وصول المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ستيف ويتكوف،أمس إلى المنطقة، في تحرك يعكس تصاعد القلق الأمريكي من تعقيدات الحرب في غزة واحتمالات توسع المواجهة مع إيران، في ظل محاولات متجددة لإعادة إحياء المسار الدبلوماسي واحتواء الانفجار الإقليمي.
ومن المقرر أن يلتقي ويتكوف رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء أمس لثلاثاء، وفق ما أفادت به تقارير ، في زيارة تأتي بعد إعادة فتح معبر رفح بين قطاع غزة ومصر بشكل جزئي، في خطوة تحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز الطابع الإنساني المعلن.
ورغم امتناع المسؤولين الإسرائيليين عن تأكيد مكان اللقاء أو جدول أعماله، فإن وسائل إعلام رجّحت أن يكون ملف غزة، ولا سيما مستقبل التهدئة وترتيبات المعابر، في صلب المحادثات، إلى جانب المخاوف الإسرائيلية المتصاعدة من الدور الإيراني في الإقليم.
''معبر رفح'' في صلب الضغوط
وتعيد هذه الزيارة إلى الأذهان اللقاء الذي جمع ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، مع نتنياهو في الرابع والعشرين من جانفي الماضي، حين مارست واشنطن ضغوطا مباشرة على حكومة الاحتلال الإسرائيلية للدفع نحو فتح معبر رفح، التزاما ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية.
ويرى مراقبون أن فتح المعبر بصورة جزئية لا يعكس فقط استجابة إنسانية، بل يمثل ورقة سياسية تستخدمها واشنطن للضغط على تل أبيب من جهة، ولإظهار دورها كوسيط قادر على ضبط إيقاع الحرب من جهة أخرى، في ظل انتقادات دولية متزايدة للأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة.
مسار مواز مع إيران
بالتوازي مع التحرك المتعلق بغزة، يتجه ويتكوف إلى إسطنبول الجمعة المقبل لعقد لقاء مرتقب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لاستكشاف فرص التوصل إلى اتفاق نووي محتمل، بحسب ما أكده مسؤول أمريكي.
وأوضح المسؤول أن دونالد ترمب ''يدعو إلى إبرام اتفاق''، وأن الهدف من اللقاء يتمثل في ''الاستماع إلى الموقف الإيراني'' إزاء القضايا النووية وملفات إقليمية أخرى، في مؤشر على سعي الإدارة الأمريكية لاحتواء التوتر مع طهران عبر القنوات الدبلوماسية، بعد فترة من التصعيد غير المباشر.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب تصريحات لمسؤولين إيرانيين أشاروا فيها إلى أن طهران تدرس شروط استئناف المحادثات مع واشنطن قريبا، وسط استعداد متبادل لإحياء الدبلوماسية بشأن الخلاف النووي الممتد منذ سنوات، وهو ما ساهم في تهدئة المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة.
وأكد مسؤولون إيرانيون وأمريكيون وفق وكالة "رويترز" أن الجولة الجديدة من المحادثات ستعقد الجمعة في تركيا، مع مشاركة محتملة لممثلين عن دول إقليمية، ما يعكس إدراكا متزايدا بأن أي اتفاق مستقبلي لا يمكن فصله عن توازنات المنطقة وملفاتها المتشابكة، وعلى رأسها الحرب في غزة.
دلالات التوقيت
ووفق متابعين تحمل جولة ويتكوف دلالات خاصة من حيث التوقيت، إذ تأتي في ظل ضغوط داخلية على حكومة نتنياهو، وتزايد الانتقادات الدولية لإدارة الحرب في غزة، إلى جانب مخاوف أمريكية من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى تقويض أي مسار تفاوضي مع إيران، وربما دفع المنطقة إلى حافة مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وكأنها تحاول إدارة الأزمات المتعددة بخيوط متوازية وهي تهدئة نسبية في غزة، وضبط إيقاع التوتر مع طهران، ومنع انزلاق الوضع الإقليمي إلى سيناريو يصعب احتواؤه.
ووفق قراءات متعددة تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة أن ملف غزة لم يعد معزولا عن بقية التحديات الإقليمية، بل بات جزءا من معادلة أوسع تشمل إيران، والأمن الإقليمي، ودور واشنطن كوسيط يسعى إلى تثبيت الاستقرار دون الدخول في مواجهة مباشرة.وبين لقاءات تل أبيب ومحطات إسطنبول، يبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول شراء الوقت وفتح نوافذ تفاوضية، في انتظار ما إذا كانت هذه الجهود ستنجح في تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي مستدام، أم أنها ستظل مجرد محاولات لإدارة أزمة تتجدد فصولها باستمرار.
جدل إسرائيلي محتدم حول ''لجنة إدارة غزة''
في الأثناء تعيش الساحة السياسية داخل كيان الاحتلال الإسرائيلي حالة من الارتباك والتجاذب الداخلي، على خلفية الجدل المتصاعد حول "اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة"، في وقت تكشف فيه التطورات المتلاحقة عمق الأزمة التي تواجهها حكومة بنيامين نتنياهو في التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب.
فقد فجّرت حكومة الاحتلال موجة من الجدل بعد ادعائها "التفاجؤ" بشعار اللجنة الوطنية لإدارة غزة ،، الذي نُشر في بيان رسمي مصحوبا برمز يضم نسرا وعلم فلسطين، في تصميم اعتبرته ''إسرائيل'' قريبا من رموز السلطة الفلسطينية. وسارعت رئاسة حكومة الاحتلال الإسرائيلية، أمس الثلاثاء، إلى إصدار بيان قالت فيه إن الشعار الذي عُرض عليها سابقا "يختلف كليا" عن الشعار المنشور، مؤكدة رفضها القاطع لأي رمزية تشير إلى السلطة الفلسطينية أو أي دور لها في إدارة القطاع.
هذا الموقف الرسمي لم ينجح في احتواء العاصفة الداخلية، بل فتح الباب أمام انتقادات حادة من داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية، عكست حجم التخبط وانعدام الثقة في سياسات الحكومة الحالية.
ووجّه زعيم المعارضة، يائير لابيد، انتقادات مباشرة لنتنياهو، معتبرا أن ما يجري هو محاولة مكشوفة للتنصل من مسؤولية إدخال السلطة الفلسطينية – ولو بشكل غير مباشر – في ترتيبات إدارة غزة. وقال لابيد إن استخدام رموز فلسطينية أمر بديهي «إذا كانت السلطة الفلسطينية حاضرة في القطاع»، محذراً في الوقت ذاته من توجيه اتهامات متسرعة للإدارة الأميركية، ومشدداً على ضرورة قدر أكبر من المهنية والشفافية في التعاطي مع الملف.
على صعيد آخر، تواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلية الترويج لمشروع نزع سلاح المقاومة في غزة، في ظل اعتراف جيش الاحتلال الإسرائيلي بعدم وجود أي قوة دولية مستعدة فعليا للانخراط في هذه المهمة. وكشفت صحيفة "هآرتس" أن محاولات البحث عن شركاء دوليين لم تحقق نتائج ملموسة، رغم تداول اسم إندونيسيا كطرف محتمل لإرسال قوات إلى مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي تمهيدا لانسحابه.
وبحسب الصحيفة، أنشأ الجيش نقاطا خاصة لتجميع أسلحة حماس على طول ما يُعرف بـ''الخط الأصفر''، على أن تُسلّم هذه الأسلحة لجهات دولية قبل نقلها إلى داخل "إسرائيل""ذ لتدميرها. غير أن الجيش أقر بعدم رصد أي عملية تسليم فعلية حتى الآن، وعدم وضوح الجهة المشرفة أو الإطار التنفيذي لهذه الخطة.
حماس تدعو لحراك عالمي
من جهتها وجهت حركة المقاومة الإسلامية حماس نداء عالميا للتحرك في مسيرات غاضبة وفعاليات ضاغطة ضد استمرار العدوان والإبادة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
وقالت الحركة في بيان إن "استمرار حكومة الاحتلال الفاشية في عدوانها الغاشم ضد أبناء شعبنا في غزة، عبر تصعيد الغارات والقصف الهمجي المتواصل، وممارسة أبشع جرائم القتل الممنهج، من خلال نسف وتدمير خيام ومنازل المدنيين الأبرياء العُزل، يعكس إصرارا على ممارسة أبشع جرائم القتل الممنهج وتعميق المعاناة الإنسانية المتفاقمة في القطاع".
وأضافت حماس أن "حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو تواصل خرق اتفاق وقف إطلاق النار بشكل مستمر ومتعمد يوميا، تهرُّبا من التزاماتها أمام الوسطاء، واستهتارا بالقوانين والأعراف الدولية، وانتهاكا صريحا لكل القيم والمبادئ الإنسانية".وتابعت "نوجه نداءنا إلى أصحاب الضمائر الحية والأحرار في أمتنا العربية والإسلامية والعالم، من أجل التحرك العاجل بكل أشكال المسيرات التضامنية مع شعبنا وقضيتنا العادلة، والمسيرات الغاضبة في المدن والعواصم والساحات حول العالم، ضد استمرار حكومة الاحتلال الفاشية في عدوانها الظالم بحق أهالي غزة".وأكدت حماس "لتكن الأيام القادمة، وخصوصا الجمعة والسبت والأحد من كل أسبوع، حراكا عالميا مستمرا ومتصاعدا، يعبّر عن صوت الضمير العالمي وصرخته الحرة ضد الاحتلال والعدوان والإبادة بحق أهلنا في غزة، وتُمارَس فيه كل أشكال الضغط الجماهيري على حكومة الاحتلال لوقف عدوانها الغاشم، والالتزام بوقف إطلاق النار، والبدء الفوري بفتح المعابر، والإغاثة، وإعادة الإعمار".
وتسعى إسرائيل إلى تهجير الفلسطينيين، ومنذ بدء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولايته الثانية في جانفي 2025، طرح تهجير فلسطينيين إلى مصر والأردن، وهو ما رفضته القاهرة وعمّان بشدة، وسط تضامن عربي ودولي مع موقف البلدين.وقبل حرب الإبادة الجماعية، كان مئات الفلسطينيين يغادرون غزة يوميا عبر المعبر إلى مصر، ويعود مئات آخرون إلى القطاع في حركة طبيعية، وكانت آلية العمل بالمعبر تخضع لوزارة الداخلية بغزة والجانب المصري دون تدخُّل إسرائيلي.وكان يُفترَض أن تعيد إسرائيل فتح المعبر في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي بدأ سريانه يوم 10 أكتوبر 2025، لكنها تنصلت من ذلك.