أشياء فلسفية: أحبُّ ..فأَنْفـِي: الحبُّ في سَماعٍ آخر

ثمة في «تقريظ الحب (Eloge de l’amour)» لآلان باديو (A. Badiou) المعروف، استطراد عن المسرح والحب يقيم فيه المفكر تناظرا بين التكرار في المسرح وفي الحب.

سنقول ضد باديو: لا يوجد تكرار في الحبّ. وإذا ما أصررنا على التكرار فلنسلّم بأننا غادرنا الحبّ. «قل لي ثانية إنك تحبني»: لا تعني كرّر لي. هي تعني على العكس من ذلك - وخارج كل ابتذال للكلمات: غادر إلى منطقة أخرى، إلى «توبوس» آخر. لا أنكر أن مثل هذه العبارات موجودة ومنتشرة: «قل لي ثانية»، «أعد علىيّ مرة أخرى»... ما أنكره هو أنها تعبر عن حقيقة الحب: لا يمكن أن تكون غاية الحبّ إحلالَ الفكرة في الجسد، فالفكرة، ولو كانت مطلقة، إحساسٌ باهتٌ ذاوٍ. متى كان الحب نفيَ الإحساس؟ إنّ الحبّ يستوفي دائما موضوعه ولا يستبقي منه ما يبرر عودته إليه. هو ليس معاودةً أخرى وإنما مغادرةٌ أخرى. لا شبه بين المغادرة والمغادرة إلا بقدر الشبه بين اللحظة واللحظة: كان اليونانيون يعبرون عن اللحظة بـ»الآن»(to nun)، وقال العرب: «الآنُ مقطع الزمان». هو مقطع لا موْصل، لا شك أن هذا المقطع يُتوهّم فقط، مما يعني أنّ حقيقة الحبّ في هذا التوهُّم. تكرار الحبّ إذن مستحيل استحالة تكرار «الآن». من يصدّق أنّ الآنات يكرّر بعضُها بعضا: بل «الآنُ» هو في كل مرة قطْع، تَبطُل منه الحركة، تماما كما تبطل الحركة في كل توقيف سينمائي للصورة (arrêt sur image): ليس في ذلك التّوقيف إلا الصورةُ، لا الحكايةُ، بل فيه في كل مرّة إنهاءٌ للحكاية. تجدّدُ الآن: نفيٌ للحركة لولاه لأصبح الآن ديمومةً وامتدادا: تذكروا جيدا مفارقات زينون.. إنّ نفي الحركة ليس هو اللاحركة إذن: كيف قَبِل برمانيدس أن يكون زينون نصيره الذي ينافح عنه؟

فنفي الحركة ليس السكون، وإنما هو فعل النفي الذي ينفي وينفي وينفي فيظل حركة لا تنتهي.. ومتى توقف عن النفي صار سكونا. هكذا يمكن، خارج بلادة الابتذال، فهم ديوجينس عندما قام يذرع الفضاء جيئة وذهابا أمام زينون اعتراضا عليه: ما كان يعنيه ديوجينس ليس إمكان الحركة من خلال المشي، وإنما إمكانها أصليا كنفي، كاعتراض، على حجج زينون. النفي هو الحركة. وأما المشي فمعرّض أيضا للتوقف والسكون، وإذن فهو ليس حجة. وحده النفي حركة مطلقة.
الحب هو هذا النفي الذي تبطل منه الديمومة لأن شأن الحب ليس أنه يدوم وإنما شأنه أن يحدُثَ حدوثا فريدا في كلّ مرة. وتلك معجزته. ولذلك فإن «موازاته» مع المسرح لا تصحُّ إلا بشروط: المسرح استحضارٌ جهيد. وأما الحب فحضورٌ في الحين، وآنٌ ينقطع عن الآن ولا يكرّره ولا يواصله. إنه الفرادة (singularité) كفصل داخل الزمان. وإذا جازت لي العبارة سأقول إننا لا نصبح محبّين جيّدين على قدر تكرار الحب ودربتنا عليه. نحن محبون لأننا مبتدؤون، ومبتدؤون لأوّل مرة. كيف يمكن إذن موازاة الحب بالمسرح؟ يمكن ذلك فقط متى كانت إعادات المشهد التي يُجْهِد عليها المخرج ممثليه إنما تُنجَزُ من أجل إحداث الفريد، المشهد الفريد، النبرة الفريدة، النبضة الفريدة. كأنما يريد المخرج أن يبلغ بممثليه إلى فرادة الآن الحبّـي (l’instant amoureux).

كلما قام بين المحبَّيْن حبٌّ نزلت من «السماء» قصّته الثانية: لا تكرار في الحب، إنه الفرق المطلق في كل مرة: فرق الأرض والسّماء: لذلك ما إن ذكرت نسوة المدينة حبّ امرأة العزيز ليوسف حتى «قطّعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا». فكأنما حكاية الحب (أعني سرديته الجديدة على لسان نسوة المدينة) لا يمكن إلا أن تكون قطعا للأيدي، لعله قبل ذلك آنٌ آخر، قطعٌ آخر، قطيعة أخرى، قُدّت من شغف المُحبّات إقامةً لتواصل يقطع سالف التّواصل ومألوف أدواته: يقطع الأيدي. لا تقوم حكاية الحبّ بين المحبين حتى تتدخل السماء لإعادة القص. فكأنما حال المحبين في كل مرة حال أخرى، منقطعة عن الأولى، مختلفة عنها بإطلاق: لا يكون السرد الثاني للحب تكرارا له إذن: هو في كل مرة حبٌّ ثان لا يندرج ضمنه الوفاء والوصل إلا بداهات مبذولة لا تستحقُّ الجهد: كبداهة ما نمشي على الأرض صعيدا.
«قل لي ثانية إنك تحبني» ليست إذن مطلب طمأنة بالبقاء على العهد، فالعهد هاهنا بداهة، وإنما هي مطلب مرور إلى المختلف إطلاقا، مرورا، السماءُ وحدها تستطيع أن تتكفل به.

الذين أحبوا في ثقافتنا معروفون. وكلّما تقلّب قلبُ أحدهم حبًّا، كتبت السماء سرديته الثانية لا شهادةَ عدول يكتبون، وإنما رفعا لهذا الآن الدنيوي إلى حب آخر في آن آخر. عن أي تواصل في الزمان سنتحدث إذن؟ بل إنه القطيعة الكبرى، تلك التي تفصل بين حكاية الحب الأولى وسرديته الثانية. الحب آن من الزمان إذن، هو كالخِيل، كـ»التوهّم»، الذي يقطع اتّصاله. إنّ لا نهائية الحب ليست إذن تمطُّطه على نحو متكرر مجرور، وإنما لانهائيتُه من تجدد آناته تجدّدا كلُّ آن فيه نفيٌ للذي سبقه، وللذي يليه. لا أعني بهذا التجدّد تبديل الوجوه ولا جريا وراء كثرة المحبوبين والمحبوبات، وإنما تجددا للنفس يستحيل معه أن أقول في كل مرة إني أنا نفسي. من كان محبا فقد نسي نفسه.

قصص الحب ليست مألوفاتِ عِشرةٍ تطمئن بها أنفس الرتابة التي هي أنفسنا: إنها اعتراض العدم وتعريض النفس له في كل حين، لأن كل ما يملكه المحب هو الآخر: ما هو الآخر؟ إنّه اللاوجود - الذي أملكه، اللاوجود الذي أؤُول إليه، هو اللاوجود الذي أنا في كلّ مرة إياه.
فلعل القوم يدركون الفرق بين هذه الآخرية، الغيرية، التي لا يمكن مَلْكُها ولو سلّمتْك نفسها، وبين سعيهم إلى استعبادها وإخضاعها، وكأنما يقبضون على الريح: ما يملكون إلا جثثا هامدة. وأما الحب ففي منطقة أخرى لعلها منطقة «الاكتشاف» الذي يُريك من نفسك في كل مرة ما لا تتوقع: وتلك هي معجزته التي من كل حين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا