غنية بالموارد الطبيعية أو سوقا واعدة للسلع والاستثمارات، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد المكونات الأساسية في إستراتيجية بكين الاقتصادية والدبلوماسية طويلة المدى. فمن السكك الحديدية والموانئ والطرق ومحطات الطاقة، إلى المناطق الصناعية والاتصالات والطاقة المتجددة والتجارة الرقمية، توسع الحضور الصيني في القارة ليشمل قطاعات تمس بصورة مباشرة مسار التنمية ومستقبل الاقتصاد في القارة السمراء.
وعلى امتداد السنوات الأخيرة انتقلت العلاقات الصينية-الافريقية من التركيز على التجارة والمساعدات إلى نموذج أكثر تطوّرا يقوم على الاستثمار والتصنيع والبنية التحتية والتمويل والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. وتكشف أرقام التجارة عن حجم هذا التحول، فقد سجل التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا- بحسب معهد الدراسات الأمنية الافريقي- مستوى قياسيا تجاوز 348 مليار دولار في عام 2025، بعد أن كان أقل من 10 مليارات دولار عند تأسيس منتدى التعاون الصيني-الأفريقي قبل 26 عاما.
ويرى مراقبون أن قوة الحضور الصيني في أفريقيا لا ترتبط فقط بحجم الأموال التي تضخها الشركات الصينية، وإنما بقدرة ونجاح بكين على الجمع بين التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتمويل والتكنولوجيا ضمن مسار وسياسة واحد. فمن خلال مبادرة "الحزام والطريق" ومنتدى التعاون الصيني-الأفريقي، عملت الصين على بناء شبكة واسعة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ ومشروعات الطاقة والاتصالات، بما يعزز حركة السلع والأشخاص ويربط الاقتصادات الأفريقية بممرات التجارة العالمية.
وتشير بيانات صينية رسمية إلى أنّ التعاون خلال العقود الماضية شمل مشروعات واسعة في النقل والطاقة والموانئ والاتصالات، فيما تعهّدت بكين في قمة منتدى التعاون الصيني-الأفريقي في بكين عام 2024 بدعم مشروعات جديدة للربط والبنية التحتية خلال الفترة 2025 - 2027 وفق تقرير حكومي صيني صادر عن وزارة الخارجية .كما أصبح التصنيع والطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي وسلاسل التوريد من المجالات التي تحظى بأولوية متزايدة في المرحلة الجديدة من الشراكة .
فقد تضمنت خطة عمل منتدى التعاون الصيني-الافريقي للفترة 2025-2027 دعما للمناطق الصناعية، وسلاسل الإنتاج، والشركات الصغيرة والمتوسطة، والطاقة، والبنية التحتية الرقمية، فضلا عن تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في الصناعات التحويلية والتجارة وسلاسل الإمداد الإفريقية وفق نفس التقرير.
ويشير خبراء إلى أن بكين تدرك أن افريقيا لا يمكن أن تبقى بالنسبة إليها مصدرا للمواد الخام وسوقا للمنتجات الصينية فقط، فالقارة التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة وتمتلك موارد طبيعية هائلة وتتمتع بموقع استراتيجي على طرق التجارة الدولية، تمثل أيضا قاعدة محتملة للإنتاج والتصدير، خصوصا مع تطور منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
مصر والصين
ومن هنا تأتي أهميّة مصر في الإستراتيجية الصينية، فالقاهرة تقف عند تقاطع ثلاث دوائر إستراتيجية ولها موقع هام جدا في العالم العربي، والبحر المتوسط، والقارة الأفريقية، بينما تمنحها قناة السويس موقعا استثنائيا على خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإنّ التوسّع الصيني في مصر لا يمكن قراءته بمعزل عن التحرك الأوسع لبكين في أفريقيا فالمصانع والمناطق الصناعية والموانئ واللوجستيات والطاقة ليست استثمارات منفصلة، وإنما يمكن أن تشكل معا جزءا من شبكة اقتصادية أوسع تربط الصين بالأسواق الأفريقية.
وفي هذا السياق، تكتسب الاستثمارات الصينية في مصر أهمية تتجاوز حجمها المالي المباشر، لأنها تضع القاهرة أمام فرصة التحول إلى منصة صينية للتصنيع والتصدير نحو أفريقيا، في وقت تبحث فيه بكين عن أسواق جديدة، وتسعى فيه الدول الأفريقية في المقابل إلى جذب استثمارات قادرة على نقل التكنولوجيا وخلق قيمة مضافة محلية.
وبالتوازي مع الزيارة الرسمية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة ولقاءه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حيث تم استعراض الملفات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية و العلاقات بين البلدين، في وقت تسعى فيه بكين إلى توسيع حضورها في الأسواق الناشئة وتعزيز موقعها في أفريقيا.
وتكتسب زيارة شي، التي تأتي في ظل تحوّلات متسارعة في الاقتصاد والسياسة الدوليين، أهمية خاصة من زاوية العلاقة المصرية-الصينية التي انتقلت خلال السنوات الماضية من التعاون التقليدي إلى شراكة ذات أبعاد إستراتيجية واقتصادية متشابكة.وفي مقال نشرته صحيفة "الأهرام" المصرية قبل الزيارة، وصف شي جين بينغ الصين ومصر بأنهما "شريكان موثوقان" يسعيان إلى تحقيق مكاسب مشتركة، مؤكدا أن مصر تعد "شريكا تجاريا واستثماريا مهما للصين في العالم العربي وافريقيا".
من الشراكة السياسية إلى المصالح الاقتصادية
ولم تأت القفزة في العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل مفاجئ او في فترة زمنية وجيزة، ففي عام 2014 وقعت القاهرة وبكين اتفاق شراكة إستراتيجية، قبل أن تنضم مصر لاحقا إلى مسارات التعاون المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق"، لتبدأ مرحلة أكثر كثافة في تدفق الشركات ورؤوس الأموال والمشروعات الصينية.
واليوم، يوجد نحو 3366 شركة صينية مستثمرة في مصر، تعمل في قطاعات تمتد من الغزل والنسيج والملابس الجاهزة إلى الألواح الشمسية والكيماويات وتصنيع السيارات والخدمات اللوجستية، بحسب بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة المصرية.ويشير خبراء في الاقتصاد الدولي إلى أن تنوع هذه الاستثمارات يحمل دلالة مهمة، فالصين لا تتعامل مع مصر كسوق استهلاكية فحسب، وإنما كقاعدة إنتاج يمكن من خلالها الوصول إلى أسواق أخرى.
وتشير تقديرات منشورة في الصين إلى أن حجم الاستثمارات الصينية في مصر بلغ قرابة 12 مليار دولار بنهاية 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 15 مليار دولار خلال 2026.وبالنسبة إلى بكين، فإن الفارق بين الاستثمار في السوق المصرية والاستثمار من داخل مصر بات أكثر وضوحا، فالشركة الصينية التي تنتج في مصر لا تحصل فقط على فرصة بيع منتجاتها لأكثر من 100 مليون مستهلك، وإنما تستطيع أيضا الاستفادة من الموقع المصري للوصول إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية.