الجزائر تقطع علاقاتها مع الإمارات أبعاد وتداعيات تصدّع الدبلوماسية الثنائية

شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية  منعطفا

حادا بإعلان الجزائر  أمس قطع علاقاتها الدبلوماسية الكلية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ومنح سفيرها مهلة 48 ساعة للمغادرة. جاء هذا القرار بعد توتر صامت شاب العلاقات بين البلدين على خلفية عديد الملفات الشائكة والحساسة  وتحديدا مع تباين المواقف حيال ملفات إقليمية كبرى ترى فيها الجزائر تأثيرا مباشرا على أمنها القومي  وفي مقدمتها أزمات منطقة الساحل الافريقي وليبيا والموقف الاماراتي من قضية الصحراء الغربية. وفي المقابل، جاء الرد الإماراتي عبر المستشار الرئاسي أنور قرقاش ليؤكد أن الدبلوماسية الناجحة تُدار بوضوح المصالح وحسن إدارة الاختلافات، مما يعكس بدوره حجم التباين في الرؤى السياسية للبلدين.  وأضاف أن العلاقات "لا يمكن أن تكون رهينة احتقان داخلي أو عجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات"، وفق تعبيره.

واتهمت الجزائر الإمارات بالإقدام على ما وصفتها بـ"تصرفات استفزازية أو عدائية" قائلة إن الجزائر "تحلت بقدر كبير من ضبط النفس وبحس عال من المسؤولية".

ولا تقتصر الأزمة على الجانب الدبلوماسي أو التباين السياسي، بل سبقتها إجراءات تصعيدية عملية مهدت لهذه القطيعة، تمثلت في إلغاء اتفاقيات النقل الجوي، وتصريحات رئاسية عالية النبرة تلمح لتوترات عميقة، وصولا إلى الأزمات الإعلامية المتبادلة.

وتستند القطيعة الدبلوماسية الرسمية التي أعلنتها الجزائر ضد دولة الإمارات العربية المتحدة إلى حزمة من الملفات الاستراتيجية والجيوسياسية المتراكمة، والتي وثقتها تصريحات رسمية وإجراءات عملية متبادلة على مدار السنوات الثلاث الماضية. فهناك  تضارب جلي وواضح في الأجندات في ملفات الساحل الإفريقي وليبيا . اذ تنظر الجزائر بريبة شديدة إلى الحضور الدبلوماسي والاقتصادي والأمني المتنامي لأبوظبي في مناطق تعتبرها الجزائر جزءا أساسيا من أمنها القومي، لا سيما في دول الساحل الإفريقي وليبيا.

وليس أدلّ على ذلك من تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الصريحة في مارس 2024 والتي أكد فيها أن "أموال هذه الدولة موجودة في كل الأماكن التي فيها تناحر"، وتحديدا في بؤر التوتر كالسودان وليبيا، بالإضافة إلى اتهام الجزائر لأبوظبي بدعم أطراف إقليمية ومجلس عسكري حاكم في مالي على حساب الدور الجزائري.

وفيما يتعلق بالتقارب الإماراتي-المغربي وملف الصحراء الغربية  ، يبدو ان هذا الملف أثار انزعاجا عميقا لدى الساسة الجزائريين،  فافتتاح الإمارات لقنصلية لها في الصحراء الغربية قبل أعوام ، اعتبرته الجزائر  آنذاك مساسا مباشرا بموقفها الثابت من القضية. كما ان هناك رفضا جزائريا قاطعا لمسار التطبيع الإبراهيمي الذي كانت الإمارات أبرز عرّابيه وفاعليه في المنطقة.

كما تتهم الجزائر أبوظبي بمحاولة التأثير على الاستحقاقات السياسية الداخلية في الجزائر وعلاقاتها مع محيطها المغاربي .  فقد أشار الرئيس تبون في فيفري الماضي -دون تسمية الإمارات حرفيا في البداية ولكن في سياق تقارير متطابقة- إلى أن "دولة خليجية حاولت التدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية"، ملوحا بأن "علاقات الجزائر مع دول الخليج ممتازة باستثناء دولة واحدة أثرها سلبي جداً وأينما تحل يُسفك الدم".

وبلغ التوتر ذروته مع   التصريح الحاسم للرئيس تبون في ماي الماضي  عقب انسحاب الإمارات من منظمة "أوبك+"  حين قال تبون: "انتهى الخطاب وطوي الكتاب معهم، الشامي شامي والبغدادي بغدادي"، إيذانا بنهاية أي أفق للتقارب السياسي. وقد تعمّد تبون حصر الثقل العربي داخل "أوبك" في الرياض والجزائر. ووفقا لما نقله موقع الجزائر 24، حظي هذا الموقف بترحيب واحتفاء واسعين في الأوساط السعودية والإقليمية.

وكان هذا التوتر الذي بدأ صراحة منذ أكثر من ثلاث سنوات، قد انعكس في وسائل الاعلام التابعة لكلا البلدين فقد شن التلفزيون الرسمي الجزائري في ماي 2025 هجوما ضد قناة "سكاي نيوز عربية" الإماراتية إثر بثها لبرنامج اعتبرته الجزائر "تصعيدا إعلاميا خطيرا واستهدافا لثوابت الشعب الجزائري"، تلاه لاحقا خطوات عملية صارمة تمثلت في إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية بين البلدين مطلع عام 2026 وصولا إلى قرار القطيعة النهائية وإمهال السفير 48 ساعة للمغادرة.

على خط الارتباط الاقتصادي، شكلت الاستثمارات الإماراتية ركيزة هامة لفترات طويلة، حيث تُقدر التقارير تدفقات الاستثمارات الإماراتية التراكمية في الجزائر بمستويات متباينة تراوحت تاريخيا بين عدة مليارات لتصل نحو 5.9 مليار دولار في فترات ذروة التعاون . اما في الوقت الراهن ، تُقدر بعض القراءات الصحافية الحديثة الحجم الفعلي المباشر المتبقي بما بين 600 إلى 650 مليون دولار في ظل تراجع وتجميد العديد من المشاريع الكبرى، مثل صفقات الصناعة العسكرية ، واتفاقيات النقل الاستراتيجية، والمشاريع الزراعية المتعثرة. وعلى صعيد العنصر البشري، يُقدر عدد أفراد الجالية الجزائرية المقيمة في دولة الإمارات بحوالي 30 ألف مواطن يتركز معظمهم في دبي وفقا لموقع النهار نيوز الجزائري .

وفي ظل هذه القطيعة، تتجه الجزائر لتعويض غياب الشراكات الإماراتية عبر إعادة توجيه بوصلتها الاقتصادية نحو تنشيط التعاون مع قوى دولية وإقليمية بديلة تبدي اهتماما متسارعا بالسوق الجزائرية، مثل تركيا  والصين وإيطاليا وقطر. كما تعتمد الجزائر بشكل متزايد على تفعيل قانون الاستثمار الجديد لتحفيز رأس المال الوطني وتطوير الصناعات والمشاريع الكبرى محليا بديلة للاستثمارات الأجنبية المتضررة من التقلبات السياسية.

واليوم فان انهيار جسور التواصل الثنائي يرسخ واقعا جديدا في مسار العلاقات الإماراتية  الجزائرية ويبقى التساؤل مطروحا عما إذا كانت الجهود الدبلوماسية المستقبلية ستنجح في رأب الصدع، أم أن الأمور قد استقرت نهائيا عند محطة القطيعة التامة وما ستكون تداعيات هذا الصدع على العلاقات العربية ككل .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115