قصص تحمل رؤية فكرية وتربوية متكاملة يشقها عصب المسألة البيئية التي يراهن عليها القاص ضمن أولويات التثقيف الذي يجب أن يصاحب الطفل في هذه السن الحرجة .
وها هي قصة " جوّاب" تستدعي معجما طبيعيا وبيئيا أغنى السردية ومنها النهر والفضاء والفراخ والجو والأجنحة و الخطاطيف والبيت الطيني مع توصيف ونعت
العديد منهم كالمنقار الذهبي والعنق الناعم واللقمة السائغةوالزهور اليانعة والأوراق المخملية وأمواج الأصيل الحالم والزقزقات والصباحات والأصائل بهدف تقريب عالم الطبيعة والبيئة من الطفولة قصد ربط علاقة تفاعلية تبدأ بالمعرفة التي تلامس خفايا هذه الكنوز ومنها النباتات والحيوانات وفهم تكاثرهم والتنوع والمساهمة في السلسلة الغذائية وغيرها ليمر بعد ذلك للمشاهد والمتعة والاستثمار .
وركز النص في علاقة البنت بجواب من خلال ثلاثة زوايا وأبواب أولها المشاهدة كما قال النص" ومرت الأيام وسلمى تراقب كيف يؤثث جواب و خليلته البيت بالريش الناعم والأوراق المخملية وخصال الصوف الشفافة " و تسترق سلمى النظر إلى بيض جمانه ومتابعتها لتدريبات الفراخعلى الطيران ومراقبة عودة الخطاطيف في فصل الربيع .الباب الثاني المساعدة فقد جمعت الفتاة الماء والطين والقش كي يستعين بهم الخطاف في تحضيره بيته والزاوية الثالثة هي التفاعل الوجداني والنفسي والذي مر بمرحلتين فأكثر أولها فرحة سلمى بقدوم الطائر ثانيا حزن سلمى لأنه لم يستعن على بناء عشه بالماء والطين والقش الذي اجتهدت الفتاة في تحضيره ثم فرحة ثانية بقدوم جمانة ولحظات وأيام وهي تراقب سعيدة هذه الحياة والفراخ والطيران حتى جاءت فقرة القلق والحزن والدموع والدموع وعبر النص على هذه الحالة قائلا:" كان خفقان قلبها يكاد يخلع أضلعها وكانت غصة في نفسها يمنع عنها التعبير في مصابها"
كما قدم النص تفاصيل عيش هذا الحيوان اللطيف في طريقة بناء عشه والفراخ والطيران والتغذية وأيضا هو حيوان مهاجر "انه طائر مهاجر لا يفتأ أن يغادرنا بعد أسابيع معدودات" وهي فرصة أيضا لاستثمار القصة عبر البحث عن بقية الحيوانات المهاجرة بمدن الأطفال ولماذا تهاجر؟ وما هي المدينة الأخرى التي سيستقر فيها بقيةالسنة؟
وقدم النص علاقة أخرى بهذا الحيوان اللطيف هي علاقةالأم رغم فرحها بقدومه لكنها ذكرت ما يسببه هذا العصفور قائلة:" ما تغافلت عنه يا سلمى ولكنني سئمت تنظيف الشرفة كل يوم من ذرق الخطاطيف ومن أتربتها وقشها المتطاير في كل فضاءات المنزل "
واستطاعت هذه السردية الجميلة والموجهة تمرير عده رسائل ومعارف أخلاقية وتربوية وحياتية كالتذكير بعظمة الخالق الذي أودع أسراره في هذه الكائنات اللطيفة والصغيرة وفي غيره من الحيوانات والنباتات وحنان وعطف جمانة وجواب في علاقتهما بالفراخ وهو درس تتقاطع فيه مع العائلةالبشرية يقول النص مبرزا التضحية وروح العطاء" ازدحم البيت بساكنيه وصارت جمانة تستقل صهوة الفانوس الكهربائي ليلا تاركة فضاء البيت لفراخها وسار جواب يبيت على السلك الكهربائي حارسا فلذات كبده من غدر الأيام وتقلب الأحوال "
كما قدم درس آخر مهم الاعتماد على الذات الذي فهمته الأم وقدرته في فاصلة تحضير الماء والطين والقش في حين حزنت سلمى هنا قال النص " ثم إنه يخشى إن هو لم يشق في استجلاب الطين والقش بنفسه ويجهد لتحصيلهأن يدب في طبعه الكسل ويستسلم للراحة والخمول فيترهل جسمه الرشيق وتثقل أجنحته ويفقد مهارته فعمله وكده وشقاؤه علة وجوده وسبب عافيته وأصل رشاقته ومهارته"
إن نص" جواب" قدم سردية جميلة ساهم في تميزها اللغة والمفردات التي ستدعم رصيد الطفل اللغوي مع مجموع الأفكار واللحظات الوجودية والوجدانية والمعارف التي صاحبت هذه السردية والرسائل وما خلفها.
بقلم: طارق العمراوي