فنّ العرائس خارج الصندوق: من الإدماج الاجتماعي إلى الإشعاع الدولي

لا تُقاس قيمة المؤسسات الثقافية فقط بعدد العروض التي تنتجها أو

التظاهرات التي تنظمها، إنما بقدرتها على التأثير في المجتمع وصناعة المعنى وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان. ومن هذا المنطلق، تكشف المبادرات الأخيرة للمركز الوطني لفنّ العرائس عن رؤية ثقافية حديثة وعميقة تجعل من الفن أداة للتنمية الإنسانية، ووسيلة للحوار مع العالم، وجسرا يصل الثقافة بمختلف الفئات والجهات.

وتتجسد هذه الرؤية خاصة من خلال ثلاث مبادرات كبرى: شراكة ثقافية ذات بعد اجتماعي داخل الوحدات السجنية، ومشاركات دولية تعزز حضور فن العرائس التونسي خارج الحدود، وقافلة ثقافية متنقلة تنشر الفعل الثقافي في مختلف المناطق.
العرائس في السجون: نافذة للفن...وباب للأمل
مثّل، مؤخرا، إمضاء الاتفاقية الإطارية للشراكة والتعاون بين المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بولاية منوبة والمركز الوطني لفنّ العرائس خطوة ذات دلالات عميقة تتجاوز البعد الإداري والمؤسساتي.
فالغاية من هذه الاتفاقية تتمثل في إنجاز حصص تكوين فني لفائدة الوحدات السجنية بولاية منوبة خلال سنة 2026 في مجال فن العرائس. وهي مبادرة تؤكد الإيمان المتزايد بدور الثقافة في إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي.

إنّ إدخال الفن إلى الفضاء السجني يمثل اعترافا بحق جميع الأفراد في الثقافة والإبداع، مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية أو القانونية. فالفن يمنح الإنسان فرصة للتعبير عن ذاته، واكتشاف قدراته، والتخفيف من العزلة النفسية والاجتماعية. كما يساهم في تنمية الحس الجمالي والقدرة على التواصل والعمل الجماعي، وهي قيم ضرورية لإعادة الاندماج داخل المجتمع.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية لأنها توظف فن العرائس تحديدا، وهو فن يقوم على الخيال والابتكار والتعبير الرمزي، مما يجعله أداة فعالة في تنمية القدرات الإبداعية والتواصلية لدى المشاركين حتى ولو كانوا نزلاء في السجون.
فن العرائس سفيرا للإبداع في المحافل الدولية
يتجاوز حضور الفن التونسي في الخارج مجرد المشاركة الرمزية ليصبح تعبيرا عن حيوية المشهد الثقافي الوطني وقدرته على التفاعل مع التجارب العالمية. وفي هذا الإطار، سجّل المركز الوطني لفن العرائس حضورا لافتا من خلال مشاركتين دوليتين بارزتين.
فقد شارك المركز الوطني لفن العرائس في المهرجان الدولي "Il Premio Internazionale Il Teatro Nudo di Teresa Pomodoro" بمدينة ميلانو الإيطالية من خلال تقديم عرضين للمسرحية العرائسية «مايراوش" للمخرج منير العرقي وإنتاج المركز الوطني لفن العرائس، وقد تم تقديمها يومي 13 و14 ماي 2026 أمام جمهور دولي متنوع.
وتحمل هذه المشاركة دلالات ثقافية مهمة، إذ تمثل فرصة لتقديم التجربة التونسية في فن العرائس ضمن فضاء عالمي يجمع مبدعين من مختلف البلدان. كما تساهم في التعريف بالخصوصية الفنية التونسية وبقدرة المسرح العرائسي المحلي على إنتاج أعمال تمتلك مقومات العالمية من حيث الرؤية الفنية والجمالية.
كما شارك المركز في المهرجان الدولي للمسرح بمدينة أنطاليا التركية من خلال المسرحية العرائسية الموجهة للكبار «الكبوط» من إخراج الفنان أمير العيوني.
وتبرز أهمية هذه المشاركة في كونها تقدم نموذجا مختلفا لفن العرائس، يؤكد أن هذا الفن لا يقتصر على مخاطبة الأطفال فقط، بل يمتلك القدرة على معالجة قضايا إنسانية وفكرية عميقة موجهة للكهول وكل الجمهور.
وتُعدّ هذه المشاركة مناسبة لتعزيز حضور المسرح العرائسي التونسي في الساحة الدولية وتبادل الخبرات مع فنانين ومؤسسات ثقافية من مختلف أنحاء العالم، بما يساهم في تطوير التجربة الفنية الوطنية والانفتاح على آفاق جديدة للإبداع.
قافلة العرائس... تحمل الفرح على طرقات الجهات
إذا كانت المشاركات الدولية تنقل صورة تونس الثقافية إلى الخارج، فإنّ قافلة العرائس تنقل الثقافة إلى الداخل، نحو الأطفال والعائلات في مختلف الجهات.
وتقدم القافلة برنامجا متكاملا يجمع بين الترفيه والتكوين والتفاعل، من خلال: عروض عرائسية وفرجوية متنوعة وورشات في صناعة وتحريك العرائس وفقرات تنشيطية وتفاعلية وألعاب ومسابقات موجهة للأطفال وفضاءات للإبداع والاكتشاف ولقاءات مباشرة مع الفنانين والمنشطين.
وتنبع أهمية هذه القافلة من دورها في تكريس العدالة الثقافية وتقريب الخدمات الثقافية من المواطنين في مختلف المناطق. فهي لا تكتفي بتقديم الفرجة،إنما تسهم في تنمية الخيال والإبداع لدى الأطفال، وتعزز التواصل بين الفنان والجمهور، وتخلق فضاءات ثقافية حية داخل المجتمع. كما تمثل القافلة نموذجا عمليا لثقافة القرب التي تجعل من الفعل الثقافي ممارسة يومية متاحة للجميع، في كسر للمركزية والحدود الجغرافية.
تكشف هذه المبادرات الثلاث للمركز الوطني لفن العرائس عن ملامح مشروع ثقافي متكامل يتجاوز منطق النشاط الظرفي إلى رؤية استراتيجية تجعل من الثقافة قوة فاعلة في المجتمع واستثمارا في الإنسان وإنتاجا للمعنى والوعي والأمل.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115