إلى المنصات الذكية، تبدو الهوية الرقمية أكثر من مجرد أداة تقنية جديدة فهي مفتاح عبور نحو نموذج مختلف من العلاقة بين المواطن والدولة. غير أن هذا التحول يطرح في تونس، كما في دول عديدة، أسئلة عميقة تتجاوز الجانب التقني الى مسائل اكثر عمق فهل تكفي الرقمنة وحدها لتبسيط المعاملات الإدارية؟ وهل يمكن للهوية الرقمية أن تعزز الثقة بين الإدارة والمتعامل الاقتصادي، أم أنها قد تتحول إلى عبء جديد في ظل الفجوة الرقمية وضعف الجاهزية التقنية؟ هذه الإشكاليات تعود إلى الواجهة مع إعلان السجل الوطني للمؤسسات الانتقال إلى الإيداع الإلكتروني الحصري بداية من غرة جويلية 2026، وربط مختلف الإجراءات بالحصول على الهوية الرقمية سواء عبر “Mobile ID” للأشخاص الطبيعيين أو “DigiGo” للأشخاص المعنويين.
ركيزة الاقتصاد الإداري الجديد
التحول نحو الهوية الرقمية ليس مجرد خيار إداري معزول، بل هو جزء من مسار عالمي لإعادة بناء الخدمات العمومية على أساس السرعة والشفافية وتقليص الكلفة. ففي العديد من الدول، أصبحت الهوية الرقمية البوابة الأساسية للقيام بمعاملات كانت تستوجب سابقا تنقلا ماديا ووثائق ورقية وإمضاءات متعددة. في إستونيا، التي تُعد من أكثر التجارب تقدما في هذا المجال، يستطيع المواطن تأسيس شركة أو دفع الضرائب أو التصويت إلكترونيا في دقائق معدودة بفضل هوية رقمية موحدة وآمنة. وقد مكّن هذا النموذج الدولة من تقليص البيروقراطية بشكل كبير، كما ساهم في الحد من الفساد الإداري وتحسين مناخ الأعمال وجذب المستثمرين.
وفي الهند، رغم التعقيدات الاجتماعية والديمغرافية، نجح نظام “Aadhaar” في إدماج مئات الملايين ضمن المنظومة الرقمية، وربط الخدمات الحكومية بالحسابات البنكية والدعم الاجتماعي. لكن التجربة الهندية كشفت أيضا الوجه الآخر للرقمنة حين أثيرت مخاوف تتعلق بحماية المعطيات الشخصية وإمكانية استبعاد فئات غير قادرة على النفاذ إلى التكنولوجيا. هنا بالتحديد تتضح المفارقة الأساسية فالرقمنة يمكن أن تكون أداة لتوسيع الخدمات، لكنها قد تتحول أيضا إلى شكل جديد من الإقصاء إذا لم ترافقها سياسات اجتماعية وتقنية عادلة.
فرصة للإصلاح أم ضغط جديد؟
تبدو الحاجة إلى الرقمنة في تونس أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، فالمنظومة الإدارية التقليدية أصبحت عبئا حقيقيا على المستثمرين والمؤسسات وحتى على المواطن العادي. ساعات الانتظار الطويلة، تعدد الوثائق، تضارب الإجراءات بين الإدارات، وضعف التنسيق بين الهياكل الرسمية، كلها عوامل ساهمت لسنوات في تعطيل الاستثمار وإضعاف الثقة في الإدارة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم توجه السجل الوطني للمؤسسات نحو الإيداع الإلكتروني الحصري باعتباره محاولة لتجاوز منطق الإدارة الورقية والدخول في مرحلة جديدة أكثر سرعة ونجاعة.
اقتصاديا، تحمل الهوية الرقمية فوائد كبيرة. فكل دقيقة يتم اختصارها في المعاملات الإدارية تعني كلفة أقل على المؤسسات، خاصة بالنسبة للشركات الصغرى والناشئة التي تعاني عادة من تعقيدات الإجراءات. كما أن الرقمنة تساعد على تحسين الشفافية من خلال تتبع العمليات إلكترونيا وتقليص التدخل البشري الذي يفتح أحيانا الباب أمام الرشوة أو المحاباة. إضافة إلى ذلك، فإن الإدارة الرقمية تتيح للدولة قاعدة بيانات أكثر دقة، ما يساعد على التخطيط الاقتصادي ومقاومة الاقتصاد الموازي والتهرب الجبائي.
الفجوة الرقمية ومخاطر الإقصاء
ان الحديث عن المكاسب لا يجب أن يحجب التحديات الحقيقية. فالانتقال السريع نحو الإيداع الإلكتروني الحصري يثير تساؤلات حول مدى جاهزية البنية التحتية الرقمية في تونس. فما تزال عدة مناطق تعاني من ضعف التغطية بالإنترنت، كما أن نسبة مهمة من المواطنين، خاصة كبار السن أو أصحاب المؤسسات الصغرى، لا يمتلكون المهارات الرقمية الكافية للتعامل بسهولة مع المنصات الإلكترونية. وفي ظل هذه الفجوة، قد تتحول الرقمنة من وسيلة تبسيط إلى مصدر جديد للتعقيد والإقصاء.
إضافة إلى ذلك، تظل مسألة الأمن السيبراني من أكبر التحديات المرتبطة بالهوية الرقمية. فكلما توسعت الخدمات الإلكترونية، ازدادت المخاطر المرتبطة بالاختراقات وسرقة المعطيات الشخصية. وتجارب عدة دول أظهرت أن نجاح الهوية الرقمية لا يقوم فقط على التكنولوجيا، بل أيضا على بناء الثقة. المواطن أو المستثمر لن يقبل بسهولة بإيداع كل بياناته ومعاملاته في منظومة رقمية إذا لم يكن مطمئنا إلى وجود حماية قانونية وتقنية صارمة.
الرقمنة ليست مجرد منصة إلكترونية
جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بثقافة الإدارة نفسها. فالرقمنة لا تعني فقط تحويل الوثائق الورقية إلى ملفات إلكترونية، بل تستوجب إعادة التفكير في طرق العمل والعلاقة مع المواطن. في كثير من الأحيان، تفشل مشاريع الرقمنة لأن العقلية البيروقراطية القديمة تبقى حاضرة داخل المنظومة الجديدة، فيجد المواطن نفسه أمام تعقيدات رقمية بدل التعقيدات الورقية. لذلك فإن نجاح الهوية الرقمية في تونس لن يقاس بعدد المنصات التي يتم إطلاقها، بل بقدرتها الفعلية على تسهيل حياة الناس وتقليص الزمن الإداري وتحسين جودة الخدمة.
فؤ الواقع فإن ما يحدث اليوم في تونس يعكس تحولا أعمق يطال مفهوم الدولة نفسها. فالدولة الرقمية ليست مجرد إدارة تستخدم الحاسوب، بل نموذج جديد يقوم على السرعة والشفافية وربط الخدمات ببعضها البعض. غير أن هذا التحول يحتاج إلى توازن دقيق بين التحديث وحماية الحقوق، بين النجاعة الاقتصادية وعدم ترك الفئات الهشة خارج المسار الرقمي. فالهوية الرقمية يمكن أن تكون فرصة حقيقية لإصلاح الإدارة وإنعاش الاقتصاد، لكنها قد تتحول أيضا إلى مصدر توتر اجتماعي إذا تم فرضها دون تدرج أو دون توفير شروط النجاح التقنية والبشرية.
في النهاية، تبدو تونس أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول الرقمنة إلى رافعة لتحديث الدولة وتحسين مناخ الأعمال، أو أن تصبح مجرد واجهة تقنية تخفي الأعطاب القديمة نفسها. وبين التفاؤل المشروع والحذر الضروري، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء إدارة ذكية لا تكتفي برقمنة الإجراءات، بل تعيد تعريف الخدمة العمومية على أساس الكفاءة والثقة والعدالة الرقمية.