تمويلات دولية تقارب 190 مليون يورو لتطوير بنيتها التحتية الرقمية، من بينها مشروع ربط البلاد بكابل بحري دولي عالي السعة. هذه الخطوة، التي تندرج ضمن مسار أوسع لتحديث الشبكات وتعزيز الربط الدولي، تعيد طرح سؤال محوري يتعلق بالبنية التحتية الرقمية وهل أنها ستظل مجرد استثمار تقني محدود الأثر في ظل تحديات هيكلية أعمق أم أنها من الممكن أن تكون رافعة حقيقية لإنعاش الاقتصاد التونسي؟؟ في عالم تُعاد فيه صياغة موازين القوى الاقتصادية على أساس البيانات والاتصال، والإجابة عن هذا السؤال تبدو أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
لم تعد البنية التحتية الرقمية عنصرًا ثانويًا في معادلة التنمية، بل أصبحت أساسًا يقوم عليه الاقتصاد العالمي فشبكات الإنترنت عالية السرعة، ومراكز البيانات، وأنظمة الاتصالات المتقدمة، تشكل اليوم البيئة التي تنمو فيها الأنشطة الاقتصادية الحديثة، من التجارة الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي.
تونس في قلب التحول
تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الرقمي يمثل أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات ببلوغه ربع الاقتصاد العالمي بحلول 2030 كما أن حجم الاستثمارات العالمية في هذا المجال تجاوز 1.5 تريليون دولار سنويًا، ما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السيطرة على تدفقات البيانات أصبحت عنصرًا حاسمًا في التنافس الاقتصادي. في هذا السياق، لم تعد الدول تتنافس فقط على الموارد الطبيعية، بل على سرعة الاتصال، وجودة الشبكات، وقدرتها على استيعاب البيانات وتحليلها وفي ما يتعلق بتونس فان الاستثمار في البنية التحتية الرقمية يمثل ، فرصة لإعادة تموقع اقتصادي في محيط إقليمي ودولي متغير. فموقعها الجغرافي، القريب من أوروبا والمنفتح على إفريقيا، يمنحها إمكانية أن تصبح منصة عبور للبيانات، خاصة مع تطوير الكابلات البحرية وتعزيز الربط الدولي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة استثمارات ملموسة في هذا المجال، من بينها ربط آلاف المؤسسات التعليمية بشبكات الألياف البصرية باستثمارات تجاوزت 130 مليون دينار، ما ساهم في تحسين جودة الخدمات الرقمية لفائدة أكثر من 1.5 مليون تلميذ. كما تعمل الدولة على رقمنة الخدمات الإدارية وتوسيع التغطية الرقمية، في إطار سعيها لبناء اقتصاد أكثر كفاءة وشفافية.
غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لا تزال في مرحلة البناء، وتحتاج إلى استمرارية وتكامل حتى تحقق أثرها الكامل.
المسار و الإشكاليات
رغم الديناميكية التي يشهدها الاستثمار في البنية التحتية الرقمية في تونس، فإن هذا المسار يواجه جملة من الإشكاليات التي قد تحد من نجاعته وتأثيره الاقتصادي. تبرز في مقدمة هذه التحديات مسألة التمويل، حيث تعتمد المشاريع الكبرى بشكل ملحوظ على القروض والتمويلات الخارجية، ما يطرح إشكالية الاستدامة المالية وقدرة الدولة على مواصلة الاستثمار دون تعميق الضغوط على الميزانية. إلى جانب ذلك، لا تزال الفجوة الرقمية بين المناطق الساحلية والداخلية قائمة، وهو ما يعكس اختلالًا في توزيع الاستثمارات ويهدد بتكريس تفاوت تنموي في عصر يفترض أن يكون قائمًا على تكافؤ الفرص. كما تمثل محدودية الكفاءات الرقمية عائقًا حقيقيًا، إذ لا يتماشى نسق تكوين المهارات مع تسارع التحول التكنولوجي، ما يقلل من قدرة السوق المحلية على استيعاب هذه البنية التحتية واستغلالها اقتصاديًا.
في الواقع لا يمكن إغفال التعقيدات الإدارية وضعف مناخ الأعمال، التي تعرقل أحيانًا تنفيذ المشاريع أو استقطاب الاستثمارات الخاصة، في وقت يتطلب فيه القطاع مرونة وسرعة في اتخاذ القرار. يضاف إلى ذلك تحدي الأمن السيبراني، في ظل تزايد التهديدات الرقمية، ما يفرض ضرورة استثمارات موازية في الحماية والتشريعات. مجتمعة، تعكس هذه الإشكاليات أن نجاح تونس في هذا الرهان لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على تجاوز هذه العوائق ضمن رؤية شاملة ومندمجة.
الأثر الاقتصادي ومن البنية إلى القيمة
تكمن أهمية البنية التحتية الرقمية في قدرتها على خلق قيمة اقتصادية تتجاوز حدود القطاع التكنولوجي نفسه فالدراسات تشير إلى أن زيادة بنسبة 10% في انتشار الإنترنت عالي السرعة يمكن أن ترفع النمو الاقتصادي بنحو 1 إلى 2%، من خلال تحسين الإنتاجية وتسهيل المعاملات وتوسيع الأسواق.
في تونس، يمكن لهذا الأثر أن يكون مضاعفًا، نظرًا لحاجة الاقتصاد إلى مصادر نمو جديدة، فالقطاع الرقمي يتيح فرصًا في مجالات متعددة، مثل التعهيد والخدمات عن بعد، حيث يمكن اولا الشركات التونسية تقديم خدماتها للأسواق الأوروبية والأفريقية دون الحاجة إلى استثمارات مادية ضخمة وثانيا تطوير منظومة الشركات الناشئة التي شهدت تطورًا ملحوظًا، حيث تجاوز عددها 800 شركة، تنشط في مجالات التكنولوجيا والابتكار.
بلا شك هذا الحراك يعكس ديناميكية جديدة، يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للنمو إذا ما تم دعمها ببنية تحتية قوية وبيئة أعمال ملائمة.
تجدر الإشارة الى انه رغم التقدم المسجل، لا تزال الفجوة الرقمية تمثل أحد أبرز التحديات في تونس. ففي حين تستفيد المدن الكبرى من تحسن جودة الإنترنت، تعاني مناطق داخلية عديدة من ضعف التغطية، ما يحد من فرصها في الاستفادة من الاقتصاد الرقمي.
هذا التفاوت لا يقتصر على البنية التحتية، بل يشمل أيضًا المهارات الرقمية، حيث يواجه العديد من الشباب صعوبة في اكتساب الكفاءات اللازمة للاندماج في سوق العمل الرقمي. وفي غياب سياسات شاملة لمعالجة هذه الفجوة، قد يتحول التحول الرقمي إلى عامل تعميق للفوارق بدل تقليصها.
الطموح وشروط النجاح
رغم الفرص الكبيرة التي يتيحها الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، فإن تحقيق نتائجه يظل رهين توفر مجموعة من الشروط، من أبرزها تطوير التعليم والتكوين في المجالات الرقمية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص، كما أن نجاح هذا المسار يعتمد على وجود رؤية إستراتيجية واضحة، تضمن توجيه الاستثمارات نحو خلق قيمة مضافة حقيقية، بدل الاكتفاء بتحسين المؤشرات التقنية، فالبنية التحتية، مهما بلغت جودتها، لا تحقق أثرها دون منظومة اقتصادية قادرة على استغلالها.