وفي زاده ذاكرة وتجارب واتجاهات مسرحية تشكلت على مدى عقود وعلى مدى مدارس وأجيال... وعلى ركح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، يحط الرحال هذه المرة وهو يتأبط أسئلته عن الإنسان في زمن الصورة، وعن الحرية في زمن الخوارزميات، وعن الجسد حين يتحول إلى واجهة، وعن الفنان حين يجد نفسه أسيرا بين سلطة السوق وسلطة التكنولوجيا.
تتجه أنظار أهل الفن الرابع نحو العاصمة المصرية القاهرة، حيث تنطلق فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين لـ "مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي" في الفترة الممتدة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026 تحت رئاسة الدكتور سامح مهران. وعلى ركح هذا المختبر الأبرز لأحدث الاتجاهات الفنية المسرحية ، تسجل تونس حضورا طليعيا وازنا، يترجم عمق وخصوصية تجاربها الإبداعية المتجددة.
من السيرك إلى الكباريه.. جماليات التجريب في "لاموضى"
تخوض تونس غمار المسابقة الرسمية الدولية لهذا العام، والتي تشهد منافسة شرسة بين 14 عرضا مسرحيا يمثلون 13 دولة. وتراهن تونس على عرض "لاموضى" من تأليف وإخراج وسينوغرافيا ، الطاهر عيسى بن العربي، وإنتاج فرقة أناييس للإنتاج. ويجسد أدوارها على الركح كل من أمير الدريدي، مريم ريزا، عبير صميدي، أمان الله توكابري، منار طنڨور، سارة ركباني، غادة بلقاسم، فارس قايدة ومحمد عثموني.
لا تسافر «لاموضى» إلى القاهرة لكي تروي حكاية عن الموضة بالمعنى البسيط للكلمة. فخلف البريق والأزياء والكاميرات استعراض الجسد تبحث المسرحية في سؤال مؤرق ينسحب على كل المجتمعات وعلى كل الثقافات ألا وهو: كيف يتحول الإنسان إلى سلعة؟
في «لاموضى»، يبدو المسرح نفسه وكأنه استوديو تصوير كبير، كل شيء قابل للعرض، وكل شخص قابل لأن يصبح صورة، وكل صورة قابلة لأن تتحول إلى سلعة. ومن هذه المفارقة تولد السخرية، لكن خلف السخرية يقيم قلق حقيقي حول عالم تتراجع فيه الحدود بين الإنسان والصورة التي يصنعها عن نفسه.
لا يزور عرض «لاموضى» القاهرة خالي الوفاض بل محمّلا بالتتويج وحاملا للألقاب... إذ فاز في الدورة العشرين من مهرجان ليالي المسرح الحر في الأردن بثلاث جوائز، من بينها جائزة ذهبية المسرح الحر لأفضل عرض مسرحي متكامل وجائزة أفضل سينوغرافيا وجائزة ذهبية الفنان سمير خوالدة / المسرح الحر لأفضل إخراج مسرحي.
ولا شك أن هذا الرصيد من التتويج، يمنح العرض التونسي «لاموضى» شحنة إضافية وهو يدخل منافسة مهرجان القاهرة.
محمد منير العرقي حكما دوليا
لا يقتصر الحضور التونسي في مهرجان القاهرة التجريبي 2026 على حدود خشبة العرض، إنما يمتد إلى لجان صياغة القرار الفني والتقييم. فقد أعلنت إدارة المهرجان عن اختيار المخرج والمسرحي التونسي القدير محمد منير العرقي عضوا في لجنة التحكيم الدولية الرسمية.
ويأتي هذا الاختيار ليعزز مكانة المسرح التونسي كمرجعية نقدية وإخراجية في العالم العربي، واعترافا بمسيرة العرقي الطويلة في إدارة الفضاءات المسرحية وإنتاج أعمال تركت بصمة واضحة في مدونة المسرح العربي المعاصر.وكان منير العرقي قد ترأس لجنة تنظيم أيام قرطاج المسرحية و شغل منصب مدير إدارة المسرح والفنون الركحية بوزارة الشؤون الثقافية. وقد درس المسرح في المعهد العالي للفن
المسرحي بتونس ودرسه في عدد من المعاهد على امتداد مسيرة تجاوزت ثلاثة عقود. مارس فنّ المسرح تمثيلا وإخراجا وتأليفا... في رصيده أكثر من عشرين مسرحية والعديد من الألقاب والتكريمات والجوائز الوطنية والدولية.
من زيارة «المخرج» إلى استضافة «المحكّم»
في سبتمبر 2023، وقف المخرج التونسي محمد منير العرقي على ركح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مخرجا لعمله العرائسي «ما يراوش» (Black-out)، إنتاج المركز الوطني لفن العرائس. ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثلاثين. واليوم، يعود العرقي إلى المهرجان نفسه، لكن هذه المرة من موقع مختلف بصفته عضوا في لجنة التحكيم التي يرأسها الفنان المصري القدير القدير رياض الخولي .
في مسرحية «ما يراوش»، المستلهمة من نص «العميان» للكاتب البلجيكي موريس ميترلنك، وضع المخرج منير العرقي مجموعة من فاقدي البصر في مواجهة الضياع بعد اختفاء دليلهم، وحوّل العتمة من مجرد عنصر بصري إلى سؤال عن الإنسان حين يفقد الطريق ومن يقوده.
لكن دورة 2023 حملت أيضا لحظة إنسانية موجعة للوفد التونسي وللمشهد العرائسي العربي. فقد رحل الفنان والعرائسي التونسي لسعد المحواشي إثر جلطة دماغية، بعد يوم واحد فقط من عرض المسرحية في القاهرة.
ما بين طموح التتويج والرغبة في ترك أثر جمالي وفكري في ذاكرة الجمهور والنقاد، يسافر المسرح التونسي إلى القاهرة مؤكدا أنه سيظل مختبرا حيا للحرية وابتكار لغات مشهدية عابرة للحدود وامتلاك جرأة التجريب.
مؤطر:
معلقة الدورة في قلب السؤال الراهن:
حين تحرك الآلة الإنسان!
بمنتهى الفن والذكاء نجح الفنان مصطفى عوض في تصميم معلقة مستفزة للفضول والاهتمام. فقد اختار أن يضع الإنسان والذكاء الاصطناعي في مواجهة مباشرة داخل الفضاء المسرحي. تظهر في المعلقة يد آلية ضخمة تحرك ممثلا كما لو كان قطعة شطرنج. هي صورة تحمل سؤالا مباشرا حول مستقبل الإبداع، وحول ما إذا كانت التكنولوجيا ستبقى أداة في يد الفنان أم ستتحول تدريجيا إلى قوة تحركه... وتسيطر عليه وقد تتحكم فيه .
إنها صورة تختصر قلق المرحلة وجل شعوب العالم: من يحرّك من؟