اقتصاد الذكاء الاصطناعي: من يربح فعليًا في سباق المليارات الشركات أم الدول أم الأفراد؟

تحول الذكاء الاصطناعي في أقل من عقد من

أداة بحثية إلى أكبر سباق اقتصادي عالمي في التاريخ الحديث. عشرات المليارات تُستثمر سنويًا في تطوير الخوارزميات، وبناء البنية التحتية الرقمية، وتوسيع نطاق التطبيقات الذكية في كل قطاع تقريبًا. وتتصدرالشركات التقنية العناوين بأرباحها، وتبني الدول استراتيجيات وطنية طموحة لتعزيز قدرتها التنافسية، بينما الأفراد يقفون بين فرص مهنية غير مسبوقة ومخاطر فقدان الوظائف. لكن وراء هذا الزخم الاقتصادي يبرز سؤال جوهري من يربح فعليًا؟ هل تتوزع المكاسب على نطاق واسع بين جميع اللاعبين الاقتصاديين، أم أنها تعيد تركيز الثروة في أيدي قلة تمتلك البيانات والخوارزميات والقدرة الحاسوبية؟ وما تأثير هذا السباق على الناتج المحلي الإجمالي وسوق العمل العالمي؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تمس مستقبل الاقتصاد العالمي، وتستدعي تحليل البيانات والإحصاءات الحديثة لفهم الفائزين والخاسرين في هذا السباق.

حجم السوق و سباق المليارات
تشير التقديرات الحديثة إلى أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي سيصل إلى 757.58 مليار دولار في 2026 بعد نمو بنسبة 19.2% من 638.23 مليار دولار في 2025، كما تتوقع بعض التقارير أن يصل السوق إلى 312 مليار دولار بناءً على معدل نمو سنوي مركب 27.7%، كما أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيتجاوز 2 تريليون دولار، مدعومًا باستثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والرقائق المتقدمة. هذه الأرقام لا تعكس فقط قوة القطاع المالي، بل تشير إلى سباق على القدرة الحاسوبية والبيانات، وهي الموارد التي تحدد قوة أي لاعب في هذا السوق.

لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على حجم السوق، بل يمتد ليشمل الناتج المحلي الإجمالي العالمي حيث تفيد التقدير آت العالمية ، أن سيضيف نحو قرابة 20 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030، ما يمثل حوالي 3.5% من الناتج العالمي. وقد ، ساهم الإنفاق الرأسمالي المتعلق بالذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة بنحو 1.1% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول من 2025، ومن المتوقع أن يستمر هذا التأثير في 2026 ليصل النمو الأمريكي إلى 2.25%. كما رفع صندوق النقد الدولي توقعات النمو العالمي لعام 2026 مدفوعًا بطفرة الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذه الطفرة تعوّض جزئيًا عن التحديات التجارية التي تواجه الاقتصاد العالمي. كل هذه المؤشرات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح محركًا اقتصاديًا رئيسيًا يعيد تشكيل توقعات النمو على المستوى العالمي.

سوق العمل الإزاحة و الفرص الجديدة

يعتبر تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا القطاع قد يؤدي إلى إزاحة 85 الى 92 مليون وظيفة عالميًا بحلول 2030، في مقابل خلق 97 إلى 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني نموًا صافيًا للوظائف على المدى الطويل. ولكن الأرقام تكشف عن تفاوت كبير حيث تم في سنة 2025 ، إلغاء 78 الف وظيفة في قطاع التكنولوجيا، بينما تأثرت نحو 50 مليون وظيفة أمريكية، خاصة الوظائف التمهيدية والروتينية. وفي المقابل، ساعد الاستثمار في البنية التحتية، مثل مراكز البيانات، على خلق فرص عمل جديدة في البناء والتشغيل والصيانة، ما يوازن جزئيًا الإزاحات. هذا التباين يوضح أن الذكاء الاصطناعي يعيد توزيع القوى العاملة بدلًا من توزيع الثروة بالتساوي، ما يخلق تحديًا كبيرًا للسياسات التعليمية وإعادة التأهيل المهني.

الأرباح ليست مجرد أرقام
تبدو الشركات التكنولوجية الكبرى الرابح الأكثر وضوحًا حيث يقوم اقتصاد الذكاء الاصطناعي على ما يُعرف بـ “اقتصاد المنصة”، حيث تصبح التقنية منظومة متكاملة تشمل البرمجيات، والخوارزميات، والبيانات، والخدمات السحابية. وتمنح السيطرة على هذه الطبقات الشركات قوة شبه احتكارية، إذ أن دخول المنافسين الجدد يتطلب استثمارات ضخمة في الحوسبة والبنية التحتية والبيانات، ما يجعل المنافسة شبه مغلقة. لذلك، الأرباح لا تعكس تفوق المنتجات فقط، بل قدرة الشركات على التحكم بالنظام البيئي بالكامل، ما يضمن لها موقعًا مستدامًا ضمن السوق العالمي ويمثل حاجزًا كبيرًا أمام المنافسة.
وعلى الجانب الآخر، تتعامل الدول مع الذكاء الاصطناعي كأداة سيادة واستراتيجية اقتصادية. الاستثمار في البحث والتطوير، تصنيع الرقائق، وبناء مراكز بيانات وطنية لا يهدف فقط إلى الربح المباشر، بل لضمان موقع متقدم في السوق العالمية. القدرة على تطوير نماذج محلية والتحكم في البيانات تمنح الدول نفوذًا في الأسواق الدولية وتمكنها من وضع المعايير والقواعد التقنية. لذلك يتحول الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى ما يشبه سباق تسلح اقتصادي رقمي، حيث تقاس القوة ليس بالمنتجات فقط، بل بالقدرة على التحكم في البنية التحتية الرقمية.
الأفراد بين التمكين والمخاطرة
على مستوى الأفراد، والفرص و
تبدو المخاطر متشابكة إذ ان الذكاء الاصطناعي يضاعف الإنتاجية ويخلق وظائف جديدة، لكنه في الوقت نفسه يرفع من قيمة المهارات التقنية المتقدمة ويقلل الطلب على الوظائف الروتينية. والنتيجة أن الأفراد موزعون عمليًا إلى ثلاث فئات من يحقق دخلاً مرتفعًا عبر مهارات تقنية متقدمة، ومن يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، ومن يواجه خطر الإزاحة أو الحاجة لإعادة التأهيل المهني وهذا يوضح أن الفرد في اقتصاد الذكاء الاصطناعي ليس فقط مستفيدًا، بل جزءًا من عملية إعادة توزيع الثروة والقوة، والقيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تظهر مباشرة للمستخدم النهائي، بل في الخوارزميات، البيانات، والقدرة الحاسوبية التي تشغّل النماذج. مع كل نموذج جديد، تتراكم الثروة والقدرة الحاسوبية، ما يعزز تركّز السوق ويحد من فرص المنافسة. هذا يجعل الاقتصاد أكثر مركزية مقارنة بأي ثورة تكنولوجية سابقة، ويؤكد أن السيطرة على الموارد غير المرئية هي مفتاح القوة والربح في هذا المجال، وليس المنتج النهائي الذي يراه المستخدم.
المخاطر الاقتصادية فقاعة أو نمو مستدام؟

في الواقع فإن الطفرة الكبيرة في استثمارات الذكاء الاصطناعي ونمو السوق، يبقى القطاع محفوفًا بالمخاطر الاقتصادية. فالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية ومراكز البيانات والرقائق المتقدمة تشير إلى أساس ملموس للنمو، كما أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تصل إلى تريليونات، ويخلق ملايين الوظائف الجديدة، ما يعزز قدرة الاقتصاد على الاستفادة من الثورة الرقمية. في المقابل، تظهر مؤشرات السوق بعض التحذيرات؛ فقد انخفض مؤشر BVP Nasdaq Emerging Cloud بنسبة 20% منذ بداية 2026، ما يشير إلى تقلبات محتملة ومخاطر فقاعة مالية، كما أن تركيز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات يزيد من هشاشة النظام إذا تعثر أحد اللاعبين الرئيسيين. لذلك، يكمن التحدي في قدرة الحكومات والشركات على إدارة الاستثمارات بعقلانية، وتنظيم الأسواق الرقمية، وتطوير مهارات القوى العاملة، لضمان أن تكون هذه الطفرة محركًا للنمو المستدام لا مجرد فقاعات مالية. بهذا الشكل، يظل الذكاء الاصطناعي قطاعًا واعدًا، لكنه يتطلب توازنًا دقيقًا بين الطموح الاقتصادي والحذر المالي لتفادي المخاطر المحتملة.

في الظاهر، تبدو الشركات الرابح الفعلي من حيث الأرباح السريعة، والدول الرابح الاستراتيجي على المدى الطويل، بينما يقف الأفراد بين التمكين والخطر. لكن الحقيقة الأعمق هي أن سباق الذكاء الاصطناعي ما زال في بدايته، وأن قواعد اللعبة لم تتحدد بعد. من يحدد القواعد ليس فقط من يملك التكنولوجيا، بل من يستطيع بناء منظومة مستدامة تشمل التعليم، الاستثمار، والتنظيم السياسي. وبذلك فإن المستقبل مفتوح على احتمال ين اما اقتصاد أكثر كفاءة واتساعًا، أو اقتصاد أكثر تركّزًا وانتقائية. بين هذين الاحتمالين ستتحدد ملامح الاقتصاد العالمي الذي لم يُكتب بعد، ومع كل استثمار وكل نموذج جديد يُعاد رسم حدود القوة والفرص في عالم الذكاء الاصطناعي.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115