متفرد"، ولنتذكر أن الطيب صالح كان ينتمي إلى نفس السياق التاريخي والثقافي الذي ينتمي إليه نجيب محفوظ، جمال الغيطاني، إدوارد الخراط، إدريس يوسف... ولكنه قدم نموذجا روائيا متفردا وموجة منسلة من المد المشرقي الهائج من خلال رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، و"عرس الزين".. ابتعدوا قليلا عن الإجماع والجامع والمتشابه والواحد والمهادن...! هذا هو شعاري، وابحثوا عن المنفلت، المتفرد، المختلف، المتعدد، الجريء... ذلك ما يجعل الكاتب أصيلا بلمسة خاصة وبصمة تصعب على التقليد والاستنساخ.
*روايتك "سدوم" أحدثت جدلا نقديا ونقاشا حادا... بل واجهت اتهامات من بعض الأوساط المحافظة بالجرأة الزائدة. كيف يدافع الفيلسوف في داخلك عن حرية الروائي عندما يصطدم بجدار الرقابة المجتمعية أو الأخلاقوية؟
اسمحي لي أن أكون صريحا معك وقاسيا مع نفسي، لا أعتقد أن "سدوم" أحدثت هذا الجدل النقدي والنقاش الحاد الذي تحدثتِ عنه، إلا إذا أردت أن أمنح نفسي كبرياء فارغة لا تليق بي.. كل ما في الأمر أن الروائي والناقد المغربي الكبير د. محمد برادة، تلقف الرواية عند صدورها عن دار الآداب ببيروت سنة 2015، وأبدئ إعجابا كبيرا بها وبطريقة كتابتها وهندستها، وكان يعتقد أن صاحبها لبناني أو مصري، حتى قيل له إنها لكاتب مغربي غير معروف. بحث عني حتى عثر على هاتفي، واتصل بي. كانت مفاجأة صارخة بالنسبة لي، لأنني كنت قد نشرت أول عمل روائي لي، ولم أعتقد أنه سيحظى بإعجاب د. محمد برادة إلى هذه الدرجة التي جعلته يكتب مقالا عن الرواية نشره في مجلة الحياة اللندنية وجريدة الاتحاد الاشتراكي المغربية. كنت أعتقد أن القدر ساق لي هذه الصدفة السعيدة لكي أدخل عالم الروائيين المكرسين. في البداية، انتبه البعض إلى الجرأة الزائدة في الرواية من خلال طرح مسألة الوجود اليهودي بالمغرب، وقضايا المثلية، والأمازيغية، وعلاقة الطفل الفرويدية بجسد أمه، ومسألة البغاء، ثم العلاقة بالآخر الفرنسي، ومسألة التحرر الإبداعي مجسدة في علاقات المبدعين في ما بينهم... لكنها ظلت نقاشات محدودة، إذ سرعان ما دخلت الرواية عتمة الظل، فقط لأن دار الآداب امتنعت عن تقديمها إلى جائزة البوكر بمبررات أخلاقية، وبعدها يمكن القول، بعد سنة من صدور الرواية، دخلت عالم النسيان تماما من خلال أرقام المبيعات والاهتمام النقدي. لكن من جهة أخرى، دعيني أقول لك كيف دافع الفيلسوف داخلي عن حرية الروائي عندما يصطدم بجدار الرقابة المجتمعية والأخلاقوية. لقد تدخل الفيلسوف في اللحظة التي اخترت فيها أن أراهن على كتابة متحررة تماما من كل القيود، لأن نفس الفيلسوف سيوضح لي أن الرقابة ليست دائما خارجية، بل تتحول بفعل الاستبطان إلى رقابة داخلية، وتصبح جزءا لا يتجزأ من نفسية الفرد وشخصيته وعقليته، حيث يتماهى الكاتب، لاشعوريا، مع الخطوط الحمراء التي وجدها جاهزة أمامه بشكل موضوعي. لكن مطرقة الفيلسوف ستهوي على هذه الخطوط لتخلص الذات منها، أو على الأقل لتجعلها تعيها على أنها آتية من خارج الذات وليست متأصلة فيها: اكتبْ كما ترى وتحس وتعيش، لأن ذلك متوقف على إرادتك، واترك الأحكام للآخرين الخارجين عن إرادتك...! هكذا ولدتْ "سدوم" عاصفة وجريئة، بينما هي في الحقيقة لم تقم سوى بإعادة صياغة ما هو حقيقي وأصيل وذاتي، خارج مسوح الوصايا التي أثقلت أدمغتنا وحواسنا وذاكراتنا منذ ألف سنة أو أكثر. كان الثمن باهظا، لأن مديرة دار الآداب تعللت بعدم تقديم الرواية إلى البوكر، بأنها رواية ضد "إملاءات" اللجان. هل هذا صحيح؟ لا أعرف، لأن كثيرا من الأعمال كانت جريئة وصادمة، ومع ذلك قدمت إلى جوائز البوكر وكتارا وغيرهما.
* في مطلع التسعينات بدأت في الصحافة الورقية ثم انتقلت للألفية الرقمية. كيف ترى مستقبل الورق اليوم في زمن "اللايك السريع"؟ هل ما زال هناك جدوى من كتابة ديوان شعري أو رواية فلسفية نخبوية لجمهور "المحتوى التافه"؟
يجب أن نميز دائما بين "الورقي" و"الرقمي"، وأنا ما زلت مصرا أن "الورقي" سيظل محتفظا بسحره وهيبته، لأنه يمتلك الجدارة التاريخية والحضارية والإنسانية التي يفتقدها "الرقمي" الذي لم يظهر إلا قبل ثلاثة عقود في إطار الثورة المعلوماتية. لكن من جهة أخرى، يجب أن نعطي لقيصر ما لقيصر. فالثورة الرقمية مكنتنا من الوصول إلى المعرفة والمعلومة في ثوان قليلة جدا، ويمكننا بـ"ضغطة زر" أن نرسل أعمالنا إلى دور النشر أو المجلات أو المواقع الرقمية، كما يمكننا ولوج عالم الأنترنت وتحميل مئات الكتب والمصادر والمراجع والمعاجم من أجل أبحاثنا "الورقية" الرصينة، وهو ما كان متعذرا من قبل، كما أن "الرقمي" أزاح من الطريق سلطة "الإكليروس الثقافي" الممثل في كبار الناشرين والنقاد والمتنفذين الأدبيين الذين كانوا يسدون باب "المدينة" أمام كل وافد أو عابر أو شخص غريب، خوفا على ظلهم ان تدوسه أقدام منافسين محتملين. وأنا أعتقد أن "اللايك" السريع شبيه بالنصوص الورقية "الخفيفة" و"الضحلة" التي لم يخل منها أي عصر، وكانت تنشر لأن أصحاب الشأن السياسي والثقافي كانوا يؤشرون عليها. ويجب أن نعترف أن المواقع الرقمية التي تستجدي "اللايك" السريع هي مواقع موجهة إلى عموم الناس الذين يبحرون في الأنترنت بهواتفهم الذكية وحواسيبهم الشخصية، وهي تلائم محدودية مقروئياتهم، حيث لا يتمتع المتصفح بالصبر أمام كتابات طويلة وعميقة ومعقدة، لأنه يبحث عن الخفيف والسريع والفضائحي واليومي الذي يصبح متجاوزا في الغد. إننا أمام نوعية من الجمهور التي يجب الاعتراف بحقها في الوجود، لا أن نشيطنها تحت نعت "أصحاب المحتوى التافه"، لأن هذا الجمهور موجود في الملاعب والتظاهرات الانتخابية والشحن الديني والاندفاعات القومية. لكنني سأظل أومن بجدوى كتابة الشعر والرواية وإصدار ديوان شعر أو رواية بعمق فلسفي، لأن هناك فئة، ولو أنها نخبوية مثلما كان الأمر قديما، ستظل تحتفي بكل كتابة جمالية فكرية عميقة، مثلما نجد في بلدان التطور الرقمي المرعب جمهورا يقتني تذاكر باهظة الثمن للاستمتاع بموسيقى كلاسيكية تدوم ساعات طويلة، في زمن طغت فيه الموسيقى السريعة الصاخبة والمستفزة للأذن والذائقة. سنظل دوما نرى على الأقل راكبا متوحدا بكتاب في قطار أو ميترو أو باص، وهو محاط بمئات الأشخاص الغارقين في هواتفهم الذكية.
* توصف دائما بـ "الشاعر الفيلسوف". ألا ترى أن الفلسفة بصرامتها المفاهيمية قد تمارس نوعا من "الوصاية" على عفوية القصيدة؟ أم أن الشعر عندك يتسع لأفكار فلسفية عجز النثر عن حملها؟
كثيرا ما أتضايق من هذا التوصيف: "الشاعر الفيلسوف"، وأرى أن مصدره نابع من أن الذين يعرفوني ويقرؤون لي، يعرفون أنني تابعت دراساتي الجامعية بشعبة الفلسفة بكلية الآداب بالرباط، وتخرجت من كلية علوم التربية لأمارس تدريس الفلسفة بالأقسام الثانوية. في الحقيقة أنني لم آت من الفلسفة إلى الأدب، بل أتيت إلى الفلسفة من الأدب، وعدت من الفلسفة إلى الأدب. ودائما كنت أشعر بهذه المفارقة بين انفلات الجملة الشعرية وصرامة الفكرة الفلسفية، وهذه المفارقة تخترق رؤيتي للعالم، وتخترق كل وجداني، بين سحرية الخوارق التي كانت تنقلها إلي محكيات أمي وعواجز العائلة، والتي لا تعترف بصرامة المنطق وسلطة العقل ونحت المفاهيم وتماسك الأفكار، وبين عقلانية رجل الفلسفة الذي يصدر عن تاريخ عقلاني طويل تعوّد فيه على ربط النتيجة بالسبب، ونسف التمثلات الاجتماعية وأوهام الدوكسا، وإيجاد مبرر أخلاقي صارم لكل فعل اتجاه نفسي واتجاه الآخرين. هذه الثنائية تكاد تشبه إبداع لاعب كرة قدم، يجب عليه إخضاع سحره الكروي لخطط المدرب الصارمة التي تدرب عليها قبل المباراة بكل جدية. يجب على اللاعب أن يبدع داخل رقعة الملعب حين تستعصي خطط المدرب في اللحظات الصعبة. هنا دور الحدس الخلاق الذي يتمتع به اللاعب من خلال حركة أو مراوغة أو فتحة تقلب المباراة في لحظة مباغتة. إذن حين نشاهد مباراة كرة قدم، فنحن نستمتع بمهارة المدرب الفكرية في تسيير المباراة، مثلما نستمتع بإبداع اللاعب المهاري الذي يحدس الهدف قبل تسجيله. إننا نملك من الذكاء ما يجعلنا نميز بين مباراة ثقيلة بانضباطها التكتيكي، ومباراة مزاجية خالية من أي تخطيط. هكذا أرى القصيدة، وخصوصا الرواية، إنها هارمونيا لا يمكن الفصل فيها بين المنطق والحدس. فالروائي يجهل ما سيأتي من الأحداث، لأن أي لحظة حدسية مارقة يمكن أن تقلب تماما ما كان قد خطط له، كما أن الرواية ليست فجة وخالية من كل تخطيط ومنطق.
* في ديوانك "كنت أهيئ صمت الانتظار"، بدا الصمت كأنه البطل المعلن، الخفي. بعد كل هذه السنوات من الكتابة والنشر والجدل، ما الذي ما زال عبد الحميد شوقي ينتظره؟ وهل خذلك النص الأدبي أم أنقذك من عبثية الوجود؟
كان هذا ديواني الأول، وقد صدر سنة 2009، وعنوان الديوان هو جواب عن سؤال صامت، كنت أفترض أن أصدقائي كانوا يطرحونه علي: ماذا كنت تفعل طوال السنوات الماضية؟ وكان جوابي هو: كنت أهيئ صمت الانتظار. لم يكن هذا الصمت فشلا للكلام، ولا عجزا عن الكتابة، بل كان زهدا إبداعيا كنت فيه غارقا في حوار باطني بيني وبين ذاتي، وكان جوهر الحوار يدور حول عدم قناعتي الشخصية بكل ما كتبت إلى حدود نشر الديوان. كان العمر يمضي والزمان يمر والآخرون يحتلون مواقعهم في الأغورا الأدبية المغربية، وأنا ما زلت خارج المدينة الشعرية، أراوح الخطو، وأبحث عن لغة تحمل مزامير صمتي بعدما أصبح لدي يقين ذاتي أن على صمتي أن يخرج من انتظاره نحو التواجد الفعلي. وكما أشرتِ، كان الصمت هو البطل المعلن، الخفي، والصوت المثقل بضجيج الكلام الصامت. لكنني، كأي مبدع، ما زلت أنتظر النص الشعري الذي تمنيت أن أكتبه، وما زلت أنتظر النص الروائي الذي خططت لهندسته حتى قبل نشر "سدوم" بسنوات. وسأظل أنتظر وأنتظر، لأن الانتظار اعتراف بنقص النص كشرط لإبداع العمل الأدبي. لا أزعم أن النص الأدبي خذلني ولا طمأنني ولا أنقذني من عبثية الوجود، بل أقول إنني أكتب، لأن هذا قدري دون أن أفترض أية غائية من وراء هذا القدر، شبيها بالشعاع الذي ينتشر في دقائق معدودة دون أن يتساءل عن أية غائية من وراء انتشاره. إنه ينتشر، يضيء، وسيظل ينتشر ويضيء، وكفى.
"يتبع" الجزء 2
هامش على المتن
*عبد الحميد شوقي... كيف تعرّف نفسك الآن أمام مرآة الوجود؟
مجرد ذرة تمثل منتهى الكون ومبتداه.
*تيفلت (مسقط رأسك) فهل هي ملهمتك الأولى التي تمدك بـ "متاهات برائحة الفجر"؟
تيفلت (وهي مشتقة من الفلفل حسب النطق الأمازيغي) هي حلمة الأم التي تباعدت عن حليبها بكل قساوة، لأكون أنا، ولأتيه بعيدا في بحث عن رائحة تذكرني بالفجر.
*هل الرقابة هي عدو المبدع أم المحفز غير المباشر لذكائه؟
الرقابة هي "الأنا الأعلى" الذي يدفع "الأنا" إلى المكر مع "الهو"، كي يفجر الطفل طاقاته الإبداعية من أجل تجاوز "الإحباط".
*لو خيّرت بين الشعر والرواية... ماذا ستختار؟
كما لو أنك تضعيني في إحراج الاختيار بين عيني اليمنى أو عيني اليسرى.
*أعجبت كثيرا برواية أميرة غنيم "نازلة دار الأكابر"، كما قرأت الحبيب السالمي وحسونة المصباحي وشكري المبخوت..
*لا أزعم أن النص الأدبي خذلني ولا طمأنني ولا أنقذني من عبثية الوجود، بل أقول إنني أكتب، لأن هذا قدري….
*"الرقمي" أزاح من الطريق سلطة "الإكليروس الثقافي" الممثل في كبار الناشرين والنقاد والمتنفذين الأدبيين
*ما زلت أنتظر النص الشعري الذي تمنيت أن أكتبه، وما زلت أنتظر النص الروائي الذي خططت لهندسته حتى قبل نشر "سدوم" بسنوات. وسأظل أنتظر وأنتظر...