الروماني بالجم، يستعيد المكان ذاكرته القديمة. فهنا، حيث تعاقبت الحضارات وترددت أصداء التاريخ لأكثر من ألفي عام، تنبعث موسيقى من نوع آخر. هي موسيقى لا تكتفي بملء الفضاء بالنغم إنما تحوّل الأثر إلى حياة والحجارة الصامتة إلى مسرح مفتوح للحلم والجمال. على امتداد 39 عاما، نجح مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في أن يجعل من مدينة الجم عاصمة للموسيقى الكلاسيكية في الضفة الجنوبية للمتوسط. واليوم، وهو يقف على أعتاب دورته الأربعين، أمام المهرجان أكثر من رهان... فهل ينجح هذا الموعد الثقافي العريق في تحويل رصيده التاريخي والفني إلى قوة تضمن استمراره ؟
بينما يستعد مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية للاحتفال العام المقبل بأربعين سنة من الوجود، كشفت الهيئة المديرة خلال ندوة صحفية انتظمت صباح الأربعاء 11 جوان بمتحف الجم "دار إفريقيا" عن تفاصيل الدورة التاسعة والثلاثين التي ستقام من 11 جويلية إلى 15 أوت 2024.
افتتاح تونسي يكرّس خيار دعم الإبداع الوطني
وفاءً للتوجه الذي اعتمدته الهيئة المديرة خلال السنوات الأخيرة، سيكون الافتتاح تونسيا بامتياز. ففي سهرة 11 جويلية يحتضن المسرح الروماني عرض أوبرا "ديدون وإينيه" للمؤلف البريطاني هنري بيرسل، في إنتاج لمسرح أوبرا تونس يجمع بين باليه أوبرا تونس والأوركسترا التونسي وأصوات الأوبرا التونسية، بإخراج وكوريغرافيا عمر راجح.
ويعكس هذا الاختيار حرص المهرجان على منح الفنان التونسي موقعا مركزيا ضمن البرمجة، في توازن بين الانفتاح على التجارب العالمية ودعم الإنتاج الوطني.
يتواصل البرنامج يوم 15 جويلية مع عرض "طربيات كلاسيكية" الذي يجمع الأوركسترا السيمفوني بسوسة والفنانة درصاف الحمداني في تجربة تمزج بين الطرب العربي والتوزيع السيمفوني.
أما يوم 18 جويلية، فسيكون الجمهور على موعد مع أوركسترا كاميرا برشلونة في عرض "ألوان إسبانيا"، الذي ينقل أجواء الموسيقى الإسبانية إلى فضاء الجم التاريخي.
وتخصص سهرتا 24 و25 جويلية لأوركسترا "لورفيون" الفرنسية. السهرة الأولى ستكون تحية موسيقية للفنان مارسيل خليفة، أحد أبرز رموز الموسيقى العربية المعاصرة، فيما تقدم السهرة الثانية عملين من روائع الموسيقى العالمية هما "بوليرو" لموريس رافيل و"شهرزاد" لريمسكي كورساكوف.
وتندرج هذه البرمجة ضمن التوجه الذي يميز المهرجان منذ سنوات والقائم على الجمع بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والأعمال المستوحاة من الموروث الشرقي.
أوركسترا فيينا... ضيف دائم وجمهور وفيّ
تبقى سهرة غرة أوت من أكثر المواعيد المنتظرة في كل دورة، مع عودة أوركسترا أوبرا فيينا النمساوية للمرة الثامنة والعشرين في تاريخ المهرجان.
هذا الحضور المتواصل لم يأت من فراغ، إذ تحولت الأوركسترا إلى علامة فارقة في تاريخ التظاهرة، مستقطبة آلاف المتفرجين من تونس ومن عدد من الدول الأوروبية الذين يحرصون سنويا على متابعة عروضها في المسرح الروماني.
خلال شهر أوت، يستقبل المهرجان الأوركسترا الإيطالية "أويدا" في سهرتين مختلفتين. الأولى يوم 6 أوت مخصصة لموسيقى الأفلام التي ارتبطت بأشهر الأعمال السينمائية العالمية، فيما تعود الفرقة يوم 8 أوت في رحلة عبر كلاسيكيات الأغنية النابولية التي تعد من أبرز مكونات التراث الموسيقي الإيطالي.
ويوم 12 أوت سيكون الموعد مع أوركسترا سيمفونية قرطاج، في تأكيد جديد على الحضور النوعي للمؤسسات الموسيقية التونسية داخل برمجة المهرجان.
أما حفل الاختتام يوم 15 أوت، فسيشهد عودة عازف الكمان النمساوي يوري غيفيتش الذي اختتم دورة العام الماضي وترك انطباعا إيجابيا لدى جمهور المهرجان.
نجاح فني يقابله قلق مالي
بالرغم ثراء البرمجة وتنوعها، فإنّ هاجس الجانب المالي كان حاضرا بقوة خلال الندوة الصحفية. فقد عبرت الهيئة المديرة عن انشغالها بتأخر صرف بعض المنح العمومية المخصصة للمهرجان على غرار دعم وزارة السياحة، مؤكدة سعيها إلى تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص لتأمين موارد إضافية تضمن استمرارية التظاهرة.
ويطرح هذا المعطى إشكالا أعمق يتعلق بمستقبل المهرجانات الثقافية الكبرى في تونس، خاصة تلك التي تراهن على الجودة الفنية وتستضيف فرقا عالمية تحتاج إلى ميزانيات مرتفعة.
أربعون سنة... فرصة لإعادة التموقع
على امتداد تسعة وثلاثين عاما، نجح مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في بناء سمعة دولية جعلته من أبرز المهرجانات المختصة في الموسيقى الكلاسيكية في المنطقة العربية والإفريقية.
من المؤكد أنّ الدورة المقبلة لمهرجان الجم للموسيقى السمفونية ستكون دورة استثنائية بكل المقاييس، إذ ستتزامن مع الذكرى الأربعين لتأسيس المهرجان. وهي مناسبة لا يُنتظر أن تقتصر على الاحتفال بالمنجزات السابقة، بل يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة.
فبعد أربعة عقود من النجاح، بات المهرجان مطالبا بتوسيع حضوره الرقمي، واستقطاب جمهور شاب، وتطوير شراكات دولية أوسع، إلى جانب تحويل مدينة الجم إلى قطب ثقافي وسياحي متكامل يستفيد من القيمة التاريخية الفريدة لمسرحها الروماني.
واليوم، وهو يقف على أعتاب عامه الأربعين، تبدو التحديات أكبر من أي وقت مضى. فالحفاظ على هذا الإرث الثقافي يحتاج إلى بناء نموذج مستدام يضمن للمهرجان مواصلة العزف على أوتار النجاح لعقود قادمة.
بين أنغام الخلود وتحديات التمويل مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية يعزف لحن الصمود
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:19 12/06/2026
في كل صيف، عندما تبدأ الشمس في الانحدار خلف حجارة المدرج
آخر مقالات ليلى بورقعة
- الجمعية التونسية للنقاد المسرحيين تستثمر في المستقبل: من أسئلة الكتابة للمسرح إلى بناء الوعي النقدي
- سور سوسة بين الحقيقة والإشاعة: صور مضللة تشوّه الذاكرة والتراث
- بعد 6 سنوات من الصمت والغياب: طبرقة تستعيد صوت الجاز
- في لوحة فسيفساء عملاقة واستثنائية : زيتونة الخلود للطيّب زيود تستقر نهائيا في اليابان
- بيت جديد لذاكرة خمسين سنة: مجلة "الحياة الثقافية" في مدينة الثقافة