"بيت الرواية" يصدر لأول مرة مجلة ورقية: "تأمّلات في السرد"… أقلام تتأمّل وأوراق تفكّر !

أمام انحسار مكانة المجلات الأدبية الورقية في

عصر الشاشات والرقمنة، اختار بيت الرواية أن يسبح عكس التيار معلنا ولادة مجلة "تأمّلات في السرد". تقترح المجلة مساحة من التأمل والعمق وصفحات تتقاطع فيه الأسئلة الجمالية والفكرية والإنسانية كسبيل لفهم الإنسان والتعبير عنه في زمن الالتباس.

صدر حديثا العدد التأسيسي من مجلة "تأمّلات في السرد" و احتوى على 156 صفحة. وقد حمل الغلاف الأمامي والخلفي لوحتين للفنان التشكيلي التونسي لمجد النوري، في إشارة إلى أن المجلة لا ترى السرد معزولا عن بقية الفنون بل جزءا من مشهد إبداعي تتواشج فيه الكلمة والصورة .

مشروع ورقي يتحدّى الرقمي

يأتي اختيار اسم "تأمّلات" محمّلا بالمعنى والرمزية وحاملا لهواجس وقضية... فتأسيس المجلة ينطلق من قناعة بأنّ الأدب في جوهره هو فعل تأمّل. تأمّل الكاتب أثناء البناء والقارئ أثناء التأويل والناقد أثناء التحليل. في عالم يزداد صخبا واضطرابا تبدو الدعوة إلى التأمّل عبر السرد موقفا ثقافيا بقدر ما هي خيار جمالي.
في افتتاحية العدد الأول، كتب مدير بيت الرواية يونس السلطاني بلغة أقرب إلى التأمل منها إلى التصريح، فحبّر ما يلي : "إنّها ولادة لمشروع أدبي طالما راودنا، أن نخلق مساحة خاصّة بفنون القصّة والرّواية تكون منبرا لعشّاق السّرد وجسرا يربط بين القرّاء والعوالم اللّامتناهية التي تختزنها الحكايات". ويضيف: "هي نافذة نفتحها على مصراعيها للكُتّاب المغمورين كما المشهورين لأننا نؤمن بأن الرواية العظيمة القادمة قد تأتي من كاتب مجهول".
في عددها الأول، تُظهر المجلة رغبة واضحة في الإحاطة بالسرد من أكثر من مدخل. فلا تكتفي بالنصوص الإبداعية أو الحوارات بل تنفتح على النقد والبحث الأكاديمي وقضايا التلقي والجوائز والترجمة وحتى علاقة السرد بالسينما والطفولة.

السرد يجد صوته في "تأمّلات"
في فسيفساء من الأقلام والمواضيع والأنماط، شارك في تأثيث محتوى مجلة تأملات في عددها التأسيسي ثلة من الكُتّاب التونسيين، حيث يحاور الإعلامي شكري الباصومي الكاتبة الروائية التونسية أميرة غنيم. ونقرأ في باب مسارات الرواية التونسية المعاصرة، دراسة لمحمد القاضي بعنوان: "رواية الحكاية وحكاية الرواية -رواية شط الأرواح- لآمنة الرميلي نموذجا". وفي نفس السياق تكتب سعدية بن سالم: "التلقي والانسجام في رواية -نساء هيبو وليال عشر- لحفيظة قاره بيبان".
ويهتم إبراهيم الدرغوثي باتجاهات القصة التونسية في دراسة بعنوان: "القصة القصيرة في تونس: من واقعية الرواد إلى تجربة الجيل الجديد". ونقرأ لعبد القادر عليمي: "حضور السرد في الجامعة التونسية: من الدرس إلى البحث الأكاديمي". وتكتب نورة عبيد: "السرد التونسي والقدرة التنافسية: قراءة في الأسباب والتجليات". ونقرأ لنزيهة الخليفي: "الذات في السرد التونسي: مقاربة نقدية للروايات الحائزة على جوائز الكومار". وتُقرؤنا ابتسام الوسلاتي: "التمييز ضد النساء ذوات البشرة السوداء وتجارب التهميش المركب". وتكتب وحيدة المي: "بين التوعية والاختراق القيمي: الكتابة الصادمة للأطفال واليافعين – حقل ألغام". ويقدّم أشرف القرقني: "فاتحة وجيزة في أدب الترجمة: نحو ترجمة للإيقاع (السردي)". ويهتم الطاهر بن غضيفه بـ "الاقتباس السينمائي في تونس: لا حب ولا رفض – شذرات فكرية". وتكتب فاطمة بن محمود: "الورش الأدبية بين التّرف والضرورة: ورشة البشير خريف للرواية بتونس نموذجا". ويهتم سفيان رجب بالروائي الراحل، حسونة المصباحي: قارئا للشعر من خلال مختاراته الشعرية في كتاب ذهب العصر".
بذرة أمل في مناخ صعب
جاءت افتتاحية مدير بيت الرواية تحت عنوان استعارِي لافت: "محاولة في نثر بذور تتحمّل قسوة المناخ". وهي استعارة تختصر الوعي بالتحديات، وفي الوقت نفسه الإيمان بأن بعض البذور تنبت جيدا حتى ولو زُرعت في ظروف صعبة.
ولهذا تراهن المجلة التي ستصدر مبدئيا مرة كل سنة على التحوّل لاحقا إلى موعد فصلي أو شهري في تحد لمشاكل التوزيع وارتفاع كلفة الورق وتغيّر عادات القراءة.

وفي تصريح لـ "المغرب "، أفاد يونس السلطاني أنه يجري العمل حاليا على تركيز هيئة تحرير وإحداث بريد إلكتروني خاص بالمجلة وضبط شروط المشاركة في خطوة نحو تنظيم هذا الفضاء المفتوح للجميع. وأضاف أن العدد التأسيسي متوفر حاليا في بيت الرواية، وسيُعرض في معرض تونس الدولي للكتاب، مع مساعٍ بالتنسيق مع وزارة الشؤون الثقافية لتوزيعه لاحقا على المركبات الثقافية والمكتبات الجهوية في مختلف أنحاء البلاد.

في النهاية، تأتي مجلة "تأمّلات في السرد" كمحاولة لزرع شجرة ورقية في تربة رقمية قاسية… لكن كل الأدب العظيم بدأ بمغامرة وانتهى بالخلود.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115