بل تحولت إلى محور استراتيجي جديد تتنافس حوله الدول تحت عنوان “الاقتصاد الأزرق”. وبينما تواجه تونس تحديات البطالة، وتراجع النمو، واستنزاف الموارد الطبيعية، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح هل تستطيع البلاد تحويل موقعها البحري وثرواتها الساحلية إلى محرك حقيقي للتنمية المستدامة؟ أم أن الاقتصاد الأزرق سيظل مجرد مفهوم نظري يُستهلك في الخطابات والمشاريع الظرفية؟
لقد أعاد إطلاق مشروع “NEMO HOUT” الممول من إيطاليا بقيمة 5.5 مليون يورو والذؤ تم ةطلاقه مؤخرا هذا الملف إلى الواجهة، ليس فقط باعتباره مشروع تعاون ثنائي، بل لأنه يكشف عن تحوّل أوسع في النظرة إلى البحر باعتباره مورداً اقتصادياً متكاملاً يشمل الصيد البحري، والسياحة، والطاقات المتجددة، والنقل البحري، والصناعات الغذائية، وحماية البيئة البحرية في آن واحد.
الاقتصاد الأزرق يتجاوز الصيد البحري
ظهر مفهوم الاقتصاد الأزرق خلال السنوات الأخيرة باعتباره نموذجاً تنموياً يسعى إلى تحقيق التوازن بين استغلال الموارد البحرية وتحقيق الاستدامة البيئية. وتبنته منظمات دولية عديدة، على غرار البنك الدولي والأمم المتحدة، باعتباره أحد الحلول الاقتصادية القادرة على خلق الثروة وفرص العمل دون استنزاف النظم البيئية البحرية.
ولا يقتصر الاقتصاد الأزرق على قطاع الصيد البحري فقط، بل يشمل سلسلة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالبحر، من الموانئ والخدمات اللوجستية إلى تربية الأحياء المائية والسياحة الساحلية والطاقة البحرية. وتكمن أهميته في قدرته على خلق قيمة مضافة مرتفعة، خصوصاً في الدول المطلة على البحر المتوسط التي تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً، مثل تونس.
ورغم أن تونس تمتلك أكثر من 1300 كيلومتر من السواحل، إضافة إلى مخزون بحري متنوع، فإن مساهمة الاقتصاد البحري في الناتج المحلي لا تزال دون الإمكانات المتاحة. ويرى خبراء أن الإشكال لا يتعلق بندرة الموارد بقدر ما يرتبط بضعف الاستثمار والتخطيط وغياب رؤية متكاملة تربط بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
تونس والرهان البحري المؤجل
خلال العقود الماضية، ظل الاقتصاد التونسي متمركزاً حول قطاعات تقليدية مثل الفلاحة والخدمات والصناعات التحويلية، في حين بقي البحر قطاعاً ثانوياً رغم قدراته التشغيلية الكبيرة. لكن التحولات المناخية وتراجع الموارد البرية وارتفاع الطلب العالمي على المنتجات البحرية دفعت السلطات التونسية إلى إعادة النظر في هذا التوجه.
وفي هذا السياق، تبرز مشاريع التعاون الدولي، خاصة مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا، كأحد المسارات الأساسية لدعم الاقتصاد الأزرق. ويأتي مشروع “نيمو حوت” ضمن هذا التوجه، حيث يستهدف تطوير موانئ الصيد البحري، ودعم المؤسسات الناشئة، وتحسين ظروف البحارة، وتعزيز قدرات التكوين المهني والرقابة البحرية.
غير أن نجاح هذه المشاريع يظل مرتبطاً بقدرة الدولة على تحويلها من تدخلات ظرفية إلى سياسات عمومية مستدامة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير التمويل، بل في بناء منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على تثمين الموارد البحرية محلياً، وخلق صناعات مرتبطة بها، وتحسين تنافسية المنتجات التونسية في الأسواق الدولية.
كما أن الاقتصاد الأزرق يواجه في تونس تحديات معقدة، أبرزها الصيد العشوائي، والتلوث البحري، وتهالك البنية التحتية للموانئ، وضعف التمويل الموجه للمؤسسات الصغرى والمتوسطة العاملة في القطاع. وتؤكد تقارير بيئية أن جزءاً مهماً من الثروة السمكية في البحر المتوسط أصبح مهدداً بسبب الاستغلال المفرط والتغيرات المناخية.
سباق على الثروات البحرية
تحول الاقتصاد الأزرق على المستوى العالمي، إلى أحد أسرع القطاعات نمواً في العالم. وتشير تقديرات دولية إلى أن الأنشطة المرتبطة بالبحار تدرّ تريليونات الدولارات سنوياً، وتؤمن ملايين الوظائف، خاصة في مجالات النقل البحري والطاقة المتجددة والسياحة الساحلية.
وتسعى دول عديدة إلى إعادة صياغة سياساتها الاقتصادية انطلاقاً من البحر. فالصين، على سبيل المثال، استثمرت بشكل ضخم في الصناعات البحرية والموانئ العملاقة، بينما تراهن دول أوروبية على الطاقات البحرية النظيفة وتربية الأحياء المائية كبديل غذائي مستدام.
لكن هذا السباق الاقتصادي يطرح في المقابل إشكاليات بيئية متزايدة. فالبحار اليوم تواجه مستويات خطيرة من التلوث البلاستيكي، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التنوع البيولوجي، ما يجعل مفهوم “الاقتصاد الأزرق المستدام” ضرورة أكثر منه خياراً سياسياً.
وفي منطقة البحر المتوسط تحديداً، تبدو التحديات أكثر تعقيداً بسبب الضغط السكاني والسياحي الكبير على المناطق الساحلية. لذلك، لم تعد التنمية البحرية تقاس فقط بحجم الأرباح، بل بمدى قدرة الدول على تحقيق التوازن بين الاستثمار والحفاظ على المنظومات البيئية.
بين التنمية والاستدامة
تمتلك تونس عناصر مهمة تؤهلها للعب دور متقدم في الاقتصاد الأزرق، سواء من خلال موقعها الجغرافي أو خبرتها التاريخية في الأنشطة البحرية. غير أن الانتقال من الإمكانات إلى النتائج يتطلب إصلاحات عميقة تشمل الحوكمة والتشريعات والبنية التحتية والتكوين.
ويبدو واضحاً أن الاقتصاد الأزرق يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لتقليص البطالة في المناطق الساحلية، خاصة لدى الشباب، عبر دعم المؤسسات الناشئة والصناعات البحرية والخدمات اللوجستية. كما يمكن أن يساهم في تحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي عبر تطوير تربية الأحياء المائية بشكل مستدام.
لكن في المقابل، فإن أي اندفاع اقتصادي غير مدروس قد يؤدي إلى استنزاف الثروات البحرية وتفاقم الاختلالات البيئية. ولذلك، يبقى الرهان الأساسي هو بناء نموذج تنموي يوازن بين الجدوى الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية.
في النهاية لم يعد البحر بالنسبة إلى الدول مجرد حدود جغرافية، بل أصبح فضاءً اقتصادياً واستراتيجياً تتحدد داخله رهانات المستقبل. وفي تونس، يبدو الاقتصاد الأزرق اليوم فرصة حقيقية للخروج من منطق التنمية التقليدية نحو نموذج أكثر تنوعاً واستدامة. غير أن هذه الفرصة تظل رهينة القدرة على تجاوز منطق المشاريع المعزولة وبناء رؤية وطنية طويلة المدى تجعل من البحر مورداً للإنتاج والمعرفة والتشغيل، لا مجرد مساحة تُستنزف مواردها بصمت.
وفي عالم يتغير بسرعة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والمناخية، قد تكون الدول القادرة على فهم قيمة البحر وإدارته بذكاء هي الأكثر استعداداً لاقتصاد المستقبل.