لا تهدأ، بل تعيد ترتيب صفوفها خلف ستار من "هدنات" هشة لم تكن يوما سوى استراحة محارب لجمع الأنفاس وتذخير السلاح. فالمشهد القادم من مضيق هرمز، ومن غرف عمليات القرار في تل أبيب وواشنطن، يؤكد أننا لسنا أمام مجرد "خروقات" لاتفاقات وقف إطلاق النار، بل أمام مخاض عسير لمواجهة إقليمية كبرى قد ترسم خارطة الشرق الأوسط لعقود قادمة.
في مضيق هرمز، الشريان التاجي للطاقة العالمية، تجاوز الصراع لغة الدبلوماسية ودخل مجددا مرحلة المواجهة المباشرة . فإعلان طهران منع السفن الأمريكية من العبور، ورد واشنطن بإطلاق "مشروع الحرية" وتدشين جسر جوي وبحري بـ 15 ألف جندي، يضع الملاحة الدولية في مهب الريح. لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحول إلى منصة اشتباك سيادي، حيث تسعى الولايات المتحدة لكسر "الحصار" الذي فرضه الأمر الواقع الإيراني منذ مارس الماضي، بينما ترى طهران في منع القطع الحربية الأمريكية حقا مشروعا للدفاع عن أمنها القومي بعد فرض الحصار البحري على موانئها.
وبالتوازي مع هذا التصعيد في الخليج، وفي الضفة الأخيرة من مثلث المواجهة ، نجد ان فالكيان الصهيوني يواصل خروقاته الممنهجة لاتفاقات وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، وليس مهتما بتثبيت التهدئة بقدر ما هو منغمس في سباق تسلح محموم يستهدف العمق الإيراني. إن المصادقة على شراء سربين جديدين من طائرات "إف-35" و"إف-15 آي" المتطورة، والأنباء عن تسلم طائرة التزود بالوقود "KC-46" الشهر المقبل، ليست مجرد صفقات تجارية عادية، إنها الرسالة الصهيونية الأكثر صراحة بجهوزية سلاح الجو لضرب الأهداف الحيوية الإيرانية التي تبعد آلاف الكيلومترات.
إن ما تصفه قيادة الاحتلال الإسرائيلية بـ "زئير الأسد" يعكس استراتيجية الحرب والهروب الى الامام التي ينتهجها نتنياهو ، هربا من ضغوط الداخل والخارج ومن كل قضايا الاجرام الخارجي والفساد الداخلي التي تلاحقه في المحاكم الصهيونية او الدولية . فهذا الاستنفار العسكري، الذي يترافق مع إنذارات بإخلاء قرى جنوبي لبنان وتوسيع ما يسمى بـ "الخط الأصفر"، يكشف أن "الهدنة" في قاموس الاحتلال هي مجرد غطاء لتغيير الواقع الميداني وتثبيت احتلال مقنع في الجنوب اللبناني، تماما كما حدث في قطاع غزة.
أمام هذا المشهد المتفجر، يبدو أن مسار المفاوضات في باكستان قد وصل إلى طريق مسدود. فالفجوة بين "مشروع الحرية" الأمريكي الذي يراه الإيرانيون احتلالا للمضيق، وبين "السيادة الإيرانية" التي تراها واشنطن تهديدا للأمن الصهيوني، باتت عصية على الجسر. نحن أمام مفترق طرق: إما أن تنجح الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة في اجتراح "معجزة" تمدد الهدنة بضمانات حقيقية، أو أن المنطقة ستنزلق نحو حرب استنزاف كبرى تتداخل فيها جبهات هرمز، والجنوب اللبناني، والعمق الإيراني.
المنطقة اليوم تشهد عملية صهيو أمريكية ممنهجة لكسر حائط الصد الاستراتيجي الذي تمثله القوى المقاومة . هي حرب وجود لن تقف عند حدود جغرافية معينة، بل سيمتد لهيبها ليشمل الأمن القومي العربي بمجمله. فالهدنة اليوم في غزة ولبنان وايران ليست سوى استراحة ما قبل المعركة الأطول في تاريخ المنطقة .
الأزمة بالأرقام
15,000 جندي أمريكي تم حشدهم لدعم "مشروع الحرية" في هرمز
2,679 شهيد و 8,229 جريح حصيلة خسائر العدوان على لبنان
1.6 مليون نازح في لبنان بسبب الحرب الأخيرة
بين هرمز والجنوب اللبناني والعمق الإيراني مخاوف من انزلاق المنطقة نحو حرب استنزاف كبرى
- بقلم روعة قاسم
- 15:17 05/05/2026
- 25 عدد المشاهدات
تستيقظ المنطقة اليوم على إيقاع طبول حرب