أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل الاحتجاج والضغط من أجل التشغيل
- بقلم كريمة الماجري
- 15:07 09/07/2026
للمرة الثانية في أقل من شهر، يعود أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل إلى
ساحة القصبة، حاملين المطالب ذاتها تقريبا، وهي تفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 وإصدار أوامره الترتيبية، في مشهد مشابه لما عاشته البلاد قبل 5 سنوات، تاريخ صدور القانون عدد 38.
لتُستنسخ الشعارات، ومنها: "شغل، حرية، كرامة وطنية"، و"التشغيل، التشغيل يا حكومة التعطيل"، و"لا للتسويف والمماطلة"، ويتكرر التوجه إلى رئيس الجمهورية بطلب التدخل لفائدتهم. والمختلف هذه المرة أن المحتجين، وهم يمارسون الضغط على السلطة لتفعيل القانون، يستأنسون بتجارب المعلمين والأساتذة النواب وعمال المناولة في الضغط والتصعيد لدفع السلطات إلى الاستجابة.
وهو الهدف الرئيسي من الوقفة الاحتجاجية التي نفذها العاطلون عن العمل من أصحاب الشهائد العليا، يوم أمس، بساحة القصبة، إذ يضغط المحتجون اليوم من أجل الإسراع في إصدار الأوامر الترتيبية للقانون عدد 18، وفتح المنصة الرقمية الخاصة بالتسجيل، باعتبارها الخطوة الأساسية في مسار انتداب المستفيدين من القانون.
وقفة تكشف أن أزمة الثقة بين أصحاب الشهائد العليا والدولة تتفاقم، خاصة وأن شبح تجربة القانون عدد 38 لسنة 2020 يطل في التفاصيل التي تتكرر، والتي تثير مخاوف آلاف المعطلين من أن يكون مصير القانون عدد 18 مشابها لما سبق، وهو سقوط القانون بانتهاء آجاله دون تنفيذه.
رغم ما رافق صدور القانون عدد 18 المؤرخ في 22 ديسمبر 2025 من خطاب رسمي يؤكد أن القانون سيطبق، وأن مصيره سيكون مغايرا للقانون عدد 38، خاصة وأن الأمر يتعلق بإصدار الأوامر الترتيبية والتنظيمية التي تم التنصيص عليها في القانونين، والهادفة إلى تنظيم مسار انتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم في الوظيفة العمومية والقطاع العام.
واليوم، بعد مرور حوالي 10 أشهر على صدور القانون وختمه ونشره، لم تصدر هذه الأوامر بعد، كما لم يقع إطلاق المنصة الرقمية وعملية التسجيل. وهذا ما ولد خشية من أن يظل القانون عدد 18 مجرد التزام تشريعي غير قابل للتنفيذ، خشية تتغذى من غياب رزنامة رسمية تحدد آجال إصدار النصوص التطبيقية أو موعد انطلاق عمليات الانتداب، ومن تثاقل خطوات السلطة وصمتها.
والصمت هنا يجعل من الصعب على المحتجين الفصل بين القانونين 38 و18، فالقانون الأول، الذي صادق عليه البرلمان سنة 2020، حمل بدوره وعودا بتشغيل أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم، لكنه اصطدم بانتقادات اعتبرته غير قابل للتطبيق بسبب انعكاساته المالية والإدارية، لينتهي دون أن يستفيد منه المعنيون.
واليوم، يخشى أصحاب الشهائد العليا من تكرر السيناريو.
هذه المخاوف من أن تمر السنوات ويسقط القانون دون تطبيقه أو استفادة المعنيين به، كانت محرك الاحتجاجات الراهنة التي تبحث عن التسوية عبر الضغط والتصعيد، في محاولة لتكرار ما شهده ملف المعلمين والأساتذة النواب وملف المناولة، إذ إن الملفين المذكورين لم يجدا طريقهما إلى التسوية دون ضغط ميداني دفع السلطات إلى تسريع الإجراءات.
محاولة تكشف أن جزءا واسعا من التونسيين باتوا يعتبرون أن وسيلتهم الوحيدة لدفع السلطات إلى الاستجابة لمطالبهم هي الضغط والتصعيد، وهذا هو النهج الذي يسلكه العاطلون اليوم، إذ ووفقا للأرقام الصادرة عن المرصد التابع للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد نفذ العاطلون عن العمل من حملة الشهائد العليا أكثر من 75 تحركا احتجاجيا خلال الثلاثي الأول من السنة الراهنة.
ضغط الشارع وتصاعد الاحتجاجات المطالبة بالتشغيل، وإن كان عنوانه الأبرز يوم أمس احتجاج أصحاب الشهائد العليا المعطلين عن العمل، إلا أنه ملف متشابك ومعقد يلاحق حكومة الرئيس، التي لم تنجح بعد في حل ملف الدكاترة الباحثين العاطلين عن العمل، والذين يقدر عددهم بأكثر من سبعة آلاف، وفق تصريحات رسمية ونقابية متطابقة.
ملف قال بشأنه وزير التعليم العالي والبحث العلمي، خلال جلسة عامة بمجلس نواب الشعب في شهر أفريل الماضي، إنه طور المعالجة، وإن دراسة ملفات الترشح لمناظرة انتداب 1350 دكتورا بعنوان سنة 2026 ستنطلق قريبا بعد استكمال الإجراءات التمهيدية.
خطاب تكشف فيه الحكومة عن مقاربة معالجة ملف التشغيل عبر الانتداب في القطاع العام والوظيفة العمومية، رغم إدراكها الفعلي بأن القطاعين لا يمتلكان القدرة الفعلية على استيعاب آلاف أصحاب الشهائد العليا، إذ إن الوظيفة العمومية تعيش منذ سنوات تحت ضغط التحكم في كتلة الأجور، في مقابل تزايد المطالب الاجتماعية بالانتداب. وهو ما يجعل نجاح سياسات التشغيل، سواء تعلق الأمر بالدكاترة أو بالمنتفعين من القانون عدد 18، مرتبطا ليس فقط بإصدار أوامره الترتيبية والإجراءات، بل بتوفير الاعتمادات المالية، ووضع برنامج انتدابات قابل للتنفيذ، يحدد عدد المنتفعين وآجال إدماجهم ومعايير ترتيبهم.
مؤطر
هذه التحركات عادت لتذكر الجميع بأن بطالة أصحاب الشهائد العليا ملف حارق طارد كل السلطات التي تعاقبت على الإشراف على البلاد وإدارتها، وعجزت جلها عن معالجته والتحكم في النسب المرتفعة للبطالة في صفوف حاملي الشهائد، والتي بلغت 24.2 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026، مقابل 22.5 بالمائة خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025، وفق معطيات المعهد الوطني للإحصاء. وذات المعطيات تكشف تفاوتا صارخا بين الجنسين، إذ تبلغ نسبة البطالة في صفوف الرجال 14.2 بالمائة، مقابل 32 بالمائة لدى الإناث.