من التصعيد في خطابه ومواقفه تجاه السلطة، وذلك خلال انعقاد الهيئة الإدارية الوطنية أمس الأربعاء 9 سبتمبر الجاري، في اجتماع يأتي في ظرف وصفه الأمين العام للاتحاد، صلاح الدين السالمي، بـ"المتأزم والخطير"، مؤكدا أن المنظمة لم تعد تنتظر فتح أي حوار مع السلطة الحالية.
وشكلت كلمة الأمين العام في افتتاح أشغال الهيئة الإدارية مؤشرا واضحا على طبيعة المرحلة المقبلة، بعدما أعلن أن كل الأشكال النضالية أصبحت مطروحة، بما في ذلك خيار الإضراب العام، إلى جانب الإعلان عن التحضير لمسيرة وطنية مشتركة مع مكونات المجتمع المدني، حيث شدد على أن الوضع الحالي في البلاد أصبح "متأزما وخطيرا"، معتبرا أن كل الأبواب باتت مسدودة، مؤكدا في كلمته أن البلاد تجاوزت مرحلة غياب الحوار الاجتماعي لتدخل مرحلة الغياب الكامل للحوار مع مختلف الأطراف ومكونات المجتمع، في ظل ما وصفه بـ"هجمة السلطة على كل القطاعات والأطراف".
السالمي: لا ننتظر حوارا مع السلطة
اعتبر الأمين العام أن السلطة اختارت "صد الأبواب"، وهو ما يستوجب، وفق موقف الاتحاد، توحيد جهود مكونات المجتمع المدني المناضل والمستقل للدفاع عن الوطن والحريات وحرية التعبير وحرية التنظيم. وجدد السالمي التأكيد على أن الاتحاد لم يعد ينتظر أي حوار مع السلطة الحالية، معتبرا أن التطورات الأخيرة أظهرت عجز الحكومة عن معالجة عدد من الملفات الوطنية، فضلا عن تسببها في أزمات داخل عدد من القطاعات. وأكد، وفق ما نقله موقع "الشعب نيوز" أن المرحلة المقبلة تتطلب وحدة بين المنظمات المستقلة، مشددا على ضرورة استمرار المشاورات مع بقية مكونات المجتمع المدني من أجل مواجهة ما يعتبره الاتحاد سياسة تستهدف مكاسب البلاد.
مسيرة وطنية بمشاركة مكونات المجتمع المدني
من أبرز الإعلانات التي حملتها كلمة الأمين العام خلال افتتاح الهيئة الإدارية الوطنية، الإعلان عن تنظيم مسيرة وطنية بمشاركة مكونات المجتمع المدني. وأوضح السالمي أن موعد المسيرة سيتم تحديده بالتنسيق مع شركاء الاتحاد من مكونات المجتمع المدني، بما يشير إلى أن التحرك المرتقب لن يكون ذا طابع نقابي صرف، وإنما سيأخذ بعدا مدنيا أوسع. ويأتي هذا الإعلان في سياق الإطار التنسيقي الذي بدأ يتشكل بين الاتحاد والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، مع إمكانية انضمام مكونات أخرى إلى هذا المسار. وكانت المنظمات الثلاث قد أعلنت يوم 3 سبتمبر الجاري إطلاق إطار تنسيقي مشترك تحت شعار "تونس أولا والشعب فوق كل اعتبار". ويهدف الإطار، وفق ما أعلنته الأطراف المشاركة فيه، إلى تنسيق المواقف والدفاع عن الحقوق والحريات والمكاسب الاجتماعية، في ظل ما تعتبره أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وحقوقية عميقة. ويبدو أن إعلان تنظيم مسيرة وطنية مشتركة يمثل أولى الخطوات العملية لترجمة هذا التنسيق إلى تحرك ميداني، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحراك المدني والنقابي.
ولم يقتصر خطاب الأمين العام على الملفات الاجتماعية والنقابية، إذ دعا كذلك إلى الإسراع بإنشاء المحكمة الدستورية وضمان استقلالية القضاء. وتندرج هذه المطالب ضمن الرؤية الأوسع التي يطرحها الاتحاد بشأن مستقبل المؤسسات والدولة والقانون، خاصة في ظل انتقادات المنظمة وعدد من مكونات المجتمع المدني للوضع السياسي والحقوقي. وبذلك يتجه الخطاب النقابي نحو الربط بين الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وبين الدفاع عن المؤسسات والحريات العامة.
الإضراب العام.. كل الاحتمالات مطروحة
وكان ملف الإضراب العام من أبرز النقاط التي طغت على أجواء اجتماع الهيئة الإدارية الوطنية. وفي كلمته، أكد السالمي أن كل الأشكال النضالية "مطروحة ومشروعة" أمام القطاعات والهياكل دفاعا عن المنظمة وعن البلاد، مشددا على أن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة، ومن بينها خيار الإضراب العام، غير أن الأمين العام لم يعلن خلال كلمته عن موعد محدد للإضراب، وإنما دعا الهياكل النقابية إلى الاستعداد لهذا الخيار من خلال عقد الاجتماعات الجهوية والإقليمية والقطاعية ويعني ذلك أن خيار الإضراب العام انتقل إلى مرحلة الاستعداد والتعبئة، دون أن يعني بالضرورة أن موعد التنفيذ قد حسم نهائيا.
دعوة السالمي الهياكل النقابية إلى عقد اجتماعات جهوية وإقليمية وقطاعية تعكس رغبة القيادة في إعداد القواعد لمختلف السيناريوهات المقبلة، ويأتي ذلك في أعقاب سلسلة من التحركات والإضرابات التي شهدتها قطاعات مختلفة، والتي أشاد بها الأمين العام خلال كلمته. كما أن توسيع المشاورات على المستوى الجهوي والقطاعي يمكن أن يكون مقدمة لاتخاذ قرارات أكثر تصعيدا، خاصة إذا ما استمرت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في التدهور وفق تقييم الاتحاد. كما حيا السالمي خلال كلمته القطاعات التي نفذت إضرابات وتحركات نقابية، مشيرا بالخصوص إلى المناجم والبنوك إضافة إلى تحركات قطاعات التعليم دفاعا عن الحق النقابي. واعتبر أن هذه التحركات تمثل، من وجهة نظر المنظمة، دفاعا عن المكاسب التي حققتها القطاعات على امتداد عقود، وتصديا لما يراه الاتحاد استهدافا للعمل النقابي. ويأتي ذلك في إطار محاولة القيادة النقابية رفع مستوى التعبئة داخل القطاعات وربط التحركات المهنية بالمعركة الأوسع التي تخوضها المنظمة دفاعا عن الحق النقابي ومكاسب العمال.
الاتحاد يستعيد خطاب التصعيد
وأكد السالمي أن خطاب المكتب التنفيذي الوطني اتسم بالوضوح في مختلف المحطات الأخيرة، مشيرا إلى كلمة الاتحاد في منظمة العمل الدولية، وبيان 25 جويلية، إلى جانب إحياء ذكرى أحداث 5 أوت. وقال إن موقف المنظمة كان واضحا تجاه السلطة وتجاه الملفات الوطنية التي وصفها بالحارقة والخطيرة، مؤكدا أن الاتحاد لا ينتظر أي إشارة أو محاولة لفتح باب الحوار، باعتبار أن السلطة، اختارت "سد الأبواب". ويكشف هذا الموقف عن تحول واضح في خطاب القيادة النقابية، من محاولة الضغط من أجل الحوار إلى التأكيد على أن مرحلة الحوار مع السلطة لم تعد مطروحة بالنسبة إلى الاتحاد. وانعقدت الهيئة الإدارية الوطنية في ظل استمرار جملة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي يضعها الاتحاد في مقدمة اهتماماته. وتتعلق أبرز الملفات بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية ونقص بعض المواد الأساسية والأدوية فضلا عن اضطرابات التزويد بالماء والكهرباء إلى جانب ما تعتبره المنظمة تضييقا على العمل النقابي. وتسعى القيادة النقابية إلى تحويل هذه الملفات إلى أرضية للتحرك الجماعي خاصة أن تأثيرها يتجاوز العمال إلى قطاعات واسعة من المجتمع.
وبالتوازي مع الملفات الوطنية، يواجه الاتحاد عددا من التحديات الداخلية من بينها الوضع المالي للمنظمة والعلاقة بين المركزية والهياكل الجهوية والقطاعية إضافة إلى ملف المؤتمرات الجهوية، وتأتي هذه الملفات في وقت تحتاج فيه القيادة النقابية إلى قدر كبير من الانسجام الداخلي استعدادا لأي تحرك وطني واسع.
5 ديسمبر.. محطة نقابية جديدة
وفي سياق الاستعداد للمحطات المقبلة، دعا السالمي النقابيين والنقابيات إلى الاستعداد منذ الآن لإحياء ذكرى اغتيال الزعيم الوطني والنقابي فرحات حشاد يوم 5 ديسمبر المقبل، وأكد ضرورة إنجاح المسيرة النقابية التي ستنتظم هذه السنة في هذه المناسبة، وتكتسي هذه المحطة أهمية رمزية كبيرة بالنسبة إلى الاتحاد، وقد تتحول في ظل المناخ الحالي إلى مناسبة لتجميع القواعد النقابية والتعبير عن مواقف المنظمة بشأن عدد من الملفات الوطنية.
يبدو أن اجتماع الهيئة الإدارية الوطنية أمس قد تبنى خطابا أكثر وضوحا في مواجهة السلطة، عنوانه الأساسي أن الاتحاد لم يعد ينتظر الحوار وأن المرحلة المقبلة تتطلب توحيد صفوف النقابيين ومكونات المجتمع المدني المستقل، وبين الإعلان عن مسيرة وطنية مشتركة والدعوة إلى الاستعداد لمختلف الأشكال النضالية ووضع خيار الإضراب العام على الطاولة، تبدو المنظمة الشغيلة بصدد الإعداد لمرحلة تصعيدية جديدة، لكن نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة القيادة على التعبئة الفعلية وتوسيع دائرة التنسيق مع بقية مكونات المجتمع المدني والأهم من كل ذلك حسم ملفاتها وخلافاتها الداخلية التي مازالت متواصلة حتى بعد انعقاد المؤتمر.