الذكاء الاصطناعي.. أكثر من 200 مؤسسة في تونس: منظومة ناشئة تبحث عن موقعها في الاقتصاد الرقمي

يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في البلاد خلال

السنوات الأخيرة تحولا تدريجيا من مجال يرتبط أساسا بالبحث العلمي والتكوين الأكاديمي إلى أحد المكونات الصاعدة للاقتصاد الرقمي، وقد بدأت ملامح منظومة جديدة تتشكل حول الشركات الناشئة والمؤسسات التكنولوجية ومراكز البحث والجامعات، بالتوازي مع تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات وتوسع الاهتمام الرسمي بتطوير هذا القطاع.

تشير المعطيات المتداولة حول منظومة الشركات الناشئة في تونس إلى حضور متنام للذكاء الاصطناعي داخل النسيج التكنولوجي الوطني، وقد أشارت معطيات رسمية إلى أن أكثر من ألف شركة ناشئة تنشط في البلاد، وأن أكثر من 200 شركة منها تعتمد الذكاء الاصطناعي بدرجات مختلفة في الحلول والخدمات التي تقدمها، ويعكس هذا الرقم اتساع دائرة استخدام التكنولوجيا، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع هذه المؤسسات متخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي، إذ يشمل أيضا شركات تدمج هذه التقنيات ضمن منتجاتها أو عملياتها.

تونس في المنافسة الإفريقية

تكشف الأرقام عن توسع تدريجي لحضور الذكاء الاصطناعي داخل منظومة الشركات الناشئة في البلاد، إذ تشير معطيات رسمية إلى أن 211 شركة من أصل 1043 شركة ناشئة تعتمد الذكاء الاصطناعي في الحلول أو الخدمات التي تقدمها، أي ما يقارب 23 بالمائة من إجمالي الشركات. وفي المقابل، تقدم البيانات الخاصة بالشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي صورة أكثر تحديدا،  إذ أحصت دراسة حديثة 207 شركات ناشئة إفريقية متخصصة في المجال موزعة على 17 دولة، جاءت تونس في المرتبة السادسة إفريقيا بـ11 شركة، خلف نيجيريا بـ50 شركة، وجنوب أفريقيا بـ49، وكينيا بـ31، وغانا بـ13، وبالتساوي مع مصر بـ11 شركة. وتعكس هذه الأرقام اختلافا في منهجية الإحصاء بين الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والشركات التي تتخصص في تطويره، لكنها تؤكد في الحالتين أن التكنولوجيا أصبحت جزءا متناميا من النسيج الاقتصادي والتكنولوجي الوطني.

تحول من البحث العلمي إلى النشاط الاقتصادي

لم يأت هذا التطور بشكل مفاجئ، حيث بدأت البلاد منذ سنة 2018 في وضع أسس إستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، في إطار رؤية أوسع للتحول الرقمي ودعم الابتكار والبحث العلمي، وركزت هذه المقاربة على تطوير استخدام البيانات ودعم البحث والابتكار وتشجيع المؤسسات على إدماج التقنيات الذكية في أنشطتها إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في قطاعات ذات أهمية مباشرة للمواطن والاقتصاد. ولم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي حكرا على الشركات التكنولوجية، فقد بدأت مؤسسات من قطاعات مختلفة في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن أنشطتها اليومية، ويظهر ذلك خصوصا في إنشاء المحتوى والبحث عن المعلومات وتحليل الوثائق ودعم فرق البرمجة وخدمة الحرفاء. ويعتبر المساعد الرقمي من أكثر التطبيقات انتشارا، حيث يمكن للمؤسسات استخدامه للرد على الاستفسارات وتقديم الدعم الفني واستخراج المعلومات من قواعد البيانات ومساعدة الموظفين على تنفيذ عدد من المهام. ومن المتوقع أن يتوسع هذا الاستخدام تدريجيا مع انخفاض كلفة بعض أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة دمجها في البرمجيات الموجودة.

الذكاء الاصطناعي يدخل القطاعات

يعتبر القطاع المالي من أكثر المجالات استعدادا لتوظيف الذكاء الاصطناعي، بسبب البيانات الكبيرة التي ينتجها يوميا. ويمكن استخدام الأنظمة الذكية في معالجة الوثائق وتحليل المعاملات والكشف عن الأنماط غير العادية وأتمتة بعض العمليات وتحسين إدارة المصاريف ودعم اتخاذ القرار. كما يمكن أن تستفيد شركات التكنولوجيا المالية من الذكاء الاصطناعي في تطوير خدمات جديدة تستجيب بشكل أسرع لاحتياجات المستخدمين، غير أن هذا التوسع يفرض في المقابل متطلبات أكبر تتعلق بحماية البيانات والأمن السيبرني والامتثال للقواعد التنظيمية. بدوره يستفيد القطاع الصحي بصورة كبيرة من الذكاء الاصطناعي، سواء في تحليل الصور الطبية أو تنظيم المعلومات أو دعم الأطباء والباحثين في معالجة كميات كبيرة من البيانات. كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين إدارة المؤسسات الصحية وتسهيل الوصول إلى المعلومات الطبية وتحليل المعطيات الصحية.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يلعب دورا متزايدا في معالجة عدد من التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي، ومن بين الاستخدامات الممكنة تحليل صور المحاصيل واكتشاف الأمراض وتحسين الري وتحليل خصائص التربة والتنبؤ بالإنتاج ومراقبة الأراضي بواسطة الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة. وتكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالمياه والتغيرات المناخية وارتفاع الحاجة إلى تحسين الإنتاجية. هذا ويشكل التصنيع مجالا آخر يمكن أن يستفيد من انتشار الأنظمة الذكية، فقد أصبحت تقنيات الرؤية الحاسوبية والأتمتة وتحليل البيانات قادرة على دعم مراقبة خطوط الإنتاج واكتشاف العيوب والتنبؤ بالأعطال وتحسين العمليات الصناعية.

الكفاءات البشرية.. أهم نقاط القوة

تمتلك تونس قاعدة مهمة من المهندسين والباحثين والمتخصصين في علوم الحاسوب والرياضيات والهندسة. وقد ساهمت الجامعات ومدارس الهندسة ومؤسسات التكوين الخاصة في توفير أعداد متزايدة من المختصين في علوم البيانات والتعلم الآلي والبرمجة. وتظهر أهمية هذه الكفاءات في قدرة بعض المشاريع التي انطلقت من تونس على الوصول إلى الأسواق الدولية والعمل مع مؤسسات عالمية. هذا وتكشف المعطيات القارية أن تونس أصبحت جزءا من مشهد الشركات الناشئة الإفريقية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. ووفق بيانات حديثة حول الشركات الناشئة في هذا المجال، تم إحصاء 207 شركات في 17 دولة إفريقية، مع وجود 11 شركة مصنفة ضمن هذا المشهد في البلاد. وتظهر هذه الأرقام اختلافًا واضحا بين الأسواق الإفريقية، إذ تتركز أعداد أكبر من الشركات في دول مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا، بينما توجد أسواق أخرى في مراحل أقل تقدما. ومع ذلك، فإن أهمية تونس لا ترتبط فقط بالعدد، وإنما أيضا بوجود قاعدة من الكفاءات والخبرة في البرمجيات والبحث العلمي إضافة إلى قربها من السوق الأوروبية وارتباطها بالأسواق المغاربية والإفريقية.

تواصل تونس في 2026 العمل على ملفات مرتبطة بالتحول الرقمي وتحديث الإدارة وتطوير البنية التحتية وتعزيز الأمن السيبرني، بالتوازي مع استكمال تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، لكن نجاح هذه السياسات لن يقاس بعدد الاستراتيجيات أو البرامج المعلنة، وإنما بما ستنتجه على أرض الواقع، والسؤال الأساسي هو، هل ستتمكن تونس من تحويل السياسات الرقمية إلى شركات جديدة؟ .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115