تجعل الطفل ينسى العالم للحظات، إنما تلك التي تجعله يعود إلى العالم بخيال أوسع، وأسئلة أكبر، وعقل أكثر فضولا.فماذا لو كان بإمكان الطفل العربي أن يمتطي قطارا لا يتوقف عند محطة واحدة ولا يكتفي بتذكرة واحدة. إنه قطار كسحر الأحلام يسافر بالطفل من مصر إلى الكويت إلى الجزائر إلى العراق إلى المملكة العربية السعودية إلى قطر.... ويعرّفه في كل محطة إلى حكاية بلاد جديدة. هذا هو «بوبي»، قطار كرتوني اختار أن يجعل من الوطن العربي مغامرة، ومن التاريخ رحلة، ومن الهوية حكاية يحبها الطفل في مراهنة على تحويل معطيات التاريخ ومعلومات الجغرافيا إلى دهشة !
"مغامرات بوبي في العالم العربي" هي سلسلة قصصية بصرية بطلها «بوبي»، قطار صغير لكنه يحمل في عرباته تاريخا وتراثا وأغنيات... فيجوب البلدان العربية ليقول للطفل إنّ وراء كل خريطة قصة، ووراء كل مدينة ذاكرة، ووراء كل هذا التنوع الحضاري وطن كبير اسمه العالم العربي.
من أرض الفراعنة... انطلق "بوبي" !
حين يضع «بوبي» عجلاته على السكة، تنطلق رحلة غير عادية في محطات غير اعتيادية.. . إنه ترحال في حقبات التاريخ وسفر في فصول الذاكرة. يحمل هذا القطار الصغير الأطفال في رحلة زادها الخيال والظلال والجمال في حوار ملهم بين التراث والمغامرة، المعرفة والمتعة، الاكتشاف والدهشة...
يطلّ «بوبي» من بين أعمدة المعابد المصرية القديمة، بعينيه الواسعتين وابتسامته الطفولية، كأنه خرج لتوّه من كتاب حكايات ألف ليلة وليلة. قطار صغير، بألوانه الزاهية وروحه المرحة، يقف على سكة تمتدّ من حجر الفراعنة إلى حاضر عربي واسع، وكأنه يقول للأطفال: هيا بنا... إلى رحلة ممتعة مدهشة لنكتشف العواصم العربية كما لم تعرفوها من قبل !
تنطلق رحلة «مغامرات بوبي في العالم العربي»، لا من محطة قطار عادية، وإنما من قلب التاريخ، من "أم الدنيا". يبدأ «بوبي» رحلته من مصر معرجا على هندسة الأهرامات التي أذهلت الزمن، وذاكرة الفراعنة التي ألهمت العالم، وشوارع القاهرة التي تغني للطرب والأدب الحياة... ثم يواصل القطار الصغير سيره، عابرا الحدود، من بلد عربي إلى آخر، حاملا بدل الحقائب حكايات.
مشروع جزائري وطموح عربي
لا شك أنّ صناعة الرسوم المتحركة تحتاج إلى وقت ومال وكتاب وموسيقيين ومصممين ومخرجين ومختصين في علم نفس الطفل وتسويق وتوزيع ومنصات عرض... لذلك فإن «بوبي» يطرح، سؤالا على المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية: لماذا لا نتعامل مع محتوى الطفل باعتباره استثمارا طويل المدى في أجيال الغد؟
تتكون سلسلة بوبي من 22 حلقة و22 محطة، وقد أُنجزت السلسلة في استوديو قناة Sweet Kids الجزائرية، وأطلقت حتى الآن حلقات عن مصر والكويت والجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية وقطر، فيما يتواصل العمل على بقية الحلقات ضمن مشروع يتطلع إلى استكمال 22 محطة عربية.
يضم فريق العمل أسماء ذات خبرة في مجال الطفل، من بينها الإعلامية الجزائرية أسماء أولاد إبراهيم، والمؤلف الموسيقي السوري همام الفتوى. فالجزائر تمتلك تقاليد ثقافية وفنية وإعلامية عريقة، لكنها، مثل بقية البلدان العربية، تواجه السؤال نفسه: كيف نصنع محتوى للطفل لا يعيش على هامش الصناعة العالمية، ولا يكتفي بتقليدها؟
وفي هذا السياق، يؤكد المدير العام للقناة "تقي الدين بوسكين"أن المشروع يحتاج إلى شراكات عربية للمساهمة في تمويل وإنتاج الحلقات المتبقية، إلى جانب الدعم الإعلامي والثقافي وترخيص بعض الحلقات الجاهزة.
من المأمول أن تتحول سلسلة "بوبي" إلى مساحة عربية مشتركة يلتقي فيها المبدعون من بلدان مختلفة. فدعوة فريق العمل إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية للتعاون ليست مجرد دعوة لدعم إنتاج حلقات جديدة، بل فرصة لبناء نموذج مختلف في صناعة محتوى الطفل في العالم العربي.
من الفولكلور إلى الإنسان
ليس الكرتون، في عالم الطفل، مجرد دقائق ملونة تمرّ أمام الشاشة ثم تنتهي وتمضي . إنه واحد من أول المدارس والأبواب التي يطلّ منها الصغير على العالم، فيتعلم من خلاله أن يضحك، وأن يتخيل، وأن يسأل، وأن يكتشف الأشياء من حوله. وفيسنوات الطفولة الأولى، حين تكون المخيلة في أوج اتساعها، تستطيع الصورة والحكاية والشخصية الكرتونية أن تترك أثرا أعمق مما تتركه الكلمات المباشرة ودروس التلقين. فالطفل لا يتلقى الكرتون بعين المشاهد فقط، وإنما بقلبه وخياله أيضا... قد يتعلق بشخصية، يردد عباراتها، يقلد سلوكها، يحفظ أغنيتها... ويظل يتذكر عالما كاملا صنعته الرسوم المتحركة. ومن هذا المنطلق فإن صناعة محتوى الطفل مسؤولية وأمانة، لأنّ الصورة التي نمنحها للطفل اليوم قد تصبح جزءا من ذاكرته وطريقته في رؤية العالم غدا.
ولعل من أهم نقاط القوة في مشروع "مغامرات بوبي في العالمالعربي" هو تخلصه من إغراء "البطاقة البريدية"، ليتعامل مع التراث على أنه أكثر من ديكور. فلا تكتفي حلقاته بالتعريف بالتراث المادي للشعوب من معالم وآثار ومواقع... إنما تهتم أيضا بالتراث اللامادي في تعريف بالممارسات والتقاليد والأكلات التقليدية والمهارات وأشكال التعبير التي تتناقلها الأجيال.
ممّا يجعل الطفل يشعر بأنّ التاريخ ينبض بالحياة، ويسكن في اللغة والأغنية والطعام والحكاية وحتى في تفاصيل الحياة الصغيرة. وهو ما يعلم "الأطفال وهو يلعبون" بأن ّ كل بلد عربي أكبر من صورته السياحية. فوراء الموقع هناك إنسان، ووراء التراث هناك ذاكرة، ووراء العادات هناك تاريخ من تفاصيل الحياة اليومية.
وربما أجمل ما يمكن أن يحدث لـ«بوبي» هو أن يكبر معه الأطفال. أن يبدأ الطفل رحلته معه من مصر، ثم ينتظر بشغف المحطة التالية، فيسأل عن تونس وعن العراق وعن الجزائر وعن اليمن وعن المغرب وعن السودان وعن فلسطين... وعن كل بلد يحمل حكاية وتاريخ تليد.
ومع كل محطة يتوقف فيها "بوبي"في بلد جديد... تتحول الجغرافيا إلى مغامرة، والتاريخ إلى حكاية، والتراث إلى لعبة، والهوية إلى متعة... إلى دهشة !