العربية مؤخرا عن دار السفير للنشر في تونس ، محاولة قيمة لنقل التجربة الإندونيسية في التعايش والتعددية إلى القارئ ، مستندا إلى قراءة مقاصدية للنص القرآني. وقد عقدت مؤخرا جلسة فكرية متميزة أثارت نقاشا عميقا حول راهن الخطاب الديني وعلاقته بالدولة الحديثة، وذلك بمناسبة تقديم هذا الكتاب الهام لمؤلفه السفير الإندونيسي بتونس، الدكتور زهيري مصراوي.
قراءة في تجربة "الإسلام الاندونيسي
ينطلق مصراوي في كتابه من رؤية نقدية ترفض التفسيرات الأحادية والمتطرفة، مؤكدا أن القرآن هو دستور عالمي للتسامح. ويركز الكتاب على نموذج "الإسلام الجاوي" (نسبة لجزيرة جاوة)، وهو النموذج الذي استطاع المواءمة بين الشعائر الدينية والتقاليد المحلية، محققا حالة من "الانسجام الفطري" مع التعددية الثقافية والعرقية التي تميز إندونيسيا.
وقال أن القرآن، رغم نزوله بلسان عربي، هو رسالة عالمية قابلة للتأويل وفق السياقات الثقافية المختلفة. ويستعرض المؤلف كيف استطاعت إندونيسيا، كأكبر دولة إسلامية من حيث السكان، أن تصيغ "إسلاما إندونيسيا" يتميز بمرونة عالية.
ومن أبرز القضايا التي يطرحها الكتاب، هي علاقة الشريعة بالدولة. يستشهد مصراوي بمواقف تاريخية لجمعية "نهضة العلماء" الإندونيسية، مؤكدا أن تطبيق قيم الشريعة (كالتسامح والعدل والمساواة) لا يشترط بالضرورة إقامة "دولة دينية". فالدولة في المنظور الإندونيسي هي وعاء للمواطنة، حيث يظل باب الدعوة مفتوحا بالتي هي أحسن، بينما تظل السياسة مساحة للمصلحة العامة والتعايش بين كافة المكونات (المسلمين، المسيحيين، الهندوس، والصابئة).
أحد أهم المباحث الفكرية في الكتاب هو تناول قضية "النسخ" في القرآن. حيث يرفض المؤلف والباحثون الإندونيسيون الذين يستشهد بهم (مثل بويا حمكا وأحمد شافعي معارف) القول بأن آيات القتال أو التشدد تنسخ آيات التسامح. ويرى مصراوي أن آيات مثل "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ" يجب أن تُفهم في سياق جوهر الإسلام القائم على الإيمان والعمل الصالح، وليس كأداة للإقصاء أو التعصب الطائفي.
إندونيسيا كنموذج عالمي للتعايش
خلال تقديمه للكتاب، أدلى السفير زهيري مصراوي بتصريحات لافتة، أكد فيها أن إندونيسيا ليست مجرد دولة مسلمة كبيرة، بل هي "مختبر حي" لإدارة التنوع.
وأوضح السفير أن القرآن كان ملهما لمبادئ الـ "بانتشاسيلا" (الدستور الإندونيسي)، التي تضع المواطنة فوق أي اعتبار ديني أو عرقي، مما يضمن المساواة الكاملة لـ 270 مليون نسمة يتحدثون أكثر من 700 لغة.
و صرح مصراوي بأن هناك تقاطعا وجدانيا وفكريا كبيرا بين مدرسة "الزيتونة" الإصلاحية في تونس والمدرسة الإندونيسية، مؤكدا أن البلدين يتنفسان من "رئة الاعتدال" والوسطية.
وشدد السفير على أن المسلم الإندونيسي لا يجد تعارضا بين إخلاصه لدينه ووفائه لدولته الوطنية المدنية، معتبرا أن التسامح ليس "تنازلا" بل هو أصل فقهي وضرورة أمنية وحضارية لبناء اقتصاد قوي واستقرار مستدام.
التواصل الاجتماعي وتجاوز الأزمات
لم يغفل الكتاب الجانب السوسيولوجي والسياسي، حيث حلل مصراوي أزمات الثقة بين الشعوب والسلطة، مرجعا إياها إلى "انقطاع قنوات التواصل" ونشوء لغة بيروقراطية معقدة. ودعا إلى استلهام القيم القرآنية في بناء "تواصل اجتماعي" شفاف يعزز اللحمة الوطنية ويقطع الطريق أمام النزعات الانفصالية والمتطرفة.
وجّه السفير نداء للباحثين بضرورة الانفتاح على التجارب الإسلامية غير العربية، معتبرا أن إندونيسيا تقدم حلولا عملية لمعضلات الطائفية والنزاعات الدينية التي تعصف ببعض المناطق في الشرق الأوسط. "يقول السفير مصراوي:" إن التسامح ليس مجرد كلمة جميلة، بل هو ضرورة أمنية وحضارية فبدون التسامح لا يمكن بناء اقتصاد قوي أو استقرار سياسي مستدام."
التجربة الاندونيسية بعيون تونسية
وخلال هذه الجلسة الفكرية ركز الصحفي والكاتب محمد الماطري صميدة
على العلاقة العاطفية والفكرية التي تربط السفير زهيري مصراوي بتونس، واصفا إياه بأنه "سفير استثنائي" لا يكتفي بالعمل الدبلوماسي التقليدي، بل يغوص في العمق الثقافي والفكري.
مطران الذي اطلع عن كثب على التجربة الاندونيسية ولديه عديد المؤلفات الهامة حول اندونيسيا وخصائص المجتمع الاندونيسي التعددي وسر النهضة الاندونيسية ، عبّر خلال المحاضرة عن إعجابه بكيفية تقديم الكتاب لصورة الإسلام في إندونيسيا، وهو إسلام "هادئ ومسالم" استطاع أن يوحد شعبا يتوزع على آلاف الجزر وعشرات الأعراق.
أشار مطران الى إلى أن الكتاب يفكك المفاهيم الخاطئة حول علاقة المسلم بغير المسلم، مؤكدا أن القرآن في جوهره يدعو إلى التسامح المطلق والتعايش المشترك كضرورة لبناء الحضارة.
وأكد مطران أن السفير مصراوي يمارس "دبلوماسية الفكر"، حيث يحاول من خلال هذا الكتاب وغيره من الأنشطة تقريب المسافات بين "المشرق العربي" و"الشرق الأقصى"، معتبرا أن تونس وإندونيسيا تتشابهان في نزعتهما نحو الاعتدال والوسطية.
وأثنى مطران على لغة الكتاب المترجمة للعربية، معتبرا إياها لغة رصينة تفتح آفاقا جديدة أمام الصحفيين والباحثين التونسيين لفهم تجربة إسلامية ناجحة ديمقراطيا واقتصاديا. وقال مطران :" يقدم لنا السفير في هذا الكتاب عصارة تجربة شعب، ويثبت أن القرآن الكريم لم يكن يوما عائقا أمام الحداثة أو التعددية، بل كان وما زال منبعا للتسامح الذي نراه يتجسد اليوم في قوة إندونيسيا وتماسكها."
يأتي تقديم هذا الكتاب في تونس ليفتح آفاقا للمقارنة بين التجربة الإصلاحية التونسية من ابن عاشور إلى أركون وبين مدرسة التجديد الإندونيسية. كما يمثل كتاب "القرآن كتاب التسامح" دعوة لإعادة قراءة الوحي كمنطلق للبناء الإنساني، وتذكير بأن الاختلاف ليس عائقا، بل هو ثراء يقوي نسيج الأمة إذا ما تم اتخاذ "التسامح" دستورا ومنهجا. فالكتاب في حدا ذاته يعتبر رحلة فكرية مشوقة، تليق بكاتب ودبلوماسي عرف كيف ينقل روح الشرق الأقصى إلى قلب تونس.
في ندوة فكرية لتقديم كتاب "القرآن كتاب التسامح" : "جاكرتا" و"تونس" في حوار كوني حول قيم الاعتدال
- بقلم روعة قاسم
- 15:21 08/05/2026
يمثل كتاب " القرآن كتاب التسامح" التي صدرت نسخته
آخر مقالات روعة قاسم
- ما مصير المسار الدبلوماسي المتعثر بين واشنطن وطهران في ظل "حرب الممرات"
- هدنة اسلام آباد وما بعدها ...مضيق هرمز والرهانات المتقاطعة هل تنجح "دبلوماسية الحافة" بين ترامب وطهران؟
- اختراق دبلوماسي بين واشنطن وطهران المنطقة بين الهدنة الدائمة أو مرحلة إعادة تموضع القوى
- تحت ستار الهدنة مضيق هرمز على حافة الانفجار والعدوان الصهيوني يستنزف الجنوب اللبناني
- بين هرمز والجنوب اللبناني والعمق الإيراني مخاوف من انزلاق المنطقة نحو حرب استنزاف كبرى