روايته الأولى «الفسيفسائي» الصادرة عن دار «ميسكلياني» للنشر بجائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب كأفضل رواية عربية بعد أن وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» لعام 2024... عيسى ناصري الروائي المغربي هو كل هذه الوجوه مجتمعة. يعتبره النقاد اليوم «من أبرز الأصوات السردية المغربية». كاتب يجيد تقنيات السرد ويتقن الحفر في التاريخ ويخوض في قضايا وجودية بأسلوب «شاعري». زار تونس مؤخرا، فكانت لنا معه هذه الرحلة الخاطفة داخل عوالمه السردية.
• صنعت في إحدى رواياتك بطلا سميته «ناصر العيسى»، جعلت من اسمك لقبا ومن لقبك اسما. هل هو اختيار فني ميتا-سردي أم هي لحظة غرور من «أنا» الكاتب ؟
لا ليس كذلك، أنا فقط اعتمدت تقنية الميتا-سرد باعتبارها كتابة واعية بذاتها وفيها يعمد الكاتب إلى تقنيات من بينها محاورة شخصيته كأن تخرج من داخل العمل لتسأله بدورها عن اختياراته لها. هذا يسمى ميتا-سرد. شخصيا وظفت هذا الاسم حتى أعيش فترة التسعينات التي عاشها السارد في الرواية وهو «ناصر العيسى» باعتبار أنني كنت آنذاك مجرد طفل. لذلك عمدت إلى قلب اسمي من عيسى ناصري (اسمي الحقيقي) إلى ناصر العيسى حتى أوهم القرّاء بأن شيئا من الكاتب يوجد في ناصر العيسى بطل الرواية.
• قبل شروعك في كتابة روايتك قلت إنك أديت عديد الزيارات الميدانية ونبشت في التاريخ والتراث، هل استأنست بآراء المؤرخين والاركيولوجيين والباحثين في الانثروبولوجيا مثلا عند كتابة «الفسيفسائي»؟
ما نكتب الآن تحت جنس الرواية التاريخية ينطلق من مقولة كارل ماركس «التاريخ يعيد نفسه» معنى ذلك انه ثمة تيمات وأفكار لا زالت تكرر نفسها جيلا بعد جيل. والروائي يريد أن يقف عند تلك النقطة المتكررة وأن يعالج ذلك الموضوع مثلما تمت معالجته في القرن الثاني ميلادي مثلا مثلما جاء في رواية «الفسيفسائي» التي تناولت أقسى درجات التقتيل والاستبداد في القرن الثاني ميلادي وهو اذكي ما جاء فيها ومع ذلك لا زلنا إلى اليوم نعيش استعمارا لغويا وهنا تصبح ان تلك القرون التي خلت مجرد أرقام وذلك القلق الوجودي يستمر ويسري عبر العصور إلى اليوم.
ولكن على الكاتب ألا يغلّب التاريخ على الكتابة الادبية حتى يصبح مؤرخا. أنا مبدع وبالنسبة لي هذه الوقائع والتواريخ تمنحني قدرا من الحرية أكثر مما هي متاحة للمؤرخ.
ونحن نتحدث عن الحرية كيف يحضر مفهومها في كتاباتك وما هي حدودك في الكتابة؟
حضور الحرية في كتاباتي تمثل تيمة وجودية رغم أنها تحضر بوجهين ففي رواية «الفسيفسائي» مثلا يظهر الوجه السياسي عبر القمع والتقتيل الذي تعرض له السكان الاصليون والموريون لموريتانيا الطنجية لأن المغرب في العهد الروماني كانت تسمى تحت ولاية موريتانيا الطنجية وذلك بعد تقسيمها إلى موريتانيا طنجية وأخرى قيصرية قرب الجزائر وعاصمتها «نوميديا» بينما عاصمة موريتانيا الطنجية كانت تسمى «طنجيس» والعاصمة الداخلية هي «وليلي» التي اشتغلت عليها في رواية «الفسيفسائي». اذا تعرض السكان الاصليون للاضطهاد وللتقتيل والايذاء حتى باستعمال الوحوش فاستلهمت روايتي من هذا ولكن أيضا من فيلم «قلاديتور» وهذا هو الوجه السياسي ولكن ثمة وجه ثان للحرية وهو فني بالأساس ركزت فيه على مسألة سرقة المخطوطات، وهو نوع من السطو على الفن والإبداع. هكذا ركزت على مفهوم الحرية في كتاباتي كمفهوم وجودي.
• وما حدودك عند الكتابة؟
عند الحديث عن التابوهات عمدت إلى تغطية الجانب الإيروسي خاصة وعوّلت على اللغة الشاعرية دون إيغال في الكتابة التي تسقط صاحبها في الميوعة.
• تخوض في قضايا وجودية عميقة أهمها قضايا الهوية والبحث عن الذات هل نحن أمام أزمة هوية حقيقية ؟
غالبا ما ارتبطت الهوية باللغة باعتبارها مؤسسة اجتماعية، فمن انخرط فيها يدين بثقافة أهلها، وكلما عانقنا لغة الغرب نشعر بخدش في هويتنا. لذلك أغلب شخصيات «الفسيفسائي» تعاني هذا التمزق في الهوية، فلا هي ممسكة بزمام أصالتها المغاربية ولا هي ممسكة بزمام الدفق الغربي وبسيْل اللغة والثقافة الغربيتين. وهنا يظهر شرخ الهوية. طبعا لا اقصد هنا ازمة الهوية في اللغة أو الثقافة فحسب. وإنما تلك التي تمتد حتى إلى كينونة الانسان. فإن فُقدت انسانيتنا فقدنا أصالتنا.
• عند قراءة عنوان «الفسيفسائي» يقفز إلى أذهاننا مفهوم التنوع والتعدد وهنا نتحدث بالضرورة عن التقطيع، ليس فقط على مستوى السرد أو طريقة كتابة الرواية وكأنها مجموعة من القصص المترابطة، وإنما نلاحظ هذا التقطيع الأشبه بالتشظّي في الذوات والشخصيات والزمان والمكان وحتى الهويات .. كيف وظفت هذا التعدد وهذه الثنائيات؟
حضرت الثنائيات في عدة جزئيات منها زيارتي إلى أوروبا وانفتاحي على الكتابة باللغتين وأيضا ثنائية كتابة الأدب والتاريخ وغيرها من الثنائيات. هذا التعدد جاء من طبيعة الفكرة التي تناولتها في» الفسيفسائي» كتيمة أو كفنّ روماني لا يزال يمارَس إلى اليوم ولكن ببنية فسيفسائية عمدت إلى تقطيع الرواية إلى مجموعة فصول وإلى مجموعة قضايا بما فيها القصاصات الصحفية والرسائل والأغاني. هذه القطعة الفسيفسائية نتجت عن البنية الروائية التي ارتأيتها كمبدإ الاشتغال على هذا النص ثم جاء التعدد في تداخل الازمنة أيضا.
• تكتب الخيال والفانتازيا ونعلم قلة عدد كتاب هذا النوع من الأدب، فيهم من نجح عبر كتابة «فانتازيا تجارية»، عبر تحقيق مبيعات ضخمة... لماذا حسب رأيك يصرف بعض النقاد أنظارهم عن نقد كتابة الفانتازيا؟
ربما أشرت في سؤالك بالكتابة التجارية إلى السعودي أسامة المسلم وغيره، بالنسبة لي لا أشتغل على الفانتاستيك في حد ذاته أو أرصد ظواهر فانتازية بعيدة عن الواقع تغوص بنا في خيال محض، وإنما أبحث من وراء الفانتازيا خدمة الواقع تماما مثلما يفعل الرسام الكاريكاتوري الذي يأخذ صورة ويعمد إلى تشويهها لأنه يريد أن يوجه القارئ إلى ذلك العيب. وأنا مثله أريد أن أوجّه القارئ إلى نفس ذلك العيب بهدف معالجة قضية واقعية. لذلك أرى أن الجانب الموضوعاتي المتعلق بالتيمات صار يستقطب النقاد أكثر. أما الجانب الفانتازي الذي يبتعد عن الواقع ولا يشبه قارئ اليوم فهو بعيد بالضرورة حسب رأيي عن اهتمام النقاد.
لمن يقرأ عيسى ناصري من كتّاب تونس؟
اقرأ لكل المغاربة ولا استثني أحدا فبالنسبة لكتاب تونس قرأت لأميرة غنيم وعيسى المؤدب وحسونة المصباحي رحمه الله وعلي القاسمي المترجم والقاص. تبهرني أيضا تجربة الناقد عبد السلام المسدّي. صراحة أقول قولي هذا لأنني اعتبر المشهد الثقافي في تونس ثري جدا وهذا ما لاحظته أيضا في معرض تونس الدولي للكتاب باعتباره تظاهرة مضيئة تشمل بضوئها مشاريع ثقافية كثيرة في البلدان المغاربية وحتى العربية أيضا أرجو أن تستمر هذه الأنشطة وأن يتم تكثيفها كما يجب.
• وأنت الفائز بجائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب كأفضل رواية عربية، لمَ برأيك كل هذا التشكيك في قيمة الروايات المتوجة ومستوى كتّابها في كل مرة؟
الجوائز بالنسبة لي وسيلة وليست غاية. علما أنني اتُّهِمتُ بالكتابة بهدف الحصول على جائزة عندما وصلت روايتي «الفسيفسائي» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
• لكن ثمّة اليوم من ينادي بإلغاء الجوائز بهدف غربلة الساحة الأدبية، هل تساند هذا النداء أم تدحضه؟
الجوائز مهمة لأنها رفعت سقف الكتابة ولولاها لما رأينا بحثا في الرواية. شخصيا أنهيت فكرة روايتي «الفسيفسائي» في السنة الأولى ولكن خلال السنة الثانية والنصف وهبتها محكّا حقيقيا حتى أصنع جمالا وفنا. أقول ذلك لأنني قرأت روايات وصلت إلى القائمتين الطويلة والقصيرة وانبهرت بمستوى تلك الكتابات. وتحمّست بدوري لكتابة ترقى إلى ذلك السقف.
• لاحظنا خلال السنوات القليلة الماضية تركيز أغلب الروايات المتوجة بجوائز، «البوكر نموذجا» على قضايا الهوية والذات العربية «التائهة»، حسب رأيك هل فشلت السياسة في ترسيخ تلك الهوية العربية حتى نستعيد أمجادها من زاوية الأدب؟
ربّما، ولكن الثقافة في الغالب تصلح ما تفسده السياسة. يبقى العمل الثقافي نقطة الضوء والملاذ وهو المجال الذي يمكن أن نمارس فيه حق الرأي والتعبير أمام تطويق ورقابة سياسية وإن تبدو غير موجودة فهي رقابة ذاتية تأتيك ولا يمكن أن تتحدث عنها. لأن السياسة تُحكم بزمام الشعوب وتوجه الرأي العام للتفكير بطريقة ما. وتبقى الحرية المتروكة لنا ككتّاب هي أن نمارس حريتنا في الكتابة، ورغم أننا ندّعي ممارستها الا انه ثمة تابوهات في الثالوث المحرّم منها ما هو سياسي لا نتحدث عنها ليس خشية أو للابتعاد عن المتاعب ولكن أيضا مهما تحدّثنا عنها ومهما ناقشناها بتلك الحدة لا أذان تنصت. لذلك نكتفي بالكتابة الرمزية التي نمرر من خلالها رسائلنا.
• العمل الثقافي ملاذ الكاتب لممارسة حق الرأي والتعبير أمام الرقابة السياسية
عواطف البلدي