أشياء فلسفية: في «البريوش» بديلا عن الخبز: عن المراجع الحقيقية للسياسيين

اليوم السبت 7 ماي 2022 (العاشرة صباحا)، وأنا أتابع موكب تنصيب الرئيس الفرنسي ماكرون في قصر الإليزي بباريس..

لست ممن يتعلقون بالموديل الفرنسي حد الانبهار وفقدان الذات، ولا ممن يحقدون عليه بخفة الجاهلين. ولكني أتابع بعين الملاحظ والمقارن: لفتت انتباهي هيبة المؤسسة التي ينحني أمامها المعارض قبل الموالي والمشارك قبل المسؤول. تفاصيل الشكليات التي لا يناقشها ولا يضعها موضع السؤال أحد .. ونعلم جيدا مع ذلك أن الكل في نفسه عليها موجدة وتحفظات. كان خطاب رئيس المجلس الدستوري (...) عند إعلان النتائج رسميا وتسليم مقاليد السلطة للرئيس المنتخب، بين قوسين شاهدين: شاتوبريان (Chateaubriand):
«لكي تكون رجل بلادك عليك أن تكون ابن زمانك»
وفيكتور هوغو (Hugo):
«في هذه الأزمنة المضطربة علينا أن نكون خدما للحق وعبيدا للواجب»

.. وما ينطوي خلف ذلك من ثقافة معتزة بنفسها حريصة على أن تجد في مواردها هي ما تضطلع به بحاضرها بل ما ترفع به ذلك الحاضر إلى مقام الاختراع والوعد والالتزام بتحقيق الوعد ..
سألت نفسي : أليس لهم إنجيل ؟ أليس لهم توراة؟ أليس لهم عهد قديم وعهد جديد؟ فلماذا يتركون كل ذلك ويلجؤون إلى نصين إنسانيين لشاتوبريان وهوغو؟ ووجدت الجواب بسرعة: ليست رفعة مقالة هذا ولا حكمة مقولة ذلك هي التي تبرر هذا اللجوء في المقام الأول. وإنما لأنهما مرجعان «إنسانيان» ينتميان معا إلى قرن استرجع العالم واستعاده إلى تصوره، واستَقامه ضمن إرادته، وأقسم أن يصوغ كل ذلك على قدر مقاسه. مقامُ السياسة ليس مقام الانجيل ولا القرآن، وليس من الحكمة أن نرفع الله وعدا ولا شاهدا على فعل سياسي، لا في وجه الفعل السياسي ولا خلفه .. لأن الفعل السياسي لا يمكن أن يكون إلا فراغا في تلك الحالة، فراغا لا تستقيم فيه أية مقارنه ولا مقايسة. وكيف يمكن المقارنة بين الفعل الإنساني والشهادة الإلهية؟

فهمت ساعتها لماذا تحضر المؤسسة. إنها المرجع الوحيد الذي يليق بالفعل الإنساني، بالفعل المدني، بالفعل السياسي، أن يحتكم إليه. ولذلك فإن فابيوس (Fabius) مهما رفع من مقام المثل التي ذكر بها الرئيس الفرنسي طالبا منه أن يتمثّلها وأن يهتدي بها، لم يُسكن تلك المثل في سماء مثُل فوق إنسانية، وإنما في كتابين يوميين يمكن لأي كان أن يعود إليهما وربما كانت معجزتهما أنهما على مثاليتهما يندرجان ضمن ما يمكن تحقيقه، أعني ما يمكن للإنسان المدني تحقيقه.

رجعت بي الذاكرة بسرعة إلى خطاباتنا .. وجدتها مخرومة من أوائلها ومن أواخرها ومن أواسطها. وجدتها كلما وعدت أشهدت الله أو أنبياءه أو أولياءه .. فاستودعت إنجازها بمقياس إنجاز هو في كل الأحوال خارج الإنسان. ينسى رؤساؤنا وحكامنا، هنا في هذه الرقعة من الأرض، وفي هذه الدول الثيولوجية المتعاقبة بضرب من السلالة الطبيعية، أن وراءهم نصوصا تبدأ من أبوليوس وترتوليانوس وأوغسطين وتنتهي إلى المبخوت وآمنة الرميلي وأميرة غنيم والوهايبي والغزي مرورا بصفوف متعاقبة من النصوص ومن القصائد ومن المسرحيات .. وأن في تلك النصوص نتوءات تجارب إنسانية لا تدرك المعنى وصفا ولا تعديدا ولا استعراضا، وإنما إمساكا بما يمكث حقا من وراء الأزباد. لا شيء من كل ذلك يلهمهم .. لا لأنهم لا يجدون في ذلك ما يستجيب لعطشهم إلى المرجعيات ولكن لأنهم لا يعرفون المراجع ولا يتجاوزون في ثقافتهم ما حفظوه في الكتاتيب .
هم لا يدركون أن ما استودعه هؤلاء الكبار ضمن كتبهم ونصوصهم هو عصارة فكر قد اخترق الحاضر واستطاع أن ينفذ من كثرته وتنوعه إلى الجوهري فيه وأنهم قالوا ذلك الجوهري على عشرين طريقة وطريقة. إن ساسة العالم الحديث يرون في نصوص مفكريهم مرجعيات تفي من وجهة نظر إنسانية، بإيقاع الفعل الإنساني، وفي ذلك تكمن عبقريتها، فيستمعون إليها على أنها القصوي الذي يقوم أفقا للفعل السياسي وللإنجاز السياسي: هكذا تقوم السياسة عندهم (من وراء ما لا تخلو منه أية سياسة من الأكاذيب اليومية، والحيل العملية، ومن وراء المكائد والدهاءات، ومن وراء التحالفات والتخطيطات، ومن وراء حسابات المصالح)، تقوم مجهودا لملامسة مطلق سنّه الإنسان وصاغته التجربة الإنسانية في أقصى ما وصلته من العلاقة بالواقع كتجربة للمعنى.

أين يجد السياسي مراجعه الحقيقية؟ أين يجد عبارة الإرادة الشعبية؟ هل يجدها في آنية الشعار الذي يرفعه أحد المارة ( وحتى كثيرون منهم) ردة فعل على إثارة ما؟ هل يجدها في خربشات حائطية رسمها صبية عابثون أو حتى كهول عاقلون؟ هل يجدها في شعارات يرفعها متفرجون على مباراة كرة قدم ؟ هل يجدها في شعارات شارعية لا تحوز مضامينها إلا من ضرورات وقوع القافية على القافية حتى لكأن ما يريده الشعب أصبح نتيجة لما تفرضه موسيقى القوافي (رب شعب باتت مراداته صدى لترانيمه ومواويله !!) ؟ لا شك أنه يجدها في كل ذلك. وحقا إن الدستور يمكن أن يكون مكتوبا على الجدران، ولكن بشرط معرفة قراءته، أعني بشرط إحكام تأويله. وهذا التأويل إما أن يستعين بثقافة الإنسان التي نفثها كتابنا وشعراؤنا وفنانونا في كتبهم ورواياتهم ودواوينهم وآثارهم، والتي ينبغي ساعتها أن تكون هي نسيج ثقافتنا، أو أن يظل مثلها صوتا مقطوعا عن مصدره، تماما كأصوات المارة من أمام كهف أفلاطون، يظن المساجين أنها آتية من ظلالهم.

إن ما تطلبه الشعوب ليس من جنس رغبة الرضيع الإنساني أو الحيواني والتي يمكن إشباعها بتقديم موضوعها المباشر. وعندما يصرخ الشعب بأنه «يريد الخبز» فإن توفير الخبز ليس الجواب الموافق لإرادته إلا عند من يريد فقط تأجيل الغضب إلى حين. إننا لا نفهم بعدُ سخافة «البريوش» بديلا عن الخبز في جواب ماري أنطوانيت على زعقات بؤساء فرنسا السائرين على فرساي في 1789، لأنّ الجواب الحقيقي لا يوجد هناك وإنما يوجد في ما كتبه فيكتور هوغو، وشاتوبريان، وبودلير، وغوته، وفلوبير، وستندال، وماركس 1844، ووليم بليك، وفي ما كتبه الحداد في كتاب «العمال»، وفي «امرأتنا»، وفي شطّ الأرواح، وفي نازلة أميرة غنيم، وفي ابن خلدون (الذي تريد بعض العجائبيات أن تحوّله إلى فقيه مالكي سخيف بفعل تواصل سكوت بعضنا على ما يكتبه بعضنا الآخر). هؤلاء هم المؤوّلون الحقيقيون، العميقون، لما يريده الشعب، هؤلاء هم الذي ينطقون عن تلك الإرادة باعتبارها إرادةَ صنع للتاريخ لا باعتبارها استشباعَ رغبات، ولا حتى استشباعا يتم إعلاؤه بفعل رمزية مغتصبة (symbolique violée) إلى تأويلية «ثورة حرية وكرامة».

كم كنا سطحيين في قراءة ما سمعنا وما رأينا، لأنه كان علينا أن نعود إلى تلك الكتب التي ذكرت والتي لا يعود إليها أي سياسي من سياسيينا البائسين. إن قراءة الأحزاب لإرادة الشعب هي قراءة لا يمكنها إلا أن تكون قراءة دهاء آني، متحيل ولو كان حسَن الطوية. أما جواب السياسي، أعني رجل الدولة، فهي قراءة تسمع ما لا يُسمع، وتقرأ ما لا يَظهر، لأن ذلك هو ما ينبغي عليها أن تجيب عليه حتى تصنع لشعوبها تلك «الدّعة» التي تمكنه من أن يعيش في وئام ما مع الزمان.، وفي انتماء إليه.

«لكي تكون رجل بلادك عليك أن تكون ابن زمانك»: هذا ما قاله شاتوبريان. لا شك في ذلك. ولكن بنوّة الزّمان، والانتماء إليه، ومعاصرته، تتطلب مجهودا أكبر بكثير من مجرد الاستماع إلى ما يقوله بعض المارّة ولو كانوا يلهجون بجمهورية جديدة. إن كل استماع إلى عفوية الشارع إذا كان لا يعيدنا ولا يحيلنا على ما فينا من ثقافة الكتب الحقيقية، ومن نقاوة القريحة العميقة التي أنتجتها، لا يمكن إلا أن يتركنا في مثل عفويتها أعني في مثل سطحيتها. ساعتها، وساعتها فقط يتبين لنا كيف إن الزمان يتطلب منا أن لا نكون فقط خدما للحق، للقانون، وإنما كذلك عبيدا، بل عبدةً، للواجب. ما أروع بنوة الزمان عندما تأخذ نفسها بمعنى الواجب حتى تصبح عبدا له.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا