محمد اليوسفي، شهد مقر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين حراكا لافتا جمع بين التضامن مع الصحفيين الذين يواجهون التتبعات والإيقافات، والتشاور حول واقع الحريات، وصولا إلى البحث في إمكانات تنسيق أوسع بين قوى نقابية ومدنية وحقوقية واجتماعية.
ففي الوقت الذي قرر فيه قاضي التحقيق لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي تمديد الاحتفاظ بمحمد اليوسفي لمدة 48 ساعة، وفق ما صرح به عضو هيئة الدفاع عنه بسام الطريفي، كان مقر نقابة الصحفيين يستقبل وفودا تمثل الاتحاد العام التونسي للشغل وعددا من المنظمات والقوى المدنية، تزامن التطوران ليضعا ملف حرية الصحافة في قلب نقاش أوسع، هل يتعلق الأمر فقط بالدفاع عن الصحفيين، أم أن المرحلة تفرض بناء جبهة مدنية واجتماعية أوسع للدفاع عن منظومة الحقوق والحريات ومواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟.
لقاء النقابة واتحاد الشغل
استقبل نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار، مرفوقا بعضوة المكتب التنفيذي للنقابة جيهان اللواتي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل صلاح الدين السالمي، مرفوقا بالأمين العام المساعد سليم البوزيدي. وكان اللقاء مناسبة لإعلان التضامن مع النقابة والصحفيين الذين يواجهون الإيقافات والتتبعات القضائية على خلفية ممارستهم لمهنتهم، في سياق تصاعد الجدل حول واقع حرية الصحافة والتعبير. ولم يتوقف النقاش عند حدود الملف الصحفي، إذ امتد إلى الوضع العام في البلاد، في ظل تداخل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية مع النقاش حول الحريات العامة والفردية، وما تفرضه المرحلة من مسؤوليات على المنظمات والقوى المدنية والاجتماعية.
بعد اللقاء مع قيادة اتحاد الشغل، استقبلت النقابة وفدا من القوى المدنية ضم الكاتب العام لمنظمة الأطباء الشبان بهاء الدين الرابعي، والأمين العام لاتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل شريف الخرايفي ورئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي وممثلة جمعية النساء الديمقراطيات أحلام بوسروال، التركيبة المتنوعة للوفد عكست طبيعة الملفات التي طُرحت على الطاولة، فالحديث لم يقتصر على الصحافة والحريات، وإنما شمل أيضا البطالة، وخاصة وضع أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل وتراجع الخدمات العمومية والأزمة التي يعيشها قطاع الصحة العمومية، وهو ما أعطى للقاء بعدا مختلفا وهو البحث عن نقاط التقاطع بين مطالب القطاعات المختلفة، بدل إبقاء كل ملف محصورا داخل إطاره المهني أو القطاعي.
"تشبيك النضالات".. العنوان الجديد للمرحلة القادمة
المشاركون في اللقاء اعتبروا أن الملفات المطروحة ليست منفصلة وأنها تعكس من وجهة نظرهم، أزمة هيكلية وبنيوية تتطلب مقاربة جماعية، ومن هنا برز مفهوم "تشبيك النضالات"، والمقصود ليس بالضرورة دمج كل التحركات في تحرك واحد، وإنما خلق مساحات تنسيق وتضامن تسمح للقوى الاجتماعية والمدنية بالتفاعل مع القضايا المشتركة، فمعركة حرية الصحافة، وفق هذا التصور، لا تنفصل عن حرية التعبير والتنظيم، والدفاع عن أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل يتصل بالحق في التشغيل، فيما ترتبط أزمة الصحة العمومية بالحق في خدمة عمومية تضمن العلاج والرعاية وبذلك يصبح القاسم المشترك هو الدفاع عن الحقوق، لا مجرد الدفاع عن قطاع بعينه.
تزامنت هذه اللقاءات مع تطورات جديدة في قضية الصحفي محمد اليوسفي، إذ قرر قاضي التحقيق لدى القطب القضائي الاقتصادي والمالي، أمس تمديد الاحتفاظ به لمدة 48 ساعة، وكان اليوسفي قد أوقف نهاية الأسبوع المنقضي، قبل أن يتم الاستماع إليه أمام فرقة الجرائم المالية التابعة للحرس الوطني، ثم يحال الملف إلى القطب القضائي الاقتصادي والمالي، حيث صدر قرار بالاحتفاظ به على ذمة شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع. ويأتي التطور القضائي في قضية اليوسفي في ظرف حساس خصوصا في ظل تصاعد المخاوف التي عبّرت عنها هياكل مهنية ومنظمات حقوقية بشأن استعمال التتبعات القضائية في قضايا مرتبطة بصحفيين ونشطاء. وقد طالبت نقابة الصحفيين ومنظمة العفو الدولية وحركة الشعب بإطلاق سراح اليوسفي، لتتحول القضية بذلك إلى أحد أبرز الملفات التي تستقطب اهتمام المنظمات المهنية والحقوقية والسياسية، غير أن النقابة، في لقاءاتها الأخيرة، لم تتعامل مع القضية باعتبارها ملفا منفردا أو معزولا عن السياق العام، بل وضعتها ضمن نقاش أشمل يتعلق بحدود الحريات وبطبيعة المرحلة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد.
"من أجل تونس والتونسيين"... إطار تنسيقي مشترك
تأتي لقاءات النقابة أيضا في سياق تحركات أوسع للقوى المدنية والاجتماعية، فقد سبق وأن أعلن اتحاد الشغل والهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إطلاق إطار تنسيقي مشترك تحت عنوان "من أجل تونس والتونسيين"، ويعكس الإعلان رغبة هذه المنظمات في بناء مساحة مشتركة للنقاش والعمل، في ظل ما وصفته بأزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. ووفق مضمون البيان، تعتبر المنظمات الموقعة أن الخيارات والسياسات المعتمدة خلال السنوات الأخيرة ساهمت في تعميق عدد من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وأثرت في القدرة الشرائية ووسعت دوائر الفقر والبطالة والهشاشة إلى جانب تراجع الخدمات العمومية ومشاكل الماء والكهرباء وفقدان الأدوية والمواد الأساسية وارتفاع الأسعار. كما عبرت المنظمات عن مخاوفها من تراجع الحقوق والحريات والتضييق على العمل السياسي والنقابي والمدني، ومن المساس، وفق توصيفها، باستقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. ولم يغفل الإطار التنسيقي عن قضية الهجرة غير النظامية بعد المآسي المتكررة التي يعيشها الشباب التونسي في البحر. واعتبرت المنظمات الموقعة أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في الجانب الأمني، وأنها مرتبطة أيضا باليأس وانسداد الأفق وتراجع الأمل في المستقبل.
تكشف أحداث الأمس في جانب منها، أن المشهد المدني والنقابي يدخل مرحلة جديدة من النقاش حول كيفية التعامل مع الأزمات المتراكمة، لقاء بين نقابة الصحفيين واتحاد الشغل، ثم لقاء آخر مع قوى مدنية وحقوقية واجتماعية، يتزامنان مع تطور قضائي في ملف صحفي، فيما تتحرك في الخلفية مبادرة تنسيقية تحمل عنوان "من أجل تونس والتونسيين"، كلها مؤشرات تدل على محاولة عدد من القوى إعادة بناء قنوات التواصل بينها، في وقت تتسع فيه دائرة القضايا.