الفوترة الإلكترونية في تونس: عندما يتحوّل الإصلاح الجبائي إلى سؤال ثقة ومن إجراء تقني إلى جدل اقتصادي واسع

دخلت تونس رسميًا ابتداءً من غرة جانفي 2026

مرحلة جديدة في علاقتها بالمعاملات التجارية والجبائية، مع اعتماد الفوترة الإلكترونية كآلية إلزامية ووحيدة للاعتراف بالفواتير لأغراض جبائية، وفق ما نصّ عليه الفصل 71 من قانون المالية لسنة 2025. هذا التحوّل، الذي يعني عمليًا نهاية الفاتورة الورقية وملفات الـPDF البسيطة، لا يقتصر على تغيير الشكل أو الوسيط، بل يعلن عن إصلاح عميق في كيفية إصدار الفواتير وتبادلها والاعتراف بها، عبر منصة إلكترونية موحّدة تشرف عليها الدولة وتشمل جميع الشركات ومزوّدي الخدمات دون استثناء.

ولم يكن إدراج قانون الفوترة الإلكترونية ضمن قانون المالية الأخير في تونس مجرّد إجراء تقني ذي طابع محاسبي، بل سرعان ما تحوّل إلى محور نقاش واسع تجاوز الأوساط الجبائية الضيّقة ليشمل رجال الأعمال، وأصحاب المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والمحاسبين، والمستثمرين.
لقد انقسمت الآراء بين من اعتبره خطوة إصلاحية ضرورية لترسيخ الشفافية ومقاومة التهرّب الضريبي، ومن رآه عبئًا إضافيًا في اقتصاد يعاني أصلًا من ضغط التكاليف وضعف هوامش الربح.
هذا الانقسام لا يعكس اختلافًا تقنيًا فحسب، بل يعبّر عن تباين عميق في فهم دور الدولة وحدود تدخلها في النشاط الاقتصادي، وفي معنى الرقمنة نفسها وهل هي أداة تحديث أم آلية ضبط ومراقبة؟
هذا الانتقال الجذري يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات: هل تمثّل الفوترة الإلكترونية الزامية شاملة خطوة حاسمة نحو شفافية جبائية طال انتظارها، أم أنها تنذر بإعادة رسم علاقة الدولة بالمؤسسة على أسس أكثر صرامة؟ وهل يملك النسيج الاقتصادي التونسي، بكل تباين أحجامه وقدراته، الجاهزية التقنية والمالية للامتثال لهذا النظام الجديد؟ ثم، إلى أي حدّ يمكن لمنصة موحّدة أن تتحوّل من مجرّد أداة رقابة إلى رافعة تحديث وثقة ونجاعة اقتصادية؟

سياق اقتصادي يفرض الإصلاح ويعقّد تطبيقه

يأتي هذا القانون في ظرف اقتصادي دقيق، تتراجع فيه المؤشرات المالية، وتضيق فيه هوامش التمويل العمومي، بينما تتزايد الحاجة إلى تحسين المداخيل الجبائية. فضعف النمو، واتساع الاقتصاد الموازي، وعدم تكافؤ العبء الضريبي بين المتعاملين، كلها عوامل دفعت الدولة إلى البحث عن أدوات أكثر نجاعة لتتبع المعاملات التجارية. ومن هذا المنطلق، تُقدَّم الفوترة الإلكترونية كحلّ حديث يسمح بالحد من الفواتير الوهمية، وتحسين الاستخلاص، وتعزيز العدالة الجبائية. غير أن وجاهة الهدف لا تلغي صعوبة الواقع، حيث يصطدم الإصلاح بتحديات بنيوية تتعلّق بقدرة الاقتصاد على استيعاب هذا التحوّل بسرعة.
في قلب هذا الجدل، تجد المؤسسات الصغرى والمتوسطة نفسها في موقع حرج فهي، من جهة، العمود الفقري للنسيج الاقتصادي، ومن جهة أخرى، الأكثر هشاشة أمام التحوّلات المفروضة. فاعتماد الفوترة الإلكترونية يعني بالنسبة لها تحمّل كلفة إضافية تتعلق بالتجهيزات الرقمية، والبرمجيات، والتكوين، فضلًا عن التخوّف من أعطال تقنية قد تعطل النشاط أو تفتح الباب أمام عقوبات. وفي اقتصاد يعاني من نقص السيولة وارتفاع كلفة الإنتاج، تتحوّل الرقمنة غير المصحوبة بالدعم والمرافقة إلى مصدر قلق حقيقي، لا إلى فرصة تطوير.
مناخ الأعمال بين إشارات التحديث ومخاوف التعقيد
على مستوى أوسع، ينعكس الجدل حول الفوترة الإلكترونية مباشرة على مناخ الأعمال. فالقانون يحمل رسالة إيجابية مفادها سعي الدولة إلى تحديث إدارتها وتعزيز الشفافية، وهي عناصر أساسية لجذب الاستثمار. لكن في المقابل، يثير الغموض المتعلّق بآليات التطبيق، وسرعة فرض الالتزامات، مخاوف من تعقيد إضافي قد يثقل مسار بعث المشاريع ويضعف القدرة التنافسية، خاصة في ظل إدارة جبائية رقمية ما زالت في طور التشكّل. المستثمر لا يبحث فقط عن القوانين، بل عن وضوحها واستقرارها وقابليتها للتطبيق دون كلفة غير محسوبة.
فجوة الثقة و جوهر الإشكال
في العمق، لا يمكن قراءة الجدل حول الفوترة الإلكترونية بمعزل عن أزمة الثقة التاريخية بين الإدارة الجبائية والقطاع الخاص. فالدولة تنظر إلى الرقمنة كأداة ضرورية للرقابة وضبط السوق، بينما يخشى العديد من الفاعلين الاقتصاديين أن تتحوّل إلى مراقبة أحادية لا تقابلها بالضرورة خدمات أفضل أو تبسيط للإجراءات. وهنا يتجاوز النقاش مسألة الفاتورة ليصل إلى نموذج العلاقة بين الدولة والمؤسسة: علاقة تقوم على الإلزام والعقوبة، أم على الشراكة والتحفيز؟
في جوهرها، ليست الفوترة الإلكترونية مجرّد وسيلة محاسبية، بل اختبار حقيقي لقدرة تونس على إدارة انتقالها نحو اقتصاد رقمي منظّم. فهي تحمل إمكانات فعلية لمحاصرة الاقتصاد الموازي، وتحقيق قدر من الإنصاف الجبائي، وتحسين شفافية المعاملات. لكنها في المقابل قد تتحوّل، إذا أسيء تطبيقها، إلى عبء إضافي يفاقم هشاشة النسيج الاقتصادي ويعمّق الإحساس بالضغط الجبائي.
عموما يبقى الرهان الأساسي في طريقة تنزيل القانون لا في مبدئه. فإمّا أن تختار الدولة مقاربة تشاركية تقوم على التدرّج، والمرافقة، والدعم، والتواصل، فتجعل من الفوترة الإلكترونية رافعة إصلاح حقيقية، وإمّا أن تكتفي بفرضها كالتزام قانوني مجرّد، فتفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها الاقتصادية. في النهاية، لا يُقاس نجاح هذا القانون بعدد الفواتير المرقمنة، بل بمدى قدرته على إعادة بناء علاقة أكثر توازنًا وثقة بين الدولة والسوق، يكون فيها الإصلاح الجبائي محرّكًا للنمو لا عبئًا عليه

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115