فيما جبهة لبنان أمام اختبار التصعيد جدل حول ملامح الخطوة المقبلة لواشنطن في الحرب ضدّ إيران

تجد الإدارة الأمريكية نفسها اليوم أمام اختبار

هو الأكثر تعقيداً منذ اندلاع المواجهة العسكرية مع طهران، اذ تشتعل في الداخل الأمريكي شرارة أزمة اقتصادية وسياسية تقودها أسعار الوقود المتصاعدة، لتضع البيت الأبيض أمام تساؤل مصيري: هل اقتربت الحرب فعلاً من نهايتها كما يروج الرئيس ترامب، أم أن المنطقة تنزلق نحو "ثقب أسود" من التصعيد غير التقليدي؟
لم تعد لغة الميدان وحدها هي المتحكمة في مسار الصراع، إذ يقتحم "شبح التضخم" غرف العمليات العسكرية، مع تسجيل قفزات حادة في أسعار الطاقة العالمية بلغت 23 بالمئة للديزل، مما يهدد المزاج الانتخابي الأمريكي ويضغط لتسريع إغلاق ملف الحرب. لكن هذا الإغلاق المنشود يصطدم بواقع جيوسياسي شديد الحساسية، حيث تبرز "الجبهة اللبنانية" كعقدة عصية على الحل، وسط مؤشرات متزايدة عن توجه واشنطن وتل أبيب نحو استراتيجية "فصل المسارات"، والإبقاء على فتيل الحرب مشتعلاً مع حزب الله حتى بعد صمت المدافع على الجبهة الإيرانية.
بين طموحات الحسم العسكري وواقع الاستنزاف الاقتصادي، يقف الشرق الأوسط اليوم عند مفترق طرق استراتيجي، في خضم انفجار إقليمي تعيد الجبهة اللبنانية رسم ملامحه من جديد.

مرحلة حساسة

مع استمرار الحرب الصهيو-أمريكية ضد إيران وتصاعد الضربات الجوية اليومية، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام مرحلة حساسة تتطلب تحديد المسار التالي للحرب. فبينما تؤكد واشنطن أن العمليات تسير وفق الخطة العسكرية الموضوعة، تتزايد في المقابل الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي قد تدفع البيت الأبيض إلى تسريع إنهاء المواجهة أو إعادة صياغة أهدافها.
وترافق ذلك مع استمرار الضربات الجوية ضد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية ومواقع الطائرات المسيّرة، في محاولة لتقليص قدرة طهران على تنفيذ هجمات بعيدة المدى أو تهديد الملاحة البحرية في الخليج.لكن رغم هذه التطورات، لا تزال القيادة العسكرية الأمريكية تدرك أن المواجهة مع إيران تختلف عن كثير من الحروب التقليدية، إذ تمتلك طهران شبكة واسعة من القدرات غير المتكافئة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة وحلفاء إقليميين قادرين على توسيع رقعة الصراع.

ضغط داخلي متزايد

إلى جانب الحسابات العسكرية، يبرز الاقتصاد كأحد أبرز العوامل التي قد تحدد توقيت إنهاء الحرب. فقد أدى استهداف منشآت الطاقة الإيرانية وتصاعد التوتر حول مضيق إلى اضطراب واضح في أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب تقديرات أولية، ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 18بالمئة ، فيما صعدت أسعار الديزل بنحو 23 بالمئة خلال فترة قصيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على تكاليف النقل والشحن وأسعار السلع الأساسية.
وتشكل هذه الزيادات ضغطا إضافيا على الاقتصاد الأمريكي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ويخشى صناع القرار في واشنطن أن يؤدي استمرار الحرب إلى موجة تضخم جديدة، قد تتحول إلى عامل سياسي حساس داخل الولايات المتحدة.كما أن اضطراب حركة التجارة الدولية وارتفاع تكاليف النقل البحري قد يؤثران على سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً أن المنطقة تمثل ممراً رئيسياً لنقل النفط والغاز والسلع الإستراتيجية.
الحسابات السياسية والانتخابية
إلى جانب الاقتصاد، تلعب الحسابات السياسية دورا مهما في تحديد مسار الحرب. فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يخشى عدد من السياسيين داخل الحزب الجمهوري أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى تآكل الدعم الشعبي للحرب.
ويرتبط هذا القلق بشكل مباشر بارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، وهي عوامل تؤثر تقليدياً في مزاج الناخب الأمريكي. كما أن أي صراع طويل قد يضع الإدارة أمام انتقادات حادة داخل الكونغرس بشأن كلفة الحرب وأهدافها النهائية.ورغم التفوق العسكري الأمريكي، يطرح بعض الخبراء تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهة طويلة مع إيران دون استنزاف كبير للموارد العسكرية.

فالحروب الحديثة تعتمد بشكل كبير على الذخائر الموجهة بدقة والأنظمة المتقدمة، وهي معدات مكلفة وتتطلب وقتاً لإعادة إنتاجها. وقد أثار عدد من المشرعين قلقهم من أن يؤدي الاستهلاك السريع لهذه الذخائر إلى تقليص المخزون العسكري الأمريكي في حال اتساع نطاق الصراع.
كما أن إيران تعتمد في إستراتيجيتها العسكرية على مزيج من الحرب غير المتكافئة والردود غير المباشرة، ما يجعل المواجهة معها أكثر تعقيدا من الحروب التقليدية.
الطاقة العالمية في دائرة الخطر
على المستوى الدولي، تثير الحرب مخاوف متزايدة بشأن استقرار أسواق الطاقة. فالتوتر حول مضيق هرمز يهدد أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج.
ويرى خبراء الطاقة أن أي اضطراب طويل في حركة الملاحة قد يدفع الدول المستهلكة إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل الطاقة والسلع، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية مثل مضيق هرمز وقناة السويس. وفي هذا السياق، يجري الحديث عن مشاريع إستراتيجية لربط آسيا وأوروبا عبر ممرات اقتصادية جديدة تمر عبر الشرق الأوسط، بما يتيح نقل الطاقة والسلع الزراعية والصناعية بطرق أكثر استقراراً وأقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية.
مفترق طرق استراتيجي
ووفق مراقين ستظل ثلاثة عوامل رئيسية حاضرة في تحديد القرار الأمريكي المقبل وهي تكلفة الحرب الاقتصادية، وحسابات السياسة الداخلية، والقدرة العسكرية على تحمل صراع طويل.
وبينما تؤكد واشنطن أن نهاية الحرب باتت قريبة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل ستتمكن الولايات المتحدة من إنهاء المواجهة سريعاً، أم أن الشرق الأوسط عند مفترق التصعيد .

توسع الجبهة اللبنانية
ومع تزايد المؤشرات على تصاعد العمليات العسكرية ضد إيران، يتجه الاهتمام الإقليمي والدولي إلى سؤال آخر لا يقل أهمية ما مصير الجبهة اللبنانية ؟ فخلال الأيام الأخيرة، تحوّل هذا السؤال إلى محور النقاشات السياسية والإعلامية،حيث فتحت مرحلة جديدة من التساؤلات حول شكل الصراع في المنطقة، خاصة في ظلّ تسريبات غربية وإسرائيلية تتحدث عن احتمال فصل مسار المواجهة مع إيران عن الجبهة اللبنانية.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أنّ دوائر القرار في واشنطن وتل أبيب تناقش بالفعل إمكانية التعامل مع الساحتين الإيرانية واللبنانية بشكل منفصل، بحيث لا يؤدي توقف العمليات ضد إيران إلى تهدئة تلقائية في لبنان.
ووفق ما نقلته صحيفة ''فايننشال تايمز''، فإن إسرائيل بدأت بالفعل التحضير لسيناريو حرب طويلة الأمد في لبنان قد تستمر حتى بعد انتهاء العمليات ضد إيران. ويعكس هذا التوجه اعتقادا متزايدا داخل الكيان بأن المواجهة مع حزب الله تمثل ملفا مستقلا يتطلب معالجة عسكرية مختلفة.
وتخشى تل أبيب من أن أي تسوية مؤقتة قد تسمح للحزب بإعادة تنظيم قدراته العسكرية، وهو ما تسعى إلى تجنبه في هذه المرحلة الحساسة من الصراع الإقليمي.
تحركات أمريكية
في موازاة ذلك، تتكثف التحركات الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة بالملف اللبناني. وتشير معلومات متداولة في واشنطن إلى أن الإدارة الأمريكية أعادت تكليف المبعوث الأمريكي توم باراك بمتابعة هذا الملف بالتنسيق مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وتهدف هذه التحركات إلى بلورة تصور أمريكي لإدارة المرحلة المقبلة في لبنان، سواء على المستوى الأمني أو السياسي، في حال انتقلت المواجهة إلى مسار مختلف بعد انتهاء العمليات ضد إيران.
كما تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة تفضل إدارة الملف اللبناني بشكل مباشر، من خلال اتصالات ثنائية مع بيروت وتل أبيب، بدلا من فتح المجال أمام وساطات دولية أوسع قد تشمل دولا أوروبية أو مؤسسات متعددة الأطراف.
ومن جهتها أعلنت حكومة الاحتلال الإسرائيلية عمليا توقف مسار التفاوض غير المباشر مع الحكومة اللبنانية، زاعمة عدم اقتناعها بجدوى أي حلول دبلوماسية برعاية دولية في هذه المرحلة.
في الوقت نفسه، تتزايد المؤشرات الميدانية التي توحي بإمكانية تصعيد عسكري واسع على الحدود اللبنانية. فقد رُصدت تحركات عسكرية إسرائيلية متزايدة قرب الحدود الشمالية، إلى جانب تقارير عن تعزيزات لوجستية وتحضيرات قد تمهد لعملية برية محتملة.
ويرى محللون عسكريون أن أي عملية من هذا النوع ستكون معقدة ومكلفة، نظرا لطبيعة التضاريس في جنوب لبنان وللخبرة القتالية التي راكمها الحزب خلال السنوات الماضية.كما أن توسع المواجهة قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية إضافية، خاصة إذا دخلت أطراف أخرى على خط الصراع.
حسابات معقدة
ووفق مراقبين وفي حال توقف الحرب على إيران بالفعل، فإنّ المشهد الإقليمي قد يشهد إعادة ترتيب سريعة للأولويات العسكرية والسياسية. فبينما قد تسعى واشنطن إلى تثبيت نتائج العمليات ضدّ طهران، قد ترى "إسرائيل" في ذلك فرصة للتركيز على جبهتها الشمالية.
لكن هذا السيناريو يحمل في طياته مخاطر كبيرة، إذ أنّ أي حرب واسعة في لبنان قد تؤدي إلى تصعيد إقليمي جديد، وربما تعيد خلط الأوراق التي حاولت الولايات المتحدة ضبطها خلال المواجهة مع إيران.
في المحصلة، يبدو أنّ المنطقة تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين.
وبين حسابات واشنطن الإستراتيجية ورهانات تل أبيب الأمنية، يبقى مستقبل الجبهة اللبنانية أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة، في وقت تبدو فيه المنطقة بأكملها على حافة تحولات عسكرية وسياسية قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط.
إيران: سياسة الضربات المتبادلة انتهت
من جهته قال المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء في إيران إن سياسة الضربات المتبادلة انتهت، معلنا انتقال طهران إلى مرحلة جديدة من المواجهة تقوم على تنفيذ ضربات متواصلة اعتبارا من الآن، مؤكدا أن نهاية الحرب لن يحددها الأمريكيون أو الإسرائيليون بل الجمهورية الإسلامية.
وأضاف -في كلمة متلفزة- أن من وصفهم بالأعداء الأمريكيين والصهاينة يعيشون حالة انهيار معنوي بعد ما اعتبرها هزائم متتالية، وبات قادتهم السياسيون يطلقون تصريحات مرتبكة تعكس حالة من الهذيان والغطرسة.
وتوجه المتحدث بالحديث إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقادة الإسرائيليين وأجهزة الاستخبارات، قائلا إن طهران حذرت مرارا من أنه يمكن لواشنطن وتل أبيب أن تشعلان شرارة الحرب، لكن إيران من سيحدد نهايتها وفقا لمعادلاتها وقدراتها العسكرية.
وشدد على أن القوات المسلحة الإيرانية تمتلك زمام المبادرة في مضيق هرمز، موضحا أنّ طهران ليست مضطرة إلى إغلاق المضيق بشكل مباشر، لكن التطورات التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل على المنطقة قد تفضي إلى تغييرات في حركة الملاحة.وأكّد أن إيران لن تسمح بمرور "لتر واحد من النفط" لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل أو شركائهما عبر مضيق هرمز، محذرا من أن أي سفينة أو ناقلة نفط تعمل لمصلحة تلك الأطراف ستُعد هدفا مشروعا للقوات الإيرانية.وأوضح المتحدث أنّ إستراتيجية الاختباء خلف دول الجوار في غرب آسيا انتهت، حسب تعبيره، مضيفا أن محاولة إخفاء القوات داخل منشآت مدنية أو قرب البنى التحتية لن تحميها من الاستهداف.
وقال إنّ القواعد المرتبطة بالولايات المتحدة أو إسرائيل في المنطقة ستتعرض للاستهداف "واحدة تلو الأخرى"، مؤكدا أن هذه المواقع ستدفع ثمن ما وصفه بالحرب التي أشعلتها واشنطن وتل أبيب في المنطقة.
مرحلة جديدة
وأشار إلى أن المرحلة الجديدة من المواجهة تأتي "وفاء لدماء القائد الشهيد"، في إشارة إلى المرشد الإيراني علي خامنئي الذي قُتل في الهجمات الأخيرة، مؤكدا أن إيران انتقلت من سياسة الرد المتبادل إلى سياسة الضربات المتتالية.
وأضاف أن الضربات الإيرانية ستستمر حتى تتحقق -على حد قوله- معاقبة الأطراف التي بدأت الحرب، وإجبارها على الاعتراف بالهزيمة، معتبرا أن الولايات المتحدة وإسرائيل مطالبتان بمراجعة ما وصفه بتاريخ طويل من الأخطاء.وانتقد المتحدث ما قال إنه محاولة أمريكية لإظهار القوة في المنطقة، مذكرا بأن طهران حذرت سابقا من إرسال سفن حربية إلى هذه المياه، وأن بعض تلك القطع اقتربت بالفعل قبل أن تتراجع بعد تعرضها لضربات صاروخية إيرانية.
وأكد أن القوات الإيرانية كانت تنتظر اقتراب تلك القطع العسكرية لإظهار قدراتها، مشددا على أن الجيش الأمريكي غير قادر على التأثير في المعادلة العسكرية التي فرضتها إيران في المنطقة.كما اتهم واشنطن بمحاولة استخدام أدوات اقتصادية للضغط، من بينها خفض أسعار النفط، لكنه اعتبر أن هذه السياسات لن تغير موازين المواجهة، بل ستزيد من تعقيد الوضع الأمني في منطقة الخليج.
حرب اقتصادية
وأشار إلى أن طهران كانت قد حذرت منذ بداية الحرب من احتمال وصول أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة قد تبلغ 200 دولار للبرميل، معتبرا أن المسؤولية عن أي اضطراب في أسواق الطاقة تقع على عاتق الولايات المتحدة وحلفائها.وشدد المتحدث على أن القوات المسلحة الإيرانية لن تسمح بإعادة بناء أو ترميم القواعد العسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، مؤكدا أن أي محاولة لإعادة تشغيلها ستُواجه برد عسكري أشد قوة.
وأضاف أن إيران ستواصل توجيه ضرباتها بقوة أكبر خلال المرحلة المقبلة، مؤكدا أن الهدف من تلك العمليات هو الانتقام لدماء من وصفهم بالقادة الشهداء، وكذلك للمدنيين الذين سقطوا في الهجمات الأخيرة
وعقب الكلمة، بث الحرس الثوري مشاهد لإطلاق صواريخ قال إنها للموجة الـ39 من عملية الوعد الصادق 4.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115