ميناء المياه العميقة و الخدمات اللوجستية بالنفيضة: المشروع الذي قد يغيّر موقع دولة كاملة على خريطة الاقتصاد العالمي

هل يمكن لمنشأة بحرية واحدة أن تعيد رسم

موقع بلد بأكمله داخل منظومة التجارة الدولية؟ ولماذا تتعطل مشاريع استراتيجية لسنوات رغم وضوح جداولها الرقمية وجدواها الفعلية ؟ وهل ان المشكلة الحقيقية تكمن في التمويل أم في الحوكمة أم في غياب القرار الحاسم؟ هذه الأسئلة تعود بقوة مع إعادة تحريك مشروع ميناء المياه العميقة في النفيضة، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر المشاريع تأثيرًا في مستقبل تونس الاقتصادي.

بعد اجتماع رسمي أكد تحديث الدراسات الفنية والاقتصادية والبيئية وإعداد مخطط عمل للمرحلة القادمة، دخل المشروع مرحلة جديدة تبدو أقرب إلى التنفيذ الفعلي منها إلى الوعود النظرية.

أرقام ثقيلة و رهانات ثقيلة

تبلغ الكلفة التقديرية للمرحلة الأولى من مشروع ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجستية بالنفيضةوحدهانحو 1.031 مليار دولار، بتمويل مختلط يعتمد بنسبة 75 % على القطاع العام و25 بالمئة على القطاع الخاص، وهو نموذج يهدف إلى تحقيق توازن بين السيادة الوطنية وجاذبية الاستثمار. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حجم مشروع بنية تحتية، بل عن استثمار استراتيجي طويل الأمد. فالميناء المنتظر مصمم ليستوعب بين 4،8 و5 ملايين حاوية سنويًا إضافة إلى 4 ملايين طن من البضائع العامة، مع قدرة على استقبال سفن تصل حمولتها إلى 80 ألف طن، ما يجعله مؤهلًا نظريًا لدخول شبكة الموانئ المحورية في التجارة البحرية العالمية.
هذه الطاقة التشغيلية تعني عمليًا تقليصًا متوقعًا في كلفة النقل بنسبة تقارب 15 %، وهو عامل بالغ الأهمية لاقتصاد يعتمد على التصدير. فكل انخفاض في كلفة الشحن ينعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي في الأسواق الخارجية، وبالتالي على القدرة التنافسية للمؤسسات الوطنية.
الجدوى الاقتصادية
تشير التقديرات إلى أن صافي القيمة الحالية للمشروع قد يصل إلى نحو 8 مليارات دولار، مع معدل عائد داخلي يُقدّر بـ53 %. في عالم الاستثمارات الكبرى، تعتبر هذه النسبة مرتفعة جدًا، ما يعني أن المشروع ليس مجرد بنية تحتية بل منصة ربح اقتصادي طويل المدى. ولا تتوقف العوائد عند التشغيل المباشر، إذ يُتوقع أن يخلق نحو 53 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وهو رقم كفيل بإحداث تأثير اجتماعي واسع في سوق الشغل.
هذه المؤشرات تعكس ما يسميه خبراء الاقتصاد “الأثر المضاعف للبنية التحتية”، حيث يؤدي استثمار واحد كبير إلى سلسلة استثمارات مرافقة في النقل والتخزين والخدمات والصناعة. ومع ربط الميناء مستقبلاً بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمطار القريب، يمكن أن يتحول إلى قطب اقتصادي متكامل يخلق منظومة إنتاج وتصدير كاملة.
تثبت التجارب الدولية أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي، فنجاح موانئ مثل ميناء طنجة المتوسط أو ميناء بيرايوس أو ميناء بورسعيد لم يكن نتيجة موقعها فقط، بل نتيجة استثمارات ضخمة وإدارة عالية الكفاءة وربط لوجستي متطور. هذه الموانئ تحولت إلى مراكز توزيع عالمية لأنها اعتمدت سرعة الإنجاز، والرقمنة، والحوكمة الفعالة، والتشغيل وفق معايير الشركات العالمية.
المقارنة هنا ليست شكلية، بل معيارية فالموانئ الحديثة لم تعد مجرد أرصفة للسفن، بل منظومات صناعية وتجارية متكاملة، لذلك فإن نجاح مشروع النفيضة لن يقاس بتاريخ تدشينه، بل بسرعة مناولة الحاويات، وزمن انتظار السفن، وكفاءة الخدمات اللوجستية، ومستوى الشفافية في الإدارة.

حين تتقاطع السياسة بالتمويل بالإدارة
ظل المشروع لسنوات طويلة في حالة جمودرغم وضوح الجدوى، لأسباب متعددة، أولها تعقيدات التمويل ورفض عروض استثمار سابقة لعدم ملاءمتها للشروط الوطنية. ثانيها الإجراءات العقارية المرتبطة بتصفية الأراضي، وهي مسارات قانونية استغرقت وقتًا طويلًا ولم يُنجز منها إلا جزء بين 2023 و2024. وثالثها تعدد المتدخلين المؤسسيين، ما أدى إلى بطء التنسيق واتخاذ القرار.
هذه العوامل تعكس معضلة معروفة في مشاريع البنية التحتية الكبرى في الاقتصادات الناشئة تخلق فجوة بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ الإداري. فوجود مشروع مهم لا يعني بالضرورة توفر الآليات المؤسسية القادرة على إنجازه بسرعة، وهو ما يجعل الحوكمة عنصرًا حاسمًا لا يقل أهمية عن التمويل.
ركّز الاجتماع الأخير الذي احتضنته وزارة البيئة على تحديث الدراسات البيئية، وهو توجه يعكس تحولًا عالميًا في فلسفة الاستثمار. فالمؤسسات المالية الدولية لم تعد تموّل مشاريع ضخمة دون ضمانات بيئية صارمة، لأن المخاطر البيئية قد تتحول لاحقًا إلى خسائر مالية وقانونية.
بالنسبة لميناء يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تصبح الاستدامة شرطًا أساسيًا، ليس فقط لحماية النظم البيئية، بل لضمان قبول المستثمرين الدوليين والشركاء التجاريين. بهذا المعنى، لم يعد الالتزام البيئي عائقًا أمام الاستثمار، بل جواز عبور إليه.
المعطى الجديد في ملف المشروع هو تحديد جدول زمني إجمالي بخمس سنوات من تاريخ انطلاق الأشغال حيث انه و في عالم اللوجستيك، الزمن ليس عنصرًا ثانويًا بل عامل تنافس رئيسي. فالموانئ التي تُنجز بسرعة تجذب الخطوط البحرية مبكرًا، بينما الموانئ المتأخرة تجد نفسها خارج الشبكات الرئيسية. لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان المشروع، بل في الالتزام الصارم بالآجال.

لماذا تنجح مشاريع وتفشل أخرى
التجارب العالمية تؤكد أن المشاريع العملاقة تنجح عندما تتوفر ثلاثة شروط متزامنة وهي قرار سياسي ثابت، وتمويل مستقر، وإدارة تنفيذية مرنة، وغياب أي عنصر من هذه العناصر كفيل بتأخير المشروع لسنوات، وربما عقودًا.
إذا دخل الميناء طور التشغيل وفق المواصفات المعلنة، فإن تأثيره لن يقتصر على قطاع النقل البحري فقط، فالموانئ المحورية تتحول عادة إلى منصات إعادة تصدير ومراكز توزيع إقليمية، ما يعني تدفق الاستثمارات الأجنبية وارتفاع الطلب على الخدمات اللوجستية والصناعية، وهذا بدوره يخلق دورة نمو اقتصادي متكاملة تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، من الصناعة إلى السياحة إلى التجارة.
نجاح المشروع سيعني أيضًا تحول البلاد من مجرد نقطة عبور جغرافي إلى فاعل لوجستي فعلي داخل سلاسل الإمداد العالمية، وهو تحول استراتيجي يرفع من مكانتها الاقتصادية والسياسية في آن واحد.
في النهاية فإن المشاريع الكبرى لا تغيّر الاقتصادات لأنها ضخمة، بل لأنها تُنجز في الوقت المناسب وبالكفاءة المطلوبة، وميناء النفيضة يقف اليوم عند لحظة فاصلة فإما أن يتحول إلى منصة استراتيجية تعيد رسم موقع البلاد في التجارة العالمية، أو يبقى مثالًا جديدًا على مشروع واعد تعثر في الطريق. الفارق بين السيناريوهين لا تحدده الأرقام وحدها، بل الإرادة التنفيذية وقدرة المؤسسات على تحويل الرؤية إلى واقع.
في عالم الاقتصاد، اللحظات الفاصلة لا تتكرر كثيرًا، ومن ينجح في اقتناصها يكتب موقعه بنفسه على خريطة المستقبل.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115