للصين الحديثة، تلك التي تدمج ببراعة بين تراثها الصناعي العريق وأدوات الابتكار التكنولوجي. لقد كشفت رحلتنا الميدانية إلى هذه المدينة عن تحول نوعي في كيفية صياغة التقاليد لتصبح محركات للتنمية المستدامة والريادة العالمية.
ثقافة الشاي: من الموروث إلى التميز العلمي
شكلت زيارة شركة "Hunan Provincial Tea Group" ومتحف الشاي التابع لها محطة جوهرية لفهم "فن الشاي الصيني". لم يعد الشاي هنا مجرد مشروب تقليدي، بل تحول إلى علم قائم بذاته، حيث اطلع الوفد الصحفي التونسي على تقنيات معالجة وتخمير متطورة تهدف إلى الحفاظ على الجودة العالية والفوائد الصحية، لا سيما في "الشاي الأسود" (الأحمر) الذي يحظى بتقدير خاص لقيمته الغذائية.
تحدث القائمون على هذه الشركة عن جودة الشاي الصيني، وأهمية التكنولوجيا المستخدمة في فحصه، ومراحل تصنيعه. هنا في أروقة هذه الشركة تتطور صناعة الشاي لكن دون التخلي عن الموروث التاريخي لفن الشاي الصيني الذي يعد من اهم ركائز وتقاليد المجتمع الصيني في كل اطواره ومراحل تطوره .
تحرص الشركات الصينية على جودة الشاي كأولوية قصوى، حيث يتم استثمار موارد كبيرة في معدات متطورة قادرة على اكتشاف بقايا المبيدات، والمعادن الثقيلة، والمركبات الوظيفية داخل الشاي.
تمتلك الشركات مختبرات متخصصة في الكائنات الحية الدقيقة (الميكروبيولوجي)، وقد حصلت بعض أنواع الشاي على جوائز وطنية رفيعة تقديرا للتميز التكنولوجي في القطاع الزراعي، وهي جوائز نادرة.
واهم أنواع الشاي نجد الشاي الأسود حيث تم اكتشاف مواد مهمة في الشاي الأسود، وهو مفيد جدا للصحة. وأوضحت المتحدثة أن ما يسمى في الصين بـ "الشاي الأحمر" هو في الواقع الشاي الأسود نفسه، حيث تظهر صبغة الشاي باللون الأحمر بعد التخمير، ولهذا يطلقون عليه "الشاي الأحمر". هذا النوع يحتوي على مادة فريدة ومفيدة لعملية الهضم، ويشربه سكان المناطق الحدودية في الصين بكثرة بسبب نظامهم الغذائي المعتمد على اللحوم (الضأن والأغنام).
وأشارت المتحدثة إلى شهرة الماتشا ، وأكدت أن شعبيته في تزايد مستمر.
أما شاي الياسمين فيتميز بلونه الذهبي، ويشار إليه أحيانا بـ "الزهرة الذهبية".
إن هذا التوجه نحو التميز تجسد بوضوح في زيارتنا لشركة "Hunan Xiangtea Hi-Tech Co., Ltd"، التي نالت "جائزة التقدم العلمي والتكنولوجي الوطنية" لعام 2016. لقد استثمرت الشركة موارد هائلة في تقنيات متطورة ومختبرات متخصصة في الميكروبيولوجي قادرة على فحص الجودة بدقة متناهية، واكتشاف بقايا المبيدات والمعادن الثقيلة. هذا الالتزام بالمعايير العلمية مكن الصناعة التقليدية من مواكبة متطلبات الاستهلاك الحديث.
الإعلام الرقمي: الاندماج العميق كأداة للنهضة
في "مجمع مالانشان للفيديو والثقافة" ولقاء وسائل الإعلام في "Zhongguang Tianze"، تبدت لنا ملامح المستقبل، حيث تتبنى المؤسسات الصينية استراتيجية "الاندماج العميق" بين الإعلام التقليدي والتقنيات الناشئة. إن توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لا يهدف فقط إلى تطوير المحتوى، بل إلى نقل القصة الحضارية للصين إلى العالم بأدوات رقمية تعكس حيوية المجتمع وقدرته على مواكبة العصر.
في مداخلة خاصة لـ" المغرب " قدمت الصحفية "راو لي" من صحيفة "تشانغشا إيفنينغ نيوز Changsha Evening News -وهي الصحيفة الرسمية لمدينة تشانغشا-، لمحة عن واقع الاعلام الصيني في عصر التطور التكنولوجي . وقالت محدثتنا :" تتمتع صحيفتنا بتاريخ عريق يمتد لـ 70 عاما. وانطلاقا من كوننا مطبوعة ورقية، فإننا نمضي قدما وبشكل كامل في التطوير المتعمق والمتكامل للصحف، والمواقع الإلكترونية، وتطبيقات الهاتف المحمول، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات الفيديو، والشاشات العامة، لبناء نظام اتصالات عصري وشامل لجميع الوسائط".
وأضافت محدثتنا :"في الوقت الحالي، تصدر مجموعتنا الإعلامية ست صحف ومجلة واحدة، وتدير أكثر من 20 منصة إعلامية متكاملة. وقد تأسس مركزنا للاتصالات الدولية في عام 2024، وهو ملتزم بتعزيز صورة مدينة تشانغشا عالميا، وتسهيل التبادلات الثقافية بين الصين والدول الأجنبية، ودفع التعاون الاقتصادي والتجاري". وعن دور الاعلام في نقل صوت تشانغشا أجابت بالقول:" نحن ننقل صوت تشانغشا ونروي قصصا صينية حية عبر خمس منصات رئيسية لوسائل التواصل الاجتماعي العالمية. وقد تجاوز إجمالي عدد المتابعين لشبكة وسائل التواصل الاجتماعي الخارجية التي نديرها ونشرف عليها المليون متابع. تشمل حساباتنا الرسمية على "فيسبوك" و"إكس" وغيرها". اما بشأن رؤيتها للعلاقات بين بلادها وتونس توضح بالقول :" تتمتع الصين وتونس بروابط صداقة طويلة الأمد. وقد أثبتت الندوة التي عقدت مع الوفد الإعلامي التونسي بشكل كامل الجدوى الكبيرة للتعاون الإعلامي المتعمق بين بلدينا. نحن نتطلع بصدق إلى تعاون أعمق ومثمر في المستقبل."
التعاون الاقتصادي: أفق جديد للشراكة الاستراتيجية
يقف "المعرض الأفريقي الاقتصادي الدائم" شاهدا على الالتزام الصيني بتعزيز الشراكة مع القارة الأفريقية. ومن خلال هذه المنصة، تعمل تشانغشا كمركز إقليمي يفتح أبواب الفرص الاقتصادية، موفرة خدمات مالية وتجارية متخصصة تربط الأسواق الصينية بالأسواق الدولية، وهو ما يعكس رغبة الصين في تحويل نجاحاتها المحلية إلى تعاون دولي ملموس . ومن المنتظر ان توسّع تونس مشاركتها في الجناح المخصص لها في المعرض الاقتصادي الافريقي الدائم .
كانت رحلتنا الى تشانغشا أكثر من مجرد جولة في منشآت صناعية أو مراكز إعلامية، بل كانت قراءة في نموذج تنموي فريد، حيث لا تزال أصالة "ثقافة الشاي" تروي حكاية حضارة لا تتوقف عن التجدد، ولا يزال "الابتكار التكنولوجي" يخطط لمستقبل يتحدث بلغة العصر، مما يجعل من تشانغشا نموذجا ملهما في كيفية الحفاظ على الجوهر الوطني مع الانفتاح الكامل على آفاق المستقبل.
تشانغشا: جسر بين أصالة الشاي الصيني وريادة التكنولوجيا
- بقلم روعة قاسم
- 15:23 03/06/2026
تعد مدينة "تشانغشا"، عاصمة مقاطعة هونان، نموذجا حيا
آخر مقالات روعة قاسم
- بين طموحات ترامب والعدوان الإسرائيلي المفتوح هدنة "هشة" وعواصم تترقب
- جزيرة البرتقال في تشانغشا: حيث تهمس أمواج "شيانغ" بأحلام ماوتسي تونغ للعالمية
- بين ضغوط ترامب ومناورات الاحتلال كيف ينسف "نتنياهو" مسارات الهدنة عبر بوابة لبنان؟
- في يوم افريقيا وزير الخارجية التونسي يؤكد : تونس وإفريقيا مسيرة متواصلة نحو التكامل والتنمية المستدامة في أفق 2063
- العالم يترقب اكتمال ملامح "اتفاق هرمز" بين واشنطن وطهران