أشهر من التحرك والإصرار من اجل ..."مطلب "تفكيك الوحدات

الروندة الأولى ، الثانية ، الثالثة، الرابعة.....

هي عناونين لتحركات احتجاجية  غير مسبوقة ،للحمة شعبية ، ووحدة لكل الفئات والشرائح والمناطق ، وحضور ميداني فرض الملف البيئي كقضية لا يمكن دفنها أو الالتفاف عليها في قابس من اجل شعار وحيد "الشعب يريد تفكيك الوحدات"

لأكثر من سنة ونصف تصدرت قابس المشهد الاحتجاجي البيئي والفاعل الاجتماعي وتمكن الحراك الرافض للتلوث والمطالب بالحق في بيئة سليمة والتنمية العادلة من تحريك الرأي العام وكسب تضامنه ومساندته بالرغم من تعثر المسار القضائي ورفض القضية المرفوعة ضد المجمع الكيميائي مقابل تواصل ملاحقة النشطاء في الحراك الاحتجاجي البيئي.

ما حصل طيلة الأشهر الماضية  لم يكن احتجاجا ظرفيا، بل كان من باب الإصرار  على تعرية  الواقع، ورسالة واضحة مفادها أنّ أهالي قابس لن يقبلوا بإدارة التلوث أو التعايش معه، فتضمنت قرابة ستة عشر شهرا على اكبر حراك بيئي تشهده البلاد وأحداث وتحركات استثنائية ، انتفض فيها الأهالي ضد سياسة التمييز واللاعدالة  البيئية انطلقت منذ  افريل 2025 أمام مقر وزارة الصناعة والطاقة والمناجم في العاصمة ، ثم في 23 ماي 2025 أمام مقر ولاية ڨابس ،  اثر مخرجات المجلس الوزاري يوم 5 مارس  ، التي أقرت جملة من القرارات ،و التي شكلت منعرجا في مسار تخليص ڨابس من التلوث إن  تفعلت ، واعتبرت من قبل الأهالي  تخلي ضمني عن قرار تفكيك الوحدات الصادر في جوان 2017

تحركات بلغت ذروتها في شهر اكتوبر ، اثر موجة التسربات المتكررة  والتي تسببت في حالات اختناق جماعي خاصة في صفوف التلاميذ إنطلقت منذ 9 سبتمبر في غنوش ..تحركات قياسية كانت بشعار موحد "الشعب يريد تفكيك الوحدات"

تجسدت ابرز  التحركات التي لم تتوقف  في تنفيذ  الإضراب العام الجهوي والمسيرة الشعبية يوم  21 اكتوبر 2025 بدعوة من هياكل نقابية ومكونات المجتمع المدني بقابس ، وشارك فيها  مئات المواطنيين والمواطنات  عبروا من خلالها عن ارادتهم الجماعية بشكل واضح المتمثلة في  "تفكيك الوحدات الملوثة"

لقد قدّم الحراك البيئي في ڨابس نموذجا يختلف عن   لكل التأويلات  التي تعتبر الهاجس البيئي ترفا، او مجرد مطلب عرضي ، ولم تنته الرحلة عند مسيرة شعبية حاشدة ناحجة بكل المقاييس بل تواصل الزخم الاحتجاجي في قابس طيلة الاشهر الموالية  في مواجهة انبعاثات  حوّلت المنطقة على امتداد عقود إلى واحدة من أحلك بؤر التلوث الكيميائي في المنطقة،  ورغم تعدد الحكومات وتغير نمط الحكم أكثر من مرة، لم تجد ڨابس طريقا لتحقيق  مطلبها  الحق في التنفس والحياة . وجددت الموعد مرة اخرى يومي 5 و 6 جوان 2026  بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة

ومثلت التحركات  المرتبطة  بالحق البيئي خلال الثلاثي الثاني من 2026 حوالى 7 بالمائة من جملة التحركات المسجلة طيلة هذه الفترة والتى بلغت 1884 تحركا ، في حين تم رصد 427 تحركا بيئيا بمعدل 8 بالمائة  خلال سنة 2025 التى شهدت في الجملة اكثر من 5 الاف تحركا اجتماعيا ووفق تقرير التقرير السنوى للتحركات البيئية الصادر عن المنتدى حلت ولاية قابس في المرتبة الثانية ب58 تحركا حيث حافظت من خلالها على زخمها النضالي ضد التلوث الصناعي.

وبالتزامن مع الحراك الاحتجاجي كان هناك مسار قضائي من خلال رفع قضية استعجاليه ضد المجمع الكيميائي من اجل وقف نشاط الوحدات الملوثة وبعد أشهر من التأجيل تم في فيفري 2026 رفضها بدعوى عدم ثبوت الضرر والحاجة الى مزيد من البحوث العلمية، مقابل تواصل التتبعات القضائية ضد نشاط الحراك البيئي في قابس والتى رفعها  ضدهم المجمع الكيميائي حيث صدرت أحكام غيابية بالسجن لمدة سنة في حق عدد من النشطاء  مما زاد في تأجج الأوضاع واكد الاهالي ان المعركة من أجل قابس لم تكن يوماً معركة قضائية فقط، بل هي معركة مجتمع كامل من أجل الحق في الحياة والكرامة والبيئة السليمة، -مع العلم ان  القضية المرفوعة من المجمع الكيميائي التونسي ضد نشطاء قابس تأجلت  إلى يوم 23 سبتمبر 2026-

تسند التحركات المنادية بتفكيك الوحدات إلى تقرير التدقيق  البيئي الصادر في جويلية 2025 والمنشور على الموقع الرسمي للمجمع نفسه، اقر بوجود إخلالات جسيمة وعدم مطابقة للمعايير البيئية والقانونية. إن هذه المعطيات، إلى جانب شهادات الأهالي ومعاناة العائلات في قابس، تجعل الحديث عن “عدم ثبوت الضرر” أمراً يصعب قبوله من الأهالي

حيث تعتبر االمنظمات والجمعيات والتحركات على غرار حملة "أوقفوا التلوث "إن قابس تعيش منذ خمسين سنة تحت وطأة نشاط صناعي ملوِّث دمّر منظومتها البيئية، وألحق أضراراً جسيمة ، بالخليج الذي فقد 93 % من تنوعه البيولوجي جراء الكميات الرهيبة من مادة الفوسفوجيبس التي يبقى منها يوميا اطنانا  في البحر دون ادنى معالجة ،والواحة التي تعاني من خطر الاندثار جراء استنزاف النشاط الصناعي للطبقة المائية وتراكم المواد السامة في اجوائها وتربتها ، و الآثاراً الصحية الخطيرة على السكّان  بتفشي الأمراض الخطيرة والمستعصية كالسرطنات وهشاشة العضام والامراض التنفسية وغيرها . وقد وثّقت العديد من الدراسات العلمية المنشورة في مجلات دولية العلاقة بين التلوث الصناعي في قابس وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والسرطانات والتشوّهات الخلقية

في نوفمبر المنقضي كلّف رئيس الجمهورية قيس سعيّد مهندس في البتروكيمياء بتشكيل فريق عمل لدراسة وإيجاد حلول عاجلة واستراتيجية للوضع البيئي ومعالجة ملف التلوث بمدينة قابس، وقد قدم الفريق تقريره النهائي للرئيس في جانفي 2026،  مساء يوم الاثنين المنقضي  ادى  رئيس الجمهورية زيارة غير معلنة إلى قابس و "شدّد في هذا السياق على أنّه لن يتمّ تشغيل الوحدات الملوّثة بل سيتمّ الاقتصار على تشغيل الوحدات التي تمّ إصلاحها"

بين مطلب "تفكيك الوحدات " والاقتصار على تشغيل الوحدات التي تم إصلاحها .." قد ترفع شعارات الروندة المقبلة ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115