في اليوم العالمي للصداقة "سلام يا صاحبي"

"سلام على الدنيا إذا لم يكن بها... صديق صدوق صادق الوعد منصفا"
فكيف نكمل الطريق دون كف صديق تمسح عن العين الوجع قبل الدمع؟ دون كتف صديق تسند الحلم قبل الرأس؟ دون قلب صديق يحمل وجعنا قبل أن يقتسم معنا فرحنا؟ يأتي اليوم العالمي للصداقة كل عام (30 جويلية) ليذكرنا بمن نسيناهم أو نسونا وسط صخب الحياة، بمن غابوا في الزحام، بمن قال عنهم ابن زيدون: "أضحى التنائي بديلا عن تدانينا"... وكم من منزل صديق يبقي شاغرا في القلب دون أن تعثر الروح على رفيق يُؤنس وحدتها، يُبدّد وحشتها، يُهوّن عليها تعب الطريق. ومهما حدث، فإنّ باب الصداقة لا يُغلق... لكنه يبقى مواربا على أمل العودة ! قد لا تعني الصداقة المُلازمة "ولزوم ما لا يلزم" ... فالصداقة لا تُقاس بعدد اللقاءات ولا بطول المكالمات ولا حتى بفيض الكلمات. الصداقة الحقيقية هي أن يظل أحدهم يعرف الطريق إلى قلبك، حتى بعد أن تتغيّر المدن وتكبر الأحلام وتثقل الخطى. ولعل أجمل ما يميّز الصداقة أنها لا تعترف بقوانين الربح والخسارة. فالحب قد يتطلب التملك، والقرابة يفرضها الدم، أما الصداقة فهي العلاقة الوحيدة التي يختارها القلب بحرية. لذلك فهي أكثر العلاقات هشاشة حين تُهمل، وأكثرها صلابة حين تُصان. لأنّ الصداقة نبل وسمو ورقي، لم يكن غريبا أن تكون إحدى أقدم الحكايات الإنسانية "ملحمة جلجامش" قصة صداقة قبل أن تكون ملحمة بطولة. فما إن اقتحم "أنكيدو" حياة "جلجامش" حتى تغير الملك الذي كان يظن أنّ القوة تكفي لصناعة المجد. وحين مات أنكيدو، لم يخسر جلجامش رفيقا فقط ، لكن فقد نصف الأسئلة ونصف الحلول. وفي رواية "دون كيشوت"، لم يكن سانشو بانثا" مجرد تابع لفارس يحارب طواحين الهواء، بل كان مثال للأصدقاء الأوفياء الذين لا يسخرون من أحلامنا، حتى عندما تبدو مستحيلة. إنهم يمشون بجوارنا، لا لأنهم يصدقون الطريق دائما، بل لأنهم يصدقوننا نحن. وفي رائعة "زوربا اليوناني" حين انهار مشروع المنجم، لم تكن الخسارة هي ما بقي عالقا في ذهن الراوي إنما رقصة صديقه زوربا على الشاطئ التي علمته أن الهزيمة ليست نهاية الحكاية. وأنّ من يملك جرأة الرقص فوق رماد أحلامه لا تهزمه الحياة. وحين كتب أنطوان دو سانت إكزوبيري روايته "الأمير الصغير"، جعل الثعلب يقول جملة أصبحت من أشهر ما كُتب عن العلاقات الإنسانية: "إنك تصبح مسؤولا إلى الأبد عمّن روّضته." لقد ألهمت الصداقة كل الإبداعات، وربطت بحبل الود بين أكثر من فن... وكانت شاشة الفن السابع مرآة عاكسة للصداقات الصادقة. فعن قصة حقيقية في الفيلم الفرنسي The Intouchables تنتصر الصداقة على الفوارق الطبقية والجسدية، لتثبت أن الإنسانية لا تعترف بالتصنيفات. وفي الفيلم المصري "سلام يا صاحبي" قدّم عادل إمام وسعيد صالح واحدة من أكثر ثنائيات السينما العربية صدقا في تأكيد بأن الصداقة تُختبر حين تتغير الأحوال وتشتد المحن. اليوم، تبدو المفارقة موجعة. يتكاثر آلاف "الأصدقاء" على مواقع التواصل الاجتماعي.. لكن التواصل شبه منعدم. ومن بين الآلاف، عدد قليل لا يكاد يعدّ على أطراف أصابع اليد الواحدة فقط يشعرون بطيف الحزن حين يتسلل إلى كلماتنا.. إلى ملامح وجوهنا. إنّ الصداقة ليست زر "إعجاب"، ولا رسالة تهنئة في المناسبات، ولا صورة جماعية تُلتقط ثم تُنسى... فالصديق الحقيقي ليس من يظهر في قائمة الأصدقاء ... إنما من يوجد في خانة الطمأنينة. ربما، حين نكبر، قد لا نتذكر عدد الكتب التي قرأناها، ولا ملامح المدن التي زرناها، ولا حجم الخيبات والانتصارات... وقد نتذكر الأصدقاء الذين شاركونا الضحك من أشياء لم تكن مضحكة، والبكاء من أشياء لم يكن يفهمها أحد سوانا. وربما من أجمل هبات الحياة أن يجد الإنسان في هذا العالم قلب صديق يقول له، كلما أنهكه المشوار: لست وحدك !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115