التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط: بين شبح الحرب وحسابات السوق من يدفع كلفة الصدمة النفطية؟

في لحظةٍ تبدو فيها الخرائط السياسية أكثر اضطرابًا من

أي وقت مضى، يعود الشرق الأوسط إلى صدارة المشهد بوصفه بؤرة توتر لا تقتصر تداعياتها على الأمن الإقليمي، بل تمتد عميقًا إلى صميم الاقتصاد العالمي. ومع تصاعد الضربات العسكرية وبداية موجة جديدة من المواجهات، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح إلى أي مدى يمكن للحرب في منطقة تمثل القلب النابض للطاقة العالمية أن تعيد تشكيل موازين الاقتصاد الدولي؟ وهل نحن أمام صدمة عابرة في أسعار النفط، أم بداية مرحلة اقتصادية مختلفة تتسم بارتفاع دائم في المخاطر والتكاليف؟ وكيف ستتفاعل الأسواق، وسلاسل الإمداد، والسياسات النقدية مع واقع جيوسياسي أكثر هشاشة؟

الزيادة التي يفرضها الخوف
منذ اللحظات الأولى للتصعيد، كانت أسواق الطاقة أول من التقط الإشارة، فقفزت أسعار النفط مدفوعة بما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي الزيادة السعرية التي يفرضها الخوف من انقطاع الإمدادات قبل وقوعه فعليًا وبذلك ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل حاد، وتجاوز سعر خام «برنت» 82 دولارًا للبرميل بعد ارتفاعات من 8 إلى 13% في جلسة واحدة خلال تداولات الأسبوع الأول من مارس، وفق بيانات أسواق السلع العالمية التي راقبت تأثير التصعيد في الشرق الأوسط على حركة الإنتاج والشحن، ويكفي التذكير بأن منطقة الخليج العربي تؤمن نحو ثلث صادرات النفط المنقولة بحرًا في العالم، وأن ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي يمر عبر مضيق هرمز وحده والذي يُعد شريان الحياة لطاقة العالم،وبدوره يشهد اضطرابًا غير مسبوقا، إذ تضررت حركة الشحن وتأخرت ناقلات النفط في المرور بسبب المخاوف من أن تصبح أهدافًا محتملة للهجمات. يُمرِّر هذا المضيق حوالي 20% من صادرات النفط العالمي، رقم يحوّله إلى نقطة اختناق يمكن أن تهز الاقتصاد العالمي إذا توقف التدفق فيه لفترة ممتدة.
في مثل هذا السياق، لا تحتاج الأسواق إلى توقف كامل للإنتاج كي ترتفع الأسعار؛ مجرد احتمال تعطل التدفقات كفيل بإشعال المضاربات ورفع العقود الآجلة في غضون ساعات.
غير أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، بل ببنية التوزيع. فالعالم قد ينتج ما يكفي من النفط نظريًا، لكن قدرة هذا النفط على الوصول إلى مصافي التكرير ومراكز الاستهلاك هي الحلقة الأضعف في زمن الحروب. ومع ارتفاع المخاطر الأمنية، قفزت تكاليف التأمين البحري على الناقلات، وترددت بعض شركات الشحن في المرور عبر المناطق الحساسة، ما أدى إلى تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف النقل. هذه الزيادات تُضاف مباشرة إلى السعر النهائي، ما يعني أن المستهلك في آسيا أو أوروبا يدفع ثمن التوتر حتى لو لم تنخفض البراميل المنتجة فعليًا.
الضغوط التضخمية
تتضاعف خطورة التوترات الجيوسياسية في المنطقة في لحظة عالمية تتسم أصلاً بهشاشة التعافي الاقتصادي. فبعد سنوات من جائحة كورونا، تلتها الحرب في أوكرانيا وأزمة سلاسل الإمداد، بالكاد تمكنت الاقتصادات الكبرى من كبح موجة التضخم واستعادة شيء من الاستقرار النقدي، واليوم، مع كل ارتفاع جديد في أسعار النفط، تعود الضغوط التضخمية لتلوح في الأفق. فالطاقة ليست سلعة مستقلة، بل مدخل أساسي في النقل والصناعة والزراعة والكهرباء. وكل زيادة مستدامة في أسعارها تنتقل تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية والخدمات.
في هذا السياق، تجد البنوك المركزية نفسها أمام معضلة معقدة. فإذا سمحت بمرور ارتفاع أسعار الطاقة دون تدخل، قد يتجذر التضخم مجددًا في الاقتصادات التي لم تتعافَ بعد من موجته السابقة. وإذا لجأت إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الأسعار، فإنها تخاطر بإبطاء النمو وزيادة كلفة الاقتراض على الشركات والأسر. هذه المفارقة تعيد إلى الأذهان أزمات السبعينيات، حين أدى الحظر النفطي إلى ما عُرف بـ"الركود التضخمي"، أي اجتماع التضخم المرتفع مع تباطؤ النمو.
أما في الدول المستوردة للطاقة، وخصوصًا في آسيا وأوروبا، فإن الأثر يكون مضاعفًا. فارتفاع فاتورة الواردات النفطية يضغط على العملات المحلية ويزيد عجز الميزان التجاري.
تهديد الاستقرار المالي

في الاقتصادات الناشئة، حيث الاحتياطيات محدودة والديون الخارجية مرتفعة، قد يتحول ارتفاع أسعار النفط إلى عامل يهدد الاستقرار المالي. وعلى الجانب الآخر، قد تستفيد الدول المصدرة نظريًا من ارتفاع الأسعار، لكن هذه الفائدة تظل مشروطة بقدرتها على الحفاظ على استقرار الإنتاج والتصدير، وهو أمر غير مضمون في أجواء عسكرية متوترة.
ولا يقل قطاع الغاز الطبيعي حساسية عن النفط، خاصة في ظل اعتماد أوروبا المتزايد على واردات الغاز المسال من منطقة الخليج بعد تراجع الإمدادات الروسية. فأي اضطراب في الموانئ أو منشآت التسييل ينعكس مباشرة على أسعار الكهرباء والصناعة الثقيلة. وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن أسواق الغاز أكثر تقلبًا من النفط، بسبب محدودية البدائل الفورية وصعوبة إعادة توجيه الشحنات بسرعة.
في موازاة ذلك، تعاني سلاسل الإمداد العالمية من ارتدادات غير مباشرة. فارتفاع تكاليف الشحن والتأمين ينعكس على أسعار السلع المصنعة، كما أن تغير مسارات السفن لتفادي مناطق الخطر يطيل زمن النقل ويرفع الكلفة. ومع اعتماد الاقتصاد العالمي على نموذج "الإنتاج في الوقت المناسب"، فإن أي تأخير في المكونات الوسيطة قد يربك قطاعات كاملة، من صناعة السيارات إلى الإلكترونيات. وهكذا تتحول الحرب من حدث عسكري محلي إلى عامل تعطيل لمنظومة اقتصادية مترابطة بشدة.
غير أن الأثر الأعمق ربما يكون نفسيًا واستثماريًا. فالمستثمرون، بطبيعتهم، يكرهون الغموض. وكلما طال أمد التوتر، زادت شهية رؤوس الأموال للتحول نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والسندات الأمريكية، على حساب الاستثمارات الإنتاجية في الأسواق الناشئة. وهذا التحول يحدّ من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ويؤجل مشاريع البنية التحتية والطاقة الجديدة، ما يضعف آفاق النمو على المدى المتوسط.
ومع ذلك، فإن الأزمة تحمل في طياتها أيضًا تحولات هيكلية محتملة. فكل صدمة طاقة كبرى في التاريخ دفعت العالم إلى إعادة التفكير في أمنه الطاقي. ومن المرجح أن يؤدي التصعيد الحالي إلى تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وتعزيز سياسات تنويع الإمدادات، وبناء احتياطيات استراتيجية أكبر. كما قد تدفع الدول الصناعية إلى إعادة تموضع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجغرافية.
السؤال الأهم
يبقى السؤال الأهم في هذه المسألة هو هل نحن أمام أزمة عابرة ستنحسر بانحسار العمليات العسكرية، أم أمام مرحلة جديدة يصبح فيها عامل المخاطر الجيوسياسية مكونًا دائمًا في تسعير الطاقة؟ الإجابة تعتمد على مسار الأحداث السياسية بقدر ما تعتمد على قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف. فإذا نجحت الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد، قد تتراجع الأسعار تدريجيًا مع بقاء أثر نفسي محدود. أما إذا طال أمد المواجهة أو اتسع نطاقها، فقد يجد العالم نفسه أمام دورة تضخم جديدة تعيد رسم أولويات السياسات الاقتصادية.
في النهاية ، تكشف الحرب الراهنة هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمات جيوسياسية مركزة في نقاط جغرافية محددة. فالعولمة التي ربطت الأسواق ببعضها وجعلت الطاقة تتدفق عبر مسارات محددة، جعلت في الوقت ذاته الاقتصاد العالمي رهينة لهذه المسارات. وبينما تتردد أصداء الضربات في ساحات القتال، تتردد آثارها في شاشات التداول وغرف اجتماعات البنوك المركزية وموازنات الأسر حول العالم.
إنها لحظة تذكير قاسية بأن الاقتصاد، مهما بدا رقميًا ومجردًا، يظل في جوهره مرتبطًا بالجغرافيا والسياسة، وأن استقرار الأسواق يبدأ وينتهي باستقرار العالم.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115