عقب اجتماع محافظه فتحي زهير النوري مع كبار مسؤولي البنوك مجرد قرارات مؤسساتية عابرة، بل بدت أقرب إلى رسالة سياسية واقتصادية مشفرة تحمل نقدًا ضمنيًا لطبيعة الدور الذي أصبح يلعبه القطاع البنكي داخل الاقتصاد الوطني فحين يدعو محافظ البنك المركزي البنوك إلى “الانتقال من منطق الحذر إلى منطق المبادرة”، فإنه لا يتحدث فقط عن تحسين نسب الإقراض أو تطوير الخدمات، بل يفتح نقاشًا أعمق يتعلق بوظيفة البنك نفسه فهل ما تزال البنوك التونسية مؤسسات لتمويل التنمية والاستثمار، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى هياكل مالية تدير المخاطر وتراكم الأرباح بعيدًا عن الدورة الاقتصادية الحقيقية؟
هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة في سياق يتسم بضعف النمو، وتراجع الاستثمار، وتزايد الضغوط على المؤسسات الصغرى والمتوسطة، بالتوازي مع توسع اعتماد الدولة على الجهاز البنكي لتمويل حاجياتها المالية لذلك، فإن قراءة هذا البلاغ لا ينبغي أن تقتصر على ما ورد فيه من عبارات رسمية، بل يجب أن تمتد إلى ما يحمله بين سطوره من رسائل وتحولات وإشارات إلى أزمة أعمق داخل العلاقة بين المال والاقتصاد في تونس.
خطاب جديد بلغة مختلفة
ما يلفت الانتباه في خطاب محافظ البنك المركزي هو التغيير الواضح في النبرة مقارنة بالسنوات الماضية، فمنذ أكثر من عقد كان الخطاب النقدي في تونس يتمحور أساسًا حول الحفاظ على التوازنات المالية، والسيطرة على التضخم، وحماية استقرار القطاع البنكي، وكانت الأولوية القصوى تتمثل في تجنب الهزات والمحافظة على صلابة المنظومة المالية مهما كانت كلفة ذلك على مستوى تمويل الاستثمار أو تحريك النمو لكن البلاغ الأخير يكشف أن هذا المنطق بدأ يبلغ حدوده.
يلاحظ المتابع لدقة الظرف مقابل تغيير لغة الخطاب يلاحظ ان البنك المركزي اليوم أصبح يتحدث اليوم بلغة أقرب إلى الاقتصاد التنموي منها إلى الخطاب النقدي التقليدي فالحديث عن الاقتصاد الحقيقي و دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتحويل الادخار إلى استثمار منتج يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستقرار المالي وحده لم يعد كافيًا إذا كان الاقتصاد عاجزًا عن إنتاج الثروة ومواطن الشغل.
في العمق، يبدو أن السلطة النقدية بدأت تستشعر خطر انفصال القطاع البنكي عن محيطه الاقتصادي والاجتماعي، فالبنوك التونسية، رغم حفاظها النسبي على مؤشرات الملاءة والربحية، أصبحت تُتهم بشكل متزايد بالتركيز على الأنشطة الأقل مخاطرة والأكثر ربحية، خاصة تمويل الدولة والقروض الاستهلاكية، مقابل تراجع نسبي في تمويل الاستثمار المنتج.
بين منطق الربح ومنطق التنمية
القطاع البنكي ليس مؤسسة خيرية، وهذه حقيقة اقتصادية بديهية فالبنوك تتحرك وفق منطق الربحية وإدارة المخاطر، خصوصًا في بيئة اقتصادية هشة مثل تونس، حيث تتسم السوق بضعف النمو وارتفاع نسب التعثر وعدم وضوح الرؤية الاستثمارية لكن الإشكال يبدأ حين يصبح منطق الحذر مفرطًا إلى درجة تعطل جزء من الدورة الاقتصادية.
لقد وجدت البنوك التونسية نفسها خلال السنوات الأخيرة، أمام خيارين فإما تمويل مؤسسات خاصة تواجه صعوبات وضبابية في السوق، أو تمويل الدولة عبر الاكتتاب المكثف في سندات الخزينة بعائدات مضمونة ومخاطر أقل ومن الطبيعي إذن أن تميل المؤسسات البنكية إلى الخيار الأكثر أمانًا وربحية، غير أن هذا التوجه أفرز مع الوقت اختلالًا واضحًا في وظيفة القطاع البنكي فبدل أن تكون البنوك محركًا للاستثمار والإنتاج، أصبحت تدريجيًا جزءًا من آلية تمويل العجز العمومي وهنا تكمن الرسالة الضمنية الأخطر في بلاغ البنك المركزي ومفادها أن الاقتصاد التونسي لم يعد قادرًا على تحمل قطاع بنكي يكتفي بحماية توازناته الخاصة دون الانخراط الفعلي في تحريك النمو.
لم يكن التركيز المتكرر في البلاغ على المؤسسات الصغرى والمتوسطة اعتباطيًا، بل كان ممنهجا ومقصودا فهذه المؤسسات من جهة تمثل العمود الفقري للنسيج الاقتصادي التونسي وجميع الأطراف المتداخلة من هياكل مالية واجتماعية وسلط معنية تتحدث عن ضرورة الدعم والمساندة لدفع عجلة الاقتصاد عن طريق هذا النسيج الذي بدأ يتاكل ومن جهة اخرى ، هي الأكثر معاناة في النفاذ إلى التمويل حيث ان العديد من أصحاب المؤسسات يشكون منذ سنوات من تعقيد الإجراءات البنكية، وارتفاع نسب الفائدة، والمبالغة في طلب الضمانات، إضافة إلى بطء معالجة الملفات وفي كثير من الحالات، تجد المؤسسات نفسها عالقة بين حاجة ملحة للتمويل ومنظومة بنكية لا ترى فيها سوى مستوى مرتفعًا من المخاطر.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالبنوك، بل بطبيعة البيئة الاقتصادية والقانونية ككل. فضعف آليات الضمان، وبطء القضاء التجاري، وصعوبة استخلاص الديون، كلها عوامل تدفع البنوك إلى التشدد لكن استمرار هذا الوضع يخلق حلقة مفرغة تتراوح بين اقتصاد ضعيف يؤدي إلى تشدد بنكي، وتشدد بنكي يؤدي بدوره إلى مزيد من ضعف الاستثمار والنمو.
لذلك، فإن دعوة البنك المركزي إلى “إعادة تموقع استراتيجي” للقطاع تبدو محاولة لكسر هذه الحلقة، أو على الأقل الحد من آثارها.
ما وراء خارطة الطريق
يبدو من خلال ما توصل اليه اجتماع محافظ البنك المركزي مع كبار مسؤولي البنوك بإعلان إحداث فريق عمل تحت إشراف المجلس البنكي والمالي لإعداد خارطة طريق خلال شهر واحد يحمل أكثر من دلالة، فمن جهة، يعكس اعترافًا رسميًا بأن الأزمة ليست ظرفية بل هيكلية، وأن القطاع البنكي مطالب بإعادة التفكير في أولوياته ومن جهة أخرى، يكشف أن السلطة النقدية تدرك أن مجرد الخطابات العامة لم تعد كافية لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعداد الوثائق أو عقد الاجتماعات، بل في القدرة على تحويل هذه النوايا إلى إصلاحات فعلية فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو هل يمكن فعلًا دفع البنوك إلى تمويل الاستثمار بشكل أكبر دون إصلاح مناخ الأعمال نفسه؟
في الواقع لا يمكن مطالبة البنوك بالمغامرة أكثر في اقتصاد يعاني من هشاشة هيكلية دون توفير أدوات لتقاسم المخاطر وتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات القانونية والجبائية، وإلا فإن الضغوط على البنوك قد تتحول لاحقًا إلى مصدر هشاشة مالية جديدة.
عموما يمكن القول أن البلاغ الأخير للبنك المركزي التونسي يكشف بوضوح أن مرحلة جديدة من النقاش حول دور البنوك قد بدأت. حيث لم يعد السؤال يقتصر على مدى صلابة المؤشرات المالية، بل أصبح يتعلق أيضًا بمدى قدرة القطاع البنكي على المساهمة في خلق الثروة وتحريك الاستثمار، لكن إعادة ربط البنوك بالاقتصاد الحقيقي ليست مهمة تقنية بسيطة، بل هي مسار طويل يتطلب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمستثمرين والبنوك والمؤسسات كما يتطلب مراجعة عميقة للنموذج الاقتصادي نفسه، حتى لا تبقى البنوك مطالبة بتمويل اقتصاد لا يوفر لها شروط الاستقرار والوضوح.
في النهاية، قد يكون أهم ما حمله هذا الاجتماع ليس ما قيل فيه علنًا، بل الاعتراف الضمني بأن الاقتصاد التونسي دخل مرحلة لم يعد فيها الاستقرار المالي كافيًا دون استقرار اقتصادي واجتماعي أوسع، وهنا ستتحدد ملامح المرحلة القادمة فإما قطاع بنكي يندمج وينخرط مجددًا في مشروع تنموي حقيقي، أو منظومة مالية تواصل إدارة الأزمات في اقتصاد يزداد ابتعادًا عن النمو.