في ندوة "فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي: كيف يمكن للدمى أن تتحول إلى استثمار ثقافي؟

في الفنون التي تبدو بسيطة للوهلة الأولى، تتجلى الإنسانية

بكل خفاياها وتعقيداتها وهواجسها.... هكذا هو فنّ العرائس، دمى صامتة في ظاهرها، لكنها في العمق تنطق بتاريخ البشر، وتعبّر عنهم، تتحدث عن وجودهم في هذا العالم. وحين يُطرح اليوم سؤال علاقة هذا الفن العريق بالاقتصاد الإبداعي، فالمسألة لا تتعلق بتسويق عروض فنية فحسب، بل بإعادة تعريف موقع التراث نفسه داخل المجتمع المعاصر.هذا الأفق الفكري كان حاضرا بقوة في الندوة العلمية الأولى لأيام قرطاج لفنون العرائس التي انعقدت يوم 2 فيفري 2026 تحت عنوان:"فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي".

لأنّ فنون العرائس لا تتطور دون تقييم ونقد واستشراف... راهنت الدورة السابعة لأيام قرطاج لفنون العرائس تحت إدارة عماد المديوني على برمجة ندوات فكرية دولية تكون منطلقا لضبط استراتيجية ملموسة لمزيد انتشار هذا الفن وإدماجه في حلقة الاقتصاد الإبداعي".
من الذاكرة إلى السوق
مثلت ندوة فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي"، مساحة تفكير حاولت أن تنقل فن العرائس من خانة "الفن الموجّه للطفل" أو "الفرجة الشعبية" إلى مستوى كونه منظومة ثقافية كاملة، قادرة على إنتاج المعنى والقيمة في آن واحد.

حين تحدّث الباحث في مجال نظريات الإبداع والفنان التشكيلي وسام غرس الله عن فن العرائس بوصفه "ذاكرة تتحرك واقتصاد يتشكل"، لم يكن يستعمل استعارة شاعرية بل كان يقدّم مفتاحا لفهم هذا الفن خارج حدوده التقنية. فالدمية ليست أداة عرض، بل وعاء رمزي يختزن داخله الحكايات الشعبية، والصور الذهنية عن قيم المجتمع، وتمثلات السلطة، وصراعات الإنسان مع مصيره. وانطلاقا من هذه القيمة الثقافية الحقيقية، يصبح الحديث عن الاقتصاد الإبداعي امتدادا منطقيا، لأنّ ما يُنتج معنى إذا أُدير بذكاء يمكن أن يُنتج قيمة اقتصادية.
وأكد الأستاذ وسام غرس الله أنّ إدماج فن العرائس في السياسات الثقافية، ودعمه داخل المؤسسات التربوية، وانفتاحه على الفضاءات العمومية، وتطوير الشراكات مع مؤسسات التكوين… كلها إجراءات تملك قابلية التحول إلى مورد مستدام، لا يستهلك التراث بل يعيد تشغيله.

الرقمنة: تحوّل في الوسيط لا في الجوهر
من زاوية أخرى، طرحت الفنانة العراقية المختصة والباحثة في مسرح الدمى زينب عبد الأمير - في مداخلة عن بعد- مسألة بقاء مسرح الدمى حيا عبر قرون طويلة، رغم تغيّر الأذواق والوسائط. والسر، كما أوضحت، لا يكمن في الجمود، بل في القابلية الدائمة للتحول. فالفن الذي يتشبث بشكل واحد يموت، أما الذي يحافظ على روحه ويغيّر أدواته فيبقى.

وأكدت أنّ المنصات الرقمية لا تُفهم كبديل عن الخشبة، بل كفضاء إضافي للوجود. فالتوثيق الرقمي والأرشفة والورشات عن بعد والترويج الدولي للعروض… كلها آليات تجعل ذاكرة فن العرائس أوسع من حدود المكان. وفي عودة على تجربتها الشخصية في إنشاء منصة "مسرح الدمى نيوز" كشفت زينب عبد الأمير أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دور الحارس للذاكرة، ومصدر دخل وتمويل عن طريق بيع الدمى الكترونيا وترويج ألعاب عرائسية رقمية وتنظيم الورشات عن بعد...

مكتب أوروبا المبدعة في انتظار تمويل فنون العرائس
كل مشروع ثقافي، مهما كان ناضجا فكريا، يظل معلقا إذا لم يجد أدوات التنفيذ. وهنا جاءت مداخلة مديرة مكتب أوروبا المبدعة في تونس هيفاء جباس لتسلّط الضوء على فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والاستفادة الفعلية منها. فتونس منخرطة في شبكة دولية مهمة للدعم الثقافي، ومع ذلك ظلّ فن العرائس خارج هذه الدوائر، ليس بسبب غياب الجودة، بل بسبب غياب المعلومة.
وأكدت مديرة مكتب أوروبا المبدعة في تونس أنه يمكن دعم فنون العرائس في مجال الإقامات الفنية وبرامج تمويل المشاريع ودعم التعاون الدولي… وهذه المسارات تجعل من الاقتصاد الإبداعي منظومة فعلية. . وضمن معرض الماريونات في مدينة الثقافة، يهتم جناح مكتب أوروبا المبدعة بالإجابة عن كل التساؤلات وإجراءات الترشح والحصول على الدعم.
وذكرت هيفاء جباس أن الفنان اليوم يحتاج، إلى جانب موهبته، المعرفة بآليات التمويل ومؤسسات الدعم، لأن الثقافة أصبحت تتحرك داخل شبكات ومؤسسات، لا فقط داخل المسارح.
التراث العرائسي قيمة تنموية
إنّ التراث غير المادي لا يعيش إذا عُزل داخل خطاب الحماية فقط، بل حين يُستثمر ويُعاد إنتاجه. كانت هذه الفكرة هي جوهر مداخلة مدير المعهد العالي للموسيقى والمسرح بالكاف رياض زمال الذي أكد أنّ فن العرائس، بما يحمله من طاقات بصرية وسردية، قادر على أن يُوّظف في التعليم، والإعلام، والمحتوى الرقمي، والسياحة الثقافية، والفعاليات الكبرى...حتى يتحوّل من ممارسة فنية محدودة إلى عنصر فاعل داخل الدورة الثقافية والاقتصادية.
وقد أجمع المتدخلون في ندوة "فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي" أنّ فنون العرائس مادة حيّة قابلة للتشكّل، تتغير أشكالها بينما يظل جوهرها قائما.
في النهاية، ما خلصت إليه هذه الندوة هو أن الدمى وهي تتحرك فوق الخشبة تحرّك مفاهيمنا حول الثقافة نفسها لتتحول من مجال رمزي معزول إلى قوة ناعمة قادرة على إنتاج المعنى… والثروة أيضا.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115