تقرير دولي 71.4 مليار دولار لإعادة إعمار غزة.. دمار واسع وخطة تعاف تمتد لعقد كامل

أكد تقييم دولي صدر يوم أمس الاثنين ،أعدّه كلّ

من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي، أن قطاع غزة يواجه تحديا غير مسبوق في مسار التعافي، حيث تُقدَّر الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار والإنعاش الاقتصادي بنحو 71.4 مليار دولار على مدار السنوات العشر المقبلة.
ويعكس هذا الرقم الضخم حجم الدمار الهيكلي الذي أصاب القطاع نتيجة حرب الإبادة الصهيونية المستمرة منذ اكتوبر 2023 ، إذ يوضح التقرير أن ما يقارب 26.3 مليار دولار ستكون مطلوبة خلال أول 18 شهرا فقط، وهي مرحلة حرجة تستهدف إعادة تشغيل الخدمات الأساسية وإصلاح البنية التحتية الحيوية وتهيئة الاقتصاد لمرحلة التعافي التدريجي.
ووفق مراقبين تظهر المعطيات الواردة في تقرير الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بالتعاون مع البنك الدولي، أن أزمة غزة لم تعد مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل تحولت إلى اختبار معقد لقدرة النظام الدولي على إدارة مرحلة ما بعد النزاعات. فحجم التمويل المطلوب، إلى جانب التشابك بين المسارات الإنسانية والسياسية، يعكس أن أي تأخير في تهيئة البيئة المناسبة، خصوصا فيما يتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803، قد يؤدي إلى إطالة أمد التعافي ورفع كلفته بشكل أكبر. كما أن غياب إطار حوكمة مستقر وفعال قد يهدد بتبديد الموارد دون تحقيق أثر مستدام، ما يجعل من إعادة الإعمار عملية سياسية بقدر ما هي اقتصادية، بل وربما أكثر تعقيدا في ظل التوازنات الإقليمية والدولية الحالية.
قراءة في حجم الخسائر
وتكشف البيانات الواردة في التقييم عن أضرار مادية مباشرة تقدر بنحو 35.2 مليار دولار، وتتركز بشكل أساسي في البنية التحتية والمرافق العامة. في المقابل، بلغت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية حوالي 22.7 مليار دولار، ما يعكس ليس فقط تدمير الأصول، بل أيضا تعطّل عجلة الإنتاج وفقدان مصادر الدخل.
ووفق التقرير تشمل القطاعات الأكثر تضررا الإسكان والصحة والتعليم والتجارة والزراعة، وهي ركائز الاستقرار المجتمعي. فقد تم تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 371,888 وحدة سكنية من قبل قوات الاحتلال، بينما خرج أكثر من نصف المستشفيات عن الخدمة، وتعرضت جميع المدارس تقريبا للتدمير أو الضرر.ووفق خبراء فإن هذه المؤشرات تفسر الانكماش الاقتصادي الحاد الذي بلغ 84%.
تداعيات إنسانية كارثية
ولا يقتصر التقرير على الأبعاد الاقتصادية، بل يسلّط الضوء على التراجع الكبير في مؤشرات التنمية البشرية، والذي قدر بما يعادل 77 عاما إلى الوراء. كما أن نحو 1.9 مليون شخص تعرضوا للنزوح، في كثير من الحالات بشكل متكرر، مع فقدان أكثر من 60% من السكان لمساكنهم.

وتبرز الفئات الأكثر هشاشة-خصوصا النساء والأطفال وذوو الإعاقة- كأكثر المتضررين، ما يعكس فجوة اجتماعية وإنسانية مرشحة للاتساع في حال غياب تدخلات فعالة وسريعة.
كما يربط التقرير نجاح عملية التعافي بجملة من الشروط السياسية والأمنية والمؤسسية، أبرزها تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي يشكل الإطار الدولي الناظم لمرحلة ما بعد الحرب.وفي هذا السياق، يعد تثبيت وقف إطلاق نار مستدام وتوفير بيئة أمنية مستقرة شرطا أساسيا، إلى جانب ضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية بشكل فوري.
كما يشدد التقييم على أهمية حرية حركة الأفراد والسلع، وتوفير نظام مالي شفاف وفعّال، إضافة إلى وجود هيكل حوكمة واضح يخضع للمساءلة، مع تحديد دقيق لصلاحيات الجهات الانتقالية التي ستدير المرحلة، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية.
تحديات التنفيذ على الأرض
من الناحية العملية، يبرز عدد من الملفات المعقدة التي قد تعرقل إعادة الإعمار، مثل إزالة الأنقاض، والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، وتسوية قضايا الملكية والسكن. وهي قضايا تتطلب وقتا طويلا وموارد تقنية ومالية كبيرة في موجاهة الى الاحتلال الصهيونية .
كما يدعو التقرير المجتمع الدولي إلى تنسيق الجهود بشكل أكثر فاعلية، وتسريع نشر الخبرات والمعدات اللازمة، في ظل الحاجة الملحّة لتفادي فجوة زمنية بين الإغاثة الطارئة وإعادة الإعمار الشامل.
ويخلص التقرير إلى أن إعادة بناء غزة لا يمكن أن تكون عملية هندسية أو اقتصادية فقط، بل هي مسار سياسي بامتياز. إذ يؤكد أن نجاح الخطة مرتبط بوجود أفق واضح لتسوية سياسية دائمة تقوم على حل الدولتين، وبإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية بالتوازي مع إعادة إعمار البنية التحتية في ظل حرب ابادة مستمرة وتعنت صهيوني دائم .

وتبدو كلفة 71.4 مليار دولار ليست مجرد رقم مالي، بل مؤشر على حجم التعقيد الذي يحيط بمستقبل القطاع، حيث تتداخل الاعتبارات الإنسانية والاقتصادية والسياسية في معادلة واحدة يصعب فصل عناصرها.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115