أكثر حساسية، مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسط تقارير عن دراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيار تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ومتكررة ضد أهداف إيرانية، في مسعى لمنع طهران من إعادة بناء قدراتها الرادارية والصاروخية القادرة على تهديد حركة الملاحة والسفن وناقلات النفط.
وكشف موقع ''أكسيوس'' الأمريكي، نقلا عن مسؤولين أمريكيين، أن القيادة المركزية الأمريكية ''سنتكوم'' أعدت خطة عسكرية تقضي بتوجيه ضربات محدودة إلى إيران على فترات محددة، بهدف إضعاف قدراتها العسكرية في محيط مضيق هرمز، وضمان مرور السفن وناقلات النفط بأكبر قدر ممكن من الأمان.وبحسب المسؤولين، فإنّ الخطة حظيت بدعم وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الذي أيد المقترح وأحاله إلى البيت الأبيض للنظر فيه، فيما أُبلغ الرئيس ترامب بأن استمرار إعادة بناء إيران لمنظومات الرادار والدفاع الجوي والصواريخ المضادة للسفن قد يعيد تشكيل ميزان المخاطر في المضيق.
إستراتيجية لمنع إيران من استعادة قدراتها
ولا تتحدث الخطة، وفق ما نقله ''أكسيوس''، عن عملية عسكرية شاملة ضد إيران، وإنما عن ضربات محدودة ودورية تستهدف منع طهران من استعادة القدرات التي فقدتها خلال المواجهات الأخيرة.
ووصف أحد المسؤولين الأمريكيين هذه المقاربة بأنها بمثابة تنفيذ عمليات عسكرية محدودة بين الحين والآخر لمنع الخصم من إعادة بناء قدراته قبل أن تتحول مجدداً إلى تهديد مباشر.ويرى مراقبون أن هذه الإستراتيجية، إذا اعتمدها ترامب، ستكون محاولة للموازنة بين هدفين متناقضين وهما الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز من جهة، وتجنب حرب أمريكية واسعة ومفتوحة مع إيران من جهة أخرى.
ويؤكد متابعون أن خطورة المقترح لا تكمن فقط في حجم الضربات المتوقعة، وإنما في احتمال تحولها إلى نمط دائم من العمليات العسكرية المتبادلة، بحيث تصبح المنطقة ومضيق هرمز مسرحا لمواجهات دورية بين القوات الأمريكية والإيرانية.
هرمز في قلب الحسابات
هذا وتولي واشنطن أهمية استثنائية لمضيق هرمز، الذي يمثل شريانا رئيسيا لتدفقات النفط والطاقة العالمية. ولذلك يعمل الجيش الأمريكي خلال الأسابيع الماضية، وفق ما أورده ''أكسيوس''، على توسيع نطاق سيطرته العملياتية في أجزاء واسعة من المضيق، بالتوازي مع عمليات محدودة لإزالة الألغام، فضلا عن مساعدة السفن وتوجيهها خلال عمليات العبور.
وبحسب المسؤولين الأمريكيين، ساهمت هذه التحركات في الحد من قدرة إيران على استهداف ناقلات النفط، كما سمحت بمرور عدد أكبر من السفن واستمرار تدفقات النفط عبر المضيق.لكن واشنطن، في المقابل، تخشى أن تتمكن طهران من استعادة جزء من قدراتها بسرعة، ولا سيما في مجالات ''الرادار والدفاع الجوي والصواريخ المضادة للسفن''، الأمر الذي قد يمنحها قدرة أكبر على مراقبة السفن واستهدافها بدقة.
وتقول مصادر أمريكية إن أحد المؤشرات التي أثارت قلق القيادة المركزية تمثل في إطلاق صاروخ إيراني مضاد للطائرات باتجاه مقاتلة أمريكية من طراز F-35 كانت توفر غطاء جويا للسفن في المنطقة.ورغم أن الصاروخ لم يقترب، وفق المسؤول الأمريكي، من المقاتلة بما يكفي لاعتباره تهديدا مباشرا، فإن الواقعة اعتبرت في واشنطن مؤشرا على أن إيران تحاول استعادة قدراتها العسكرية تدريجيا.
وكانت ''سنتكوم''-وفق تقارير- قد أبلغت وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والبيت الأبيض بأن القوات الأمريكية قد تحتاج إلى تنفيذ ضربات دورية ضد أهداف إيرانية، بهدف تقليص المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والسفن الحربية والطائرات الأمريكية في محيط المضيق.
وتشير المعطيات التي أوردها ''أكسيوس'' إلى أنّ الخطة لم تكن قد حصلت على الضوء الأخضر من ترامب قبل تجدّد المواجهات الأخيرة.وكانت الإدارة الأمريكية تميل، خلال الأسبوع الماضي، إلى عدم المضي في الخيار العسكري، خشية أن يؤدّي ذلك إلى تصعيد أوسع مع طهران، إلا أنّ التطوّرات الميدانية الأخيرة أعادت الملف إلى طاولة الرئيس الأمريكي بقوة.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الهجمات الإيرانية الأخيرة قد تكون عاملا حاسما في إعادة تشكيل موقف ترامب، بعدما شنت إيران هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة على مواقع للقوات الأمريكية في الإمارات والأردن، ردا على هجوم أمريكي إسرائيلي استهدف، قوات إيرانية . وفي تصريحات لشبكة ''فوكس نيوز''، توعد ترامب بالرد على الهجمات الإيرانية، قائلا إن الولايات المتحدة "ستضربهم بقوة".
ويرى مراقبون أن هذه اللهجة تعكس انتقالا تدريجيا في الخطاب الأمريكي من التحذير والردع إلى التلويح بعمل عسكري مباشر، خصوصا إذا رأت واشنطن أن إيران بدأت بالفعل في استعادة منظوماتها الصاروخية والرادارية في محيط المضيق.
''كل الخيارات مطروحة''
وفي ظل تصاعد التكهنات بشأن قرار عسكري أمريكي محتمل، أبقى البيت الأبيض الباب مفتوحا أمام مختلف السيناريوهات.وقال البيت الأبيض إن الرئيس ترامب "يحتفظ بكل الخيارات المتاحة أمامه"، مضيفا أنّ الإيرانيين يريدون التوصل إلى اتفاق، لكنهم "دائما يتأخرون ولا يقدمون ما يكفي".
وتحمل هذه التصريحات رسالتين متوازيتين، وفق تقديرات متابعين الأولى موجهة إلى طهران ومفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة إذا تعرضت قواتها أو الملاحة الدولية للخطر، والثانية إلى الحلفاء والأسواق الدولية لتأكيد أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى حماية تدفقات الطاقة ومنع إغلاق المضيق.
ويرى محللون أن أخطر ما في الخطة الأمريكية المقترحة هو أنها قد تنقل العلاقة بين واشنطن وطهران من مرحلة الردع المتبادل إلى مرحلة جديدة تقوم على الضربات الوقائية والدورية.
فوفق متابعين إذا نفذت الولايات المتحدة ضربة لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها أو صواريخها المضادة للسفن، فقد تعتبر طهران ذلك عملا عدوانيا يستوجب الرد، وهو ما قد يدفع واشنطن بدورها إلى تنفيذ ضربة جديدة، لتدخل المنطقة في حلقة متكررة من التصعيد.ويؤكد متابعون أن مضيق هرمز قد يتحول في هذه الحالة إلى نقطة الاحتكاك الأكثر خطورة بين الطرفين، ليس فقط بسبب أهميته العسكرية، وإنما بسبب تأثير أي اضطراب في حركة الملاحة على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية.
اتفاق متعثر
ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي ومحاولات لاحتواء التوتر بين واشنطن وطهران.ففي 18 جوان، وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم بشأن حرية الملاحة، إلا أن تنفيذها تعثر لاحقاً نتيجة خلافات مرتبطة بأمن المضيق وترتيبات حركة السفن.
وبحسب مراقبين، فإن تعثر هذا التفاهم يكشف صعوبة الفصل بين ملف الملاحة وملف الأمن العسكري، إذ تنظر إيران إلى وجود القوات الأمريكية في المنطقة باعتباره تهديدا، بينما ترى واشنطن أن وجودها العسكري ضرورة لحماية السفن وحرية التجارة الدولية.ومن هنا تبدو أزمة هرمز أوسع من مجرد خلاف حول مرور ناقلات النفط فهي ترتبط مباشرة بالصراع على النفوذ العسكري في الخليج وبالقدرة على فرض قواعد الاشتباك في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
ووفق محللين يبقى القرار النهائي بيد الرئيس ترامب، الذي يواجه معادلة شديدة التعقيد وهي سعيه لمنع إيران من استعادة قدراتها العسكرية من دون أن يفتح الباب أمام حرب واسعة. ويرى مراقبون أن الضربات المحدودة قد تبدو بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية خيارا وسطا بين الاكتفاء بالردع وبين شن حملة عسكرية واسعة، إلا أن التجارب السابقة في المنطقة تظهر أن العمليات ''المحدودة'' قد تتدحرج سريعا إذا رد الطرف المستهدف بقوة.
ويؤكد متابعون أن طهران لن تنظر بالضرورة إلى أي ضربة أمريكية على أنها عملية منفصلة، بل قد تعتبرها محاولة لإعادة فرض واقع عسكري جديد في مضيق هرمز، وهو ما قد يدفعها إلى الرد عبر الصواريخ أو الطائرات المسيرة أو تهديد حركة السفن.