رسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ملامح مقاربته الحاسمة تجاه إيران، جامعا بين عرض مسار تفاوضي مفتوح وتحذير صريح من احتمال اللجوء إلى القوة إذا أخفقت الدبلوماسية. وبينما لم يستغرق حديثه عن طهران وقتا طويلا ضمن خطاب استمر قرابة ساعة وخمسين دقيقة، فإن مضمونه حمل إشارات ثقيلة سياسيا وأمنيا.
وقال ترامب إن إيران ''طوّرت صواريخ باليستية تهدد أوروبا والقواعد الأمريكية''، وزعم أنها تعمل على إنتاج صواريخ عابرة للقارات يمكن أن تصل إلى الولايات المتحدة، رغم البعد الجغرافي الذي يتجاوز تسعة آلاف كيلومتر. كما اتهم ''النظام الإيراني ووكلاءه'' بنشر العنف في المنطقة على مدى 47 عاما، متحدثًا عن سقوط آلاف الضحايا، بينهم أمريكيون، إضافة إلى عشرات آلاف المدنيين خلال احتجاجات داخلية أخيرة.
ولعل اللافت في خطابه إشارته إلى أن طهران تحاول ''إعادة بناء برنامجها النووي''، في وقت كان قد أكد فيه مرارا سابقا أن ذلك البرنامج ''دُمّر بالكامل'' خلال حرب استمرت 12 يوما في جوان الماضي بقيادة "إسرائيل". هذا التباين فتح باب التساؤلات داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول التقييم الاستخباراتي الحقيقي لقدرات إيران النووية بعد تلك المواجهة.
وجدد ترامب موقفه التقليدي بقوله إنه يفضّل تسوية دبلوماسية، لكنه شدد على أنه ''لن يسمح أبدا للدولة الراعية الأولى للإرهاب بامتلاك سلاح نووي'' وفق تعبيره، مضيفا أن واشنطن لم تتلقَّ بعد التعهد الذي تعتبره جوهريا: التزاما علنيا بعدم امتلاك سلاح نووي ''أبدا''.
طهران ترد: "أكاذيب كبرى"
الرد الإيراني جاء سريعا، إذ وصفت وزارة الخارجية في طهران الاتهامات المتعلقة بالبرنامجين النووي والصاروخي وأعداد ضحايا الاحتجاجات بأنها “أكاذيب كبرى”. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة ''إكس'' أن بلاده ستشارك في جولة جديدة من المحادثات في جنيف بهدف التوصل إلى ''اتفاق عادل ومنصف''، مشددا على أن إيران "لن تطوّر سلاحا نوويا تحت أي ظرف".
جنيف: فرصة أخيرة أم محطة عابرة؟
وتتجه الأنظار إلى جولة المفاوضات المرتقبة في جنيف، حيث يُفترض أن يلتقي مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، مع وزير الخارجية الإيراني اليوم الخميس. واعتبر موقع "اكسيوس" أن هذا الاجتماع قد يشكل "الفرصة الأخيرة" لإحداث اختراق يمنع الدخول في مواجهة عسكرية.
في موازاة ذلك، قدّم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف إحاطة سرية إلى ما يُعرف بـ''عصابة الثمانية'' في الكونغرس، في مؤشر على جدية المخاوف من تصعيد وشيك.
وعقب الإحاطة، عبّر النائب الديمقراطي جيم هايمز عن قلقه من احتمال اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط، قائلا إنه لم يسمع "سببا وجيها" يبرر توقيت المواجهة. كما أبدى زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز تحفظه، مطالبا بإجابات أوضح بشأن الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة.
كما أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده تمتلك “فرصة تاريخية” للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق يعالج المخاوف المتبادلة ويحقق المصالح المشتركة في المفاوضات مع الولايات المتحدة حول الملف النووي الإيراني.
وذكر الوزير الإيراني، في منشور عبر حسابه الرسمي على منصات التواصل الاجتماعي، قبيل المفاوضات المقررة مع الولايات المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، اليوم الخميس، أن ''إيران ستستأنف المباحثات مع الولايات المتحدة في جنيف بعزم للتوصل في أقرب وقت ممكن إلى اتفاق عادل ومتوازن استنادا إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها في الجولة السابقة''.وشدد عراقجي على أن بلاده "أثبتت سابقا أنها لن تتراجع عن الدفاع عن سيادتها"، مؤكدا في الوقت نفسه أنهم “سيعملون على طاولة المفاوضات لإيجاد حلول سلمية لكل الخلافات”.
يشار إلى أنه قد تم عقد الجولة الأولى من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العمانية مسقط، يوم 6 فيفري الجاري، فيما بدأت الجولة الثانية في 17 فيفري، في جنيف السويسرية بوساطة سلطنة عمان.
وصرّح المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسى، أن تهديدات واشنطن بشأن إيران "جدّية''، مشددًا على ضرورة التوصل إلى حل عبر التفاوض، وفق تعبيره.ونقلت وكالة ''إسنا'' الإيرانية، عن غروسى، قوله إن ''مفاوضات جنيف بين إيران والولايات المتحدة بلغت ذروتها''، مؤكدًا أنه سيتوجه إلى جنيف للمشاركة في الجولة الثالثة من المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.وأشار إلى أن ''منشآت فوردو ونطنز وأصفهان تعرضت لتخريب حقيقي''، لكنه لفت إلى أن ''مخزون اليورانيوم الإيرانى ما زال موجودًا''.
بين الردع والتهيئة للحرب
ويرى مراقبون أن خطاب ترامب لم يكن مجرد عرض لمواقف سياسية، بل قد يكون خطوة تمهيدية لتهيئة الرأي العام الأمريكي لاحتمال استخدام القوة، في حال فشل المسار التفاوضي. فالتشديد على خطر الصواريخ العابرة للقارات، وربط إيران بالإرهاب العالمي، وإبراز تهديد مباشر للأراضي الأمريكية، كلها عناصر تُستخدم عادة لبناء مبررات إستراتيجية لأي تحرك عسكري.في المقابل، تبدو طهران حريصة على إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا، لكنها ترفض الشروط الأمريكية المتعلقة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم ونقل مخزونها إلى الخارج، وتطالب برفع العقوبات الاقتصادية كمدخل لأي التزام إضافي.
غزة وحسابات التوازن
وتزامن التصعيد اللفظي مع حديث ترامب عن التطورات في قطاع غزة، حيث اعتبر وقف إطلاق النار "نقطة تحول مهمة للغاية"، مشيدا بجهود الوساطة، ومشيرا إلى خطوات من جانب حماس في ملف الأسرى. إلا أن استمرار الخروقات الميدانية والتوتر الإقليمي يجعل من الملف الإيراني جزءا من معادلة أوسع ، منها انتشار القوات الأمريكية، وإعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط.
ويرى خبراء أنّ المشهد الحالي يضع واشنطن وطهران أمام مفترق حاسم. فالإدارة الأمريكية تسعى إلى اتفاق بشروط مشددة يقيّد البرنامج النووي والصاروخي الإيراني بشكل دائم، بينما تحاول طهران انتزاع اعتراف بحقوقها النووية السلمية مقابل رفع العقوبات.
ويرى مراقبون أنه في حال نجحت جولة جنيف، فقد نشهد صيغة تفاهم مرحلية تُخفف التوتر وتؤجل المواجهة. أما إذا فشلت، فإنّ مستوى الخطاب الأمريكي، مقرونا بالحشد العسكري والإحاطات الاستخباراتية المكثفة، يوحي بأن خيار التصعيد لن يبقى نظريا طويلا.
أكثر من 300 طائرة عسكرية
وفي ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، أرسلت الولايات المتحدة أكثر من 300 مقاتلة وطائرة عسكرية إلى قواعد القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" بمنطقة الشرق الأوسط.وبحسب معطيات الطيران مفتوحة المصدر، أمس الأربعاء، ينتشر في المنطقة أكثر من 300 طائرة عسكرية ومقاتلة أمريكية، موزعة بشكل رئيسي بين قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.وإلى جانب ذلك، يتواجد في المنطقة جناحان جويان على حاملتي الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" و"يو إس إس جيرالد آر. فورد".وتضم الترسانة الأمريكية في المنطقة طيفا واسعا من الطائرات، إذ تشكل نحو 84 مقاتلة "إف-18 إي/إف"، و36 "إف-15 إي"، و48 "إف-16 سي/سي جي/سي إم"، و42 "إف-35 إيه/سي"، قرابة 70 بالمئة من إجمالي الطائرات.
أما النسبة المتبقية البالغة 30 بالمائة فتشمل 18 طائرة حرب إلكترونية "إي إيه-18 جي غراولر"، و12 طائرة دعم جوي قريب "إيه-10 سي ثاندربولت"، و5 طائرات "إي-11 إيه" للاتصالات الجوية في ساحة المعركة، و6 طائرات إنذار مبكر وتحكم جوي "إي-3 سنتري (أواكس)"، إضافة إلى طائرات التزويد بالوقود والمهام الخاصة وفق مانشرته ''الأناضول". ولا تُظهر المعطيات أي تحرك لقاذفات "بي-2" التي استخدمتها الولايات المتحدة في هجماتها على إيران في جوان 2025.
ألمانيا تحذر رعاياها في الشرق الأوسط
من جانبها نصحت وزارة الخارجية الألمانية الرعايا الألمان المسافرين أو المقيمين في الشرق الأوسط بتوخي الحذر مع تصاعد احتمال نشوب حرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ما يهدد بامتداد الصراع إلى دول المنطقة.
وفي ظل احتمال شنّ الولايات المتحدة هجوما على إيران وما قد يترتب عليه من تداعيات على إسرائيل ودول أخرى في منطقة الشرق الأوسط، دعت وزارة الخارجية الألمانية الرعايا الألمان الموجودين هناك إلى اتخاذ إجراءات أمنية احترازية.
وذكرت السفارة الألمانية في تل أبيب في بيان أمس الأربعاء (25 فيفري 2026) أن على الألمان الموجودين في "إسرائيل" الاستعداد لاحتمال البقاء لبعض الوقت في أماكن وجودهم، في حال إغلاق المجال الجوي بسبب هجمات إيرانية.
كما نصحت السفارة المواطنين الألمان بتثبيت تطبيق على هواتفهم المحمولة يُحذر من وقوع هجمات صاروخية وشيكة. وأضافت السفارة أنه نظرا لـ "تفاقم الوضع الأمني في المنطقة"، فإنها تنصح الرعايا الألمان بتخزين مؤن والتعرف على أماكن الحماية والملاجئ في كل موقع يتواجدون فيه.
كما أكدت السفارة الألمانية في العاصمة اللبنانية بيروت أنه في حال تصاعد التوتر قد تُفرض قيود على حركة الطيران في أي وقت. ونصحت الرعايا الألمان بمتابعة إرشادات السفر والأمن بدقة والتزوّد بالطعام والشراب والوقود.
تركيا تدرس الإجراءات المحتملة
من جهة أخرى صرح مصدر دبلوماسي تركي وفق رويترز امس الأربعاء بأن تركيا تقيم جميع جوانب التدابير المحتملة التي يمكن اتخاذها في حالة نشوب صراع بين جارتها إيران والولايات المتحدة.
واستأنفت إيران والولايات المتحدة المفاوضات في وقت سابق من هذا الشهر، في ظل سعي واشنطن لتعزيز قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط. وهددت إيران بضرب القواعد الأمريكية في المنطقة في حال تعرضها لهجوم، إلاّ أنّ وزير الخارجية الإيراني ذكر أمس الأول الثلاثاء أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بات "ممكنا" إذا ما أُعطيت الأولوية للدبلوماسية .
وقالت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تشترك في حدود مع إيران من الشرق، إنها تعارض أي تدخل عسكري في طهران ولا تريد زعزعة الاستقرار في المنطقة. وتجري أنقرة اتصالات مع الجانبين لتهدئة التوتر ودعت إلى حل القضايا بالوسائل الدبلوماسية.وأضاف المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، "بطبيعة الحال، يتم تقييم جميع جوانب الإجراءات التي يمكن اتخاذها في حالة حدوث تطورات سلبية".
وتابع "ندرس جميع التصورات، ويجري العمل على الخطوات التي يمكن اتخاذها لضمان سلامة مواطنينا"، وأضاف أن أي خطوات من شأنها "انتهاك سيادة إيران مستبعدة".ولم يقدم المصدر تفاصيل عن الإجراءات التي تدرسها تركيا.
لبنان يخشى استهداف بنيته التحتية
على صعيد اخر أطلق جنود إسرائيليون النار باتجاه محيط نقطة مراقبة كان الجيش اللبناني يستحدثها في منطقة سردة الحدودية، بقضاء مرجعيون جنوبي البلاد، بالتزامن مع إطلاق مسيّرة إسرائيلية تهديدات طالبت فيها الجنود اللبنانيين بالمغادرة.
ولفت الجيش اللبناني، في بيان له، إلى أن قيادته أعطت الأوامر للجنود بالبقاء في نقطة المراقبة وتعزيزها والرد على مصادر النيران، وأشار إلى أنه تجري متابعة ما حدث مع لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية "الميكانيزم" وقوات "اليونيفيل".
كما أقدم جيش الاحتلال الإسرائيلي، فجر أمس الأول الثلاثاء، على تفجير منزلين في بلدتين حدوديتين بمحافظة النبطية جنوبي لبنان، في خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أواخر العام 2024.وقالت وكالة الأنباء اللبنانية إن قوة عسكرية إسرائيلية فخّخت منزلا وفجّرته بعد منتصف الليل، في بلدة حولا بقضاء بنت جبيل، كما أفادت الوكالة بأن قوات إسرائيلية فجّرت منزلا في حي الخرزة ببلدة عيتا الشعب الحدودية.
من جهته، جدد وزير الخارجية يوسف رجي طلب لبنان من "الدول الصديقة والفاعلة الضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها للسيادة اللبنانية والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، وتحرير الأسرى اللبنانيين، استنادا للقرار 1701، ولاتفاق وقف إطلاق النار الموقّع عام 2024".