عن قضية ويتمسك بمبدأ بكثير من الإيمان والشراسة. وهكذا كانت المخرجة التونسية كوثر بن هنية وهي تتخلى عن جائزة دولية في برلين لتترك سؤالا معلقا في ضمير العالم: أي قيمة للتكريم حين يتناقض مع العدالة؟ بعيدا عن الاستعراض البطولي، دافعت مخرجة فيلم "صوت هند رجب" عن موقف قديم متجدد في الانتصار للقضايا الإنسانية، وفي الصدح بصوت الشعب الفلسطيني في كل المنابر وعلى كل المنصات....
أثارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية جدلا واسعا بعد رفضها استلام جائزة "الفيلم الأرفع قيمة" التي منحتها لها مؤسسة "السينما من أجل السلام" في حفل أقامته على هامش مهرجان برلين السينمائي، بحضور شخصيات دولية من بينها هيلاري كلينتون والممثل كيفين سبيسي.
من السينما الاجتماعية إلى الموقف السياسي
لم يكن رفض جائزة "الفيلم الأرفع قيمة مجرّد رد فعل عاطفي على سياق سياسي آني، بل امتدادا لمسار كامل من المواقف التي عُرفت بها بن هنية منذ بداياتها في تسليط الضوء على سينما منحازة للإنسان، حتى عندما يكون هذا الخيار مكلفا رمزيا أو مهنيا. وقد شهد حفل جوائز "سينما من أجل السلام" في ألمانيا تكريم الجنرال الإسرائيلي السابق "نوعام تيبون"، الشخصية المحورية في الفيلم الوثائقي الكندي "الطريق بيننا"، وهو نفس الحفل الذي قدم فيه جائزة أفضل فيلم للمخرجة كوثر بن هنية عن فيلمها صوت هند رجب.
من تابع أفلام كوثر بن هنية يدرك أن اختياراتها لم تكن يوما محايدة. ففي فيلم "على كف عفريت" المقتبس من قصة واقعية، واجهت المؤسسة الأمنية مباشرة عبر قصة شابة تتعرض للاغتصاب وتدخل في صراع مع منظومة كاملة. لم يكن هذا الفيلم مجرد حكاية شخصية، بل نقدا لبنية السلطة بعد الثورة.
بعدها حققت نقلة عالمية مع فيلم "الرجل الذي باع ظهره"، الذي تم ترشيحه للأوسكار، طرحت كوثر بن هنية سؤال الحرية مقابل الاستغلال في سوق الفن واللاجئين، وهو عمل كشف قدرتها على تحويل القضايا السياسية إلى سرد سينمائي عالمي. أما في "بنات ألفة"، فقد بلغت هذه المقاربة ذروتها، إذ مزجت المخرجة الوثائقي بالروائي لتفكيك ظاهرة التطرف العنيف من الداخل ومن العمق.
موقف برلين… امتداد لقناعات "بن هنية"
في خطوة منسجمة مع مسيرتها، لم يكن رفض كوثر بن هنية لجائزة برلين عن فيلمها صوت هند رجب استثناءً أو أمرا مفاجئا وهي التي تحدثت في خطابها بالمناسبة عن فكرة العدالة والمساءلة مؤكدة أن السلام لا يمكن أن يكون خطابا تجميليا فوق واقع العنف. واللافت أنّ كوثر بن هنية لم تهاجم المؤسسة المانحة مباشرة، بل رفضت الرمزية التي يمكن أن تتحول فيها مأساة إنسانية إلى مناسبة احتفالية. وقد قالت كوثر بن هنية :"أشعر بالمسؤولية أكثر من الامتنان، فيلم صوت هند رجب ليس مجرد قصة طفلة واحدة بل هو قصة النظام الذي جعل قتلها ممكنا، ما حدث لهند ليس استثناء إنه جزء من الإبادة الجماعية."
وأضافت كوثر بن هنية، هذه الليلة، في برلين، هناك من وفروا الغطاء السياسي لتلك الإبادة من خلال إعادة صياغة قتل المدنيين الجماعي على أنه "دفاع عن النفس" وفي إطار "ظروف معقدة".
إنّ موقف كوثر بن هنية في برلين وإن سبقته ردة فعل مشابهة من المخرجة التونسية في مهرجانات كبرى، يطرح وعيا نقديا بدور الثقافة نفسها بمعنى هل هي مساحة مقاومة أم أداة تلطيف سياسي؟
رفضت جائزة "برلين" وأحرجت منصة التكريم: كوثر بن هنية تنتصر لصوت فلسطين
- بقلم ليلى بورقعة
- 15:13 19/02/2026
كثيرا ما يتجاوز الفن حدوده الجمالية ليصدح بموقف ويدافع
آخر مقالات ليلى بورقعة
- ذاكرة الحضارات تحت وطأة التعديل السياسي أزمة بسبب اسم فلسطين في المتحف البريطاني
- تم تسجيلها على قائمة التراث في العالم الإسلامي: "غار الملح"… اسم جديد في ذاكرة العالم
- صالون الفنون التشكيلية يتساءل عن" الملكية الفكرية في الفنون البصرية": بين الإبداع الإنساني وحدود الامتلاك في زمن التحولات
- "جريمة ثقافية" في حق مراكز الفنون الدرامية والركحية: من الإنتاج إلى الإعدام الفنّي
- "بيت الرواية" يصدر لأول مرة مجلة ورقية: "تأمّلات في السرد"… أقلام تتأمّل وأوراق تفكّر !
Leave a comment
Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.